مجتمع وحوداث

"أبَّا سَلَّامْ" سفير الطفولة.. صاحب شركة "الْبَرْدْ" الذي حوّل البساطة مجدا في ذاكرة مناجم الفوسفاط باليوسفية

أحمد فردوس (كاتب)

تختزن الذاكرة الجماعية لمدينة اليوسفية الفوسفاطية، صورا لشخصيات استثنائية لم تصنع التاريخ بالجاه والثروة والنفوذ، بل بالحب الخالص والبساطة المفعمة بالنبل والكرامة والقناعة. منهم "الـْﮜَرَّابْ" و "النَخَّالْ" و "الْكَسَّالْ" و "الَخَرَّازْ" و "الْعَطَّارْ" و "الْخَبَّازْ" و "الَحِرَفِي"...، في مقدمة هؤلاء يبرز اسم "أبَّا سَلَّامْ الْحَمْرِي"، صاحب مؤسسة شركة "الْبَرْدْ" لصناعة لعبة "فَرْفَارَةْ" السعادة والفرح، الذي اختار عن طواعية وشغف أن يكون في صف الطفولة والتنشئة دون شرط أو قيد قبل إحداث مؤسسة دار الشباب وفضاءات ألعاب الأطفال.


تتحرك الذاكرة الجماعية في أحياء مدينة المناجم الفوسفاطية وضواحيها على إيقاع لعبة "الْفَرْفَارَةْ" الورقية و "الْكُرَاتْ" الملونة بسحر أنامل اليد البيضاء، محدثة حفيف أجنحة طائرة ورقية، وصوت دوران متواصل طالما أشعل حماسنا الطفولي في أزقة الأحياء المهمشة. ذاكرة يرتبط اسمها باسمٍ لا يُنسى "أبَّا سَلَّامْ الْحَمْرِي"، ذاك العابر النبيل الذي جعل من مهنة صامتة وسيلة لصناعة السعادة ورسم بسمة الفرح على وجوهنا، وممارسة نموذجٍ حي لكرامة البساطة وهيبة الوجود.


في صورةٍ تختزل ذاكرة العصر الذهبي للبساطة، يقف "أبَّا سَلَّامْ" الذي يختزل معنى الإنسان العادي في الاستثنائي، شامخا، بقامة منتصبة، فارهة ومستقيمة، كأنه قادم من زمن آخر، يتوسّل بوزرته البيضاء الناصعة كصفاء نيته وصلاحه، معتمرا على رأسه طاقية حمراء أضحت مع الأيام علامة فارقة وبصمة بصرية محفوظة في أذهان كل من جايلوه.


لم تكن شخصية الرجل، مجرد بائعٍ يتأبط سلة ألعابه ويتجول بين الدروب وممرات الأزقة والشوارع والطرقات وسراديب صناعة الفرح والبهجة هنا وهناك، بل كان ظاهرة إنسانية تسير على قدمين. يطوي المسافات بحسّ عالي العزة والكرامة، يحمل منتوج ألعابنا الطفولية بابتسامة دافئة لا تفارق ملامحه ومحياه. ابتسامة كانت بمثابة وثيقة وفاء ومحبة مجانية قُدمت لأطفال جيلنا، ولأمهاتنا وآبائنا على حد سواء.


في زمنٍ كانت تعاني فيه الطبقات الهشة ضغوط الحياة، ابتكر "أبَّا سَلَّامْ" فلسفته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة والاستثنائية. لم تكن غايته جمع "الرْيَالَاتْ" البيضاء والصفراء اللون، التي كنا نحصل عليها بمشقة وعناء، بقدر ما كان يحدوه الشغف لإسعاد براءة أقراننا في أحيائنا الفقيرة والمهمشة. كان يتعامل مع القطع النقدية الزهيدة التي يتلقاها لا كربحٍ تجاري، بل كـ "سُلْفَةْ" نبل يقدمها الناس لإعادة تدوير عجلة اللعب، وتوسيع قاعدة الفرح بين أطفال لا يملكون ثمن الألعاب المتطورة.


كان "أبَّا سَلَّامْ" يمنحنا طوق النجاة من رتابة الحرمان من شغبنا الطفولي، وينقلنا بخفة ورشاقة على أجنحة منتوجاته إلى عالمه الجميل. ألعابا ورقية وبلاستيكية ملونة تستدعي أقدامنا الصغيرة للركض السريع عكس اتجاه الريح، لتتحول لعبة "الْفَرْفَارَةْ" الوريقة مطحنة الهواء ومولدة ضحكات بريئة مجردة من كل تصنع.


لم تكن قصته الرائعة، تقتصر على شغبنا الطفولي في الأزقة والمواسم والمناسبات الدينية والوطنية، بل كانت حاضنة شعبية تضامنية، امتدت لتشكل حالة تكافل مجتمعي فريدة بمدينة الفوسفاط، حيث احتضنه العمال والأطر والمهندسون في القطاع الفوسفاطي. والأطباء والأطر الصحية ورجال التعليم والطلبة وغيرهم. كانوا يقتطعون جزءا من كرمهم الحاتمي لدعم هذا المشروع التضامني النبيل، نصرة لمقاولته البسيطة الموسومة بشركة "الْبَرْدْ" وضمانا لاستمرار رسالته الإنسانية تجاه الأطفال المحتاجين.


لم تكن خطى "أبَّا سَلَّامْ" محصورة في أزقة الأحياء الشعبية المهمشة بالمدينة فحسب، بل تعرفه خيل التْبَوْرِيدَةْ وفرسانها في مَحَارِك مواسم الفروسية التقليدية، وتألف وجوده ساحات الفرح وأمكنة الغبطة والسرور في كل المواسم والمناسبات الوطنية والدينية...حملته أقدامه إلى المواسم، والحفلات، والمناسبات الوطنية والدينية، حيث كان يقطع المسافات غير أبه بتعب الطريق، طالما أن المحطة الأخيرة هي رسم الابتسامة على وجوه الأطفال الفقراء.


غاب "أبَّا سَلَّامْ الْحَمْرِي" رحمه الله، وتوقفت معه صناعة تلك "الْكُرَة" العجيبة و "الْفَرْفَارَةْ" الورقية عن الدوران بين يديه، لكنه ترك في وجدان مجال جغرافي شاسع أثرا عصيا على الغياب. نعم، لقد كبرنا نحن أطفال زمانه، وكبرت معنا أحلامنا، لكننا نذكر ونتذكر دائما أن جزءا أصيلا من شغبنا الجميل وطفولتنا كان بفضل هذا الرجل الذي عاش شريفا، ومات ومعه حب الناس وذاكرتهم.


رحل "أسطورة" صناعة السعادة والفرح، مات الرجل الثري بصناعته وحرفته البسيطة، وبقيت حكايته مقتطعة من صحائف الوفاء والنبل والكرامة، تحكى لتبرز كيف يمكن لمهنة بسيطة "سهلة وممتنعة" أن تصنع مجدا إنسانيا، وتخلد صاحبها في سجلات الذاكرة الشعبية بمدينة الفوسفاط إلى الأبد.


مات الجسد وبقي الأثر، رحل "أبَّا سَلَّامْ" وماتت معه "فَرْفَارَةْ" الفرح التي كانت تطحن الهواء بضحكاتنا التي تملأ أرجاء المدينة والقرية، ونحن نركض عكس نسيم الرياح. لكن حكايته لم تمت ولن تموت. لقد حفرت في ذاكرة من كبروا وكبرت معهم أحلامهم، كشاهدٍ على أن الفرح الحقيقي يُصنع بالحب والوفاء، وأن صانعه سيبقى مخلدا في ذاكرة الوطن والشرفاء.


لم يكن "أبَّا سَلَّامْ الْحَمْرِي" مجرد بائعٍ متجول يُفرح أطفال أحياء مدينة اليوسفية بلعبة "الْفَرْفَارَةْ" الورقية أو بلعبة "الْكُرَاتِ" التي كان يصنعها من "نَفَّاخَاتٍ" يغلفها بألوان ساحرة وجذابة. بل كان ظاهرة وحالة إيمانية وسلوكا روحيا يتجسد في تفاصيل حياته اليومية، حيث تلتقي طهارة مقصد "النِّيَّةْ والْبَرَكَةْ" ونبل السعي مع الهيبة والوقار الذي يعكسه مظهر شيبه الناصع كأنه تاجٌ مرصع من نور يسطع من جسده النحيف، كملاك يسير ويمشي في الأزقة والشوارع والطرقات مقتفيا أثر براءة الأطفال.


كانت تتجلى هيبة الرجل في أبهى صورها كل يوم جمعة، حين يتزين بشعر رأسه الأبيض المكلل بالهيبة والوقار، وينطلق نحو المسجد مثل ملاك تمشي قدماه بخطوات مطمئنة على تربة الأرض الطيبة. يرتدي جلبابا تقليديا غنيا بالصوف الأبيض، متأبطا زربية صغيرة يُصلي عليها، وينتعل "بلغة صفراء" تحف قدميه بكرامة.


حين يصافحنا "أبَّا سَلَّامْ" يوم الجمعة، ونقبل يده الكريمة، كنا نشعر بشذى الطيب والسكينة، تنبعث منه رائحة العطر الزكي، وكأنه حقل متفتح مليء بالزهور والورود في فصل الربيع، يعطر الطرقات التي يمر منها نحو محراب العبادة.

       

حكى لي "أبَّا سَلَّامْ" ذات سنة، أنه في إحدى الأيام، جالس فقيه المسجد، ليحكي له رؤيا صادقة زارته في منامه، رؤيا تختزل جوهر حياته ورسالته الإنسانية، حيث "رأى نفسه يلعب مع أطفال صغار بجانب وادٍ يترقرق ماؤه العذب، يسقي النخيل والأغراس والأشجار المثمرة، بينما كانت الطيور على أشكالها تحلق فوق كتفيه وتغرد في طمأنينة.. كان منظرا غنيا بالجمال والطبيعة العذراء".

 

عندما سمع فقيه المسجد تأويل الرؤيا، اعتبرها بشارة الصالحين وصناع السعادة، فقال له بكلمات تثلج الصدر "أنت رجل مؤمن وطيب وتقدم خدمة للأطفال وتستحق الجنة.. فاستمر على نهجك وسر في دربك وطريقك وأكمل مسيرتك، لأنك تزرع البسمة على وجوه الأيتام والأطفال الفقراء"


كانت تلك الرؤيا بمثابة تزكية ربانية للعطاء وفعل الخير، كانت تزكية لرجلٍ جعل من عمله البسيط جسرا للعبور إلى قلوب الضعفاء. لم يكن "أبَّا سَلَّامْ" يبحث عن جاه أو ثراء، بل كانت ثروته الحقيقية هي دعوات الأطفال الصغار وفرحتهم البكر في أحياء اليوسفية.


بهذه الرؤيا وهذا السلوك العاطر، ارتقت صورة "أبَّا سَلَّامْ" من مجرد صانع لعب، إلى مقام الأصفياء والصادقين، رجلٍ عاش بالحب، وعطّر وقته بالعبادة، وصنع الفرح بأبسط أدوات الورق والرياح، ليبقى اسمه محفورا بمداد من نور في ذاكرة كل من عرفوه.