سياسة واقتصاد

هند رجب… أثر الفراشة الذي لا يزول

حسان البلعاوي

كانت هند رجب طفلة فلسطينية لم تبلغ السادسة من عمرها بعد، واحدة من أطفال غزة الكثيرين الذين وجدوا أنفسهم في قلب حرب لا يد لهم فيها. لكنها، من دون أن تدري، تحولت قصتها وصوتها إلى واحد من أكثر الرموز الإنسانية حضوراً في الذاكرة العالمية عن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.


في 29 يناير 2024، كانت هند مع أفراد من عائلتها في سيارة تحاول مغادرة منطقة تل الهوى في مدينة غزة، عندما تعرضت السيارة لإطلاق نار. قُتل أفراد من عائلتها، وبقيت هند عالقة داخل السيارة وسط جثامينهم. وعلى مدى ساعات، ظل صوتها يصل عبر الهاتف إلى طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، تستنجد وتطلب أن يأتي أحد لإنقاذها. وكان قبلها صوت ابنة عمها ليان حمادة، التي كانت تتحدث مع الهلال الأحمر قبل أن يُسمع إطلاق النار وينقطع صوتها.


أرسل الهلال الأحمر الفلسطيني سيارة إسعاف تقل المسعفين يوسف الزينو وأحمد المدهون للوصول إلى هند، قبل أن ينقطع الاتصال بهما أيضاً. ولم يُعثر على هند إلا في 10 فبراير 2024، أي بعد اثني عشر يوماً، داخل السيارة إلى جانب أفراد عائلتها، فيما عُثر على سيارة الإسعاف مدمرة على مسافة قريبة، وقد قُتل المسعفان اللذان كانا في طريقهما لإنقاذها.


ومنذ ذلك الوقت، خضعت ظروف مقتل هند وما جرى للسيارة ولطاقم الإسعاف لتحقيقات صحفية وتقنية متعددة، وأصبحت القضية موثقة على نطاق إعلامي ودولي واسع، ولم تعد مجرد قصة تناقلتها وسائل الإعلام، بل واحدة من أكثر الوقائع حضوراً في توثيق ما تعرض له المدنيون والأطفال خلال الحرب على غزة.


لكن هند رجب ليست وحدها.


إنها واحدة من آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين دفعوا ثمناً فادحاً في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، سواء بالقتل المباشر أو الإصابة أو فقدان الأهل والبيت، أو من خلال التجويع والحصار والنزوح والخوف والصدمة النفسية. وهي مأساة نرى امتداداً لها اليوم أيضاً في جنوب لبنان، حيث يدفع الأطفال والمدنيون ثمناً باهظاً للهجمات والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، بما تخلّفه من قتلى وجرحى ونزوح ودمار.


وقد عرف التاريخ الفلسطيني أطفالاً كثيرين تحولت صورهم وقصصهم إلى رموز. وربما كان أشهرهم قبل هند رجب الطفل الفلسطيني محمد الدرة، الذي استشهد في قطاع غزة في 30 سبتمبر 2000، في الأيام الأولى للانتفاضة الثانية، وتحولت صورته وهو يحتمي بوالده وسط إطلاق النار إلى واحدة من أكثر الصور حضوراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية والدولية.


ولا يزال أثر محمد الدرة حاضراً بعد أكثر من ربع قرن، حتى في أماكن بعيدة عن فلسطين. ففي باماكو، عاصمة جمهورية مالي، يوجد صرح يجسد الطفل الشهيد محمد الدرة إلى جانب صرح للمسجد الأقصى، في شارع القدس، أحد أكبر وأبرز شوارع العاصمة المالية. وهكذا انتقلت صورة ذلك الطفل الفلسطيني من غزة إلى قلب غرب أفريقيا، لتصبح جزءاً من فضاء عام يحمل اسم القدس وذاكرتها ورمزيتها.


وبين محمد الدرة وهند رجب سنوات طويلة وآلاف الأطفال الذين كانت لكل واحد منهم قصة، وإن لم تصل أسماؤهم وأصواتهم إلى العالم. وربما تكمن هنا أيضاً قوة الذاكرة: فالطفل الذي يغيب جسده قد تبقى صورته وقصته حاضرتين بعد عقود، وفي أمكنة تبعد آلاف الكيلومترات عن المكان الذي عاش فيه واستشهد.


لكن ما منح قصة هند أثراً استثنائياً هو أن صوتها بقي.


لم تصل إلينا هند من خلال صورة فقط أو اسم في قائمة طويلة من الضحايا. وصل صوت طفلة خائفة تنتظر من ينقذها، وانتقل ذلك الصوت من هاتف في غزة إلى العالم، وإلى صحفيين وكتاب وفنانين وسينمائيين ومحامين.


ومن بين الذين وصل إليهم صوت هند المخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي حولت قصتها إلى فيلمها «صوت هند رجب» (The Voice of Hind Rajab).


عُرض الفيلم عالمياً في مهرجان البندقية السينمائي عام 2025، واستند إلى التسجيلات الحقيقية لمكالمات هند مع الهلال الأحمر الفلسطيني، ضمن بناء سينمائي أعاد تقديم الساعات الأخيرة من محاولات الوصول إليها وإنقاذها. وحظي الفيلم باستقبال استثنائي، وفاز في سبتمبر 2025 بـالأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في الدورة الثانية والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي، ووصل لاحقاً إلى الترشيح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي. 

وهكذا سلكت قصة هند طريقاً أول هو طريق الفن والسينما، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية والفنية للحرب، وشاهداً على قدرة السينما على حفظ الذاكرة الإنسانية ومقاومة النسيان.


لكن اسم هند رجب سلك طريقاً آخر لا يقل أهمية: طريق القانون والعدالة والمساءلة.


ففي بلجيكا تأسست في سبتمبر 2024 مؤسسة هند رجب (The Hind Rajab Foundation)، وهي منظمة غير ربحية مقرها بروكسل، تعمل في مجال المساءلة القانونية عن الجرائم الدولية والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.


وقد أخذت المؤسسة اسمها من الطفلة هند رجب، وجعلت من العمل القانوني وسيلة لملاحقة الأشخاص المشتبه في مسؤوليتهم عن جرائم حرب وانتهاكات خطيرة، سواء من خلال المؤسسات القضائية الدولية أو أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تسمح قوانينها بذلك.


وهنا تحديداً تكمن أهمية المسار الذي يرمز إليه اسم هند رجب.


فالبحث عن المساءلة لم يعد مرتبطاً فقط بالتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية وانتظار تحرك القضاء الدولي، وإنما أصبح هناك أيضاً مسار موازٍ يعتمد على القضاء الوطني داخل الدول الأوروبية وغيرها، وعلى ما تسمح به قوانين هذه الدول من ملاحقة مواطنيها أو مزدوجي الجنسية، وفي بعض الحالات من تطبيق أشكال من الاختصاص القضائي على الجرائم الدولية.


وتُعد بلجيكا ساحة مهمة لهذا العمل، ليس فقط بسبب القضايا الراهنة، وإنما أيضاً بسبب تاريخها القانوني الطويل في مجال الاختصاص العالمي والجدل الذي رافقه منذ التسعينيات وبداية الألفية.


وقد برز هذا المسار مجدداً في يونيو 2026، عندما تقدم الصحفي الفلسطيني محمد الحلو، القادم من غزة، بشكوى في بلجيكا مرتبطة بعمل وحدة قناصة إسرائيلية حول مستشفى ناصر في خان يونس. وكان الحلو قد تعرض، بحسب شهادته، لإطلاق نار أثناء عمله الصحفي وهو يرتدي سترة تحمل بوضوح كلمة «PRESS»، واستقرت إحدى الرصاصات في سترته الواقية.


وأخذت القضية مساحة في الصحافة البلجيكية، خصوصاً بسبب وجود مشتبه به يحمل الجنسيتين البلجيكية والإسرائيلية، وبسبب ما تطرحه القضية من أسئلة حول المسؤولية القانونية تجاه مواطنين يشاركون في نزاعات مسلحة خارج أراضي الدولة.


وفي هذا الإطار أعلنت مؤسسة هند رجب تقديم شكوى جنائية ضد مواطن بلجيكي–إسرائيلي قالت إنه خدم قناصاً ضمن وحدة إسرائيلية عملت في غزة، وربطت الملف بشهادات وأدلة حول الأحداث المحيطة بمستشفى ناصر. وتبقى هذه بطبيعة الحال اتهامات تخضع للتحقيق والإجراءات القضائية، ولا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية لأي شخص قبل صدور حكم قضائي.


ويمثل الصحفي محمد الحلو في هذه القضية المحامي البلجيكي جان فيرمون، وهو محامٍ ارتبط اسمه منذ عقود بقضايا تتعلق بالقانون الدولي وبفلسطين، وشارك في مراحل سابقة من المحاولات القانونية التي شهدتها بلجيكا لمساءلة مسؤولين عن جرائم دولية.


ومن هنا تبدو أهمية المسار الحالي أكبر من قضية منفردة. فنحن أمام خيط قانوني يمتد عبر عقود: من النقاشات البلجيكية حول الاختصاص العالمي، إلى المحاولات المرتبطة بمجازر صبرا وشاتيلا وملاحقة أرييل شارون في بداية الألفية، مروراً بتعديل القانون البلجيكي تحت ضغوط سياسية ودبلوماسية كبيرة، وصولاً اليوم إلى البحث عن الأدوات التي ما زال القانون البلجيكي يتيحها لملاحقة المشتبه في ارتكابهم جرائم دولية.


وهكذا أصبح اسم هند رجب يتحرك اليوم في مسارين متوازيين ومتكاملين: مسار الفن والثقافة والسينما، ومسار القانون والعدالة والمساءلة.


وهنا تحديداً تحضر كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش:


«أثرُ الفراشةِ لا يُرى

أثرُ الفراشةِ لا يزول».


وربما تختصر هند رجب هذا المعنى بصورة مؤلمة وعميقة. فهي طفلة لم تكن تعرف شيئاً عن السينما والمهرجانات، ولا عن القانون الدولي والمحاكم، لكنها تركت بعد رحيلها أثراً تجاوز حدود غزة.


وعندما بدأ فيلم «صوت هند رجب» رحلته إلى العالم، عبّرت والدتها وسام حمادة عن هذا المعنى بكلمات بسيطة ومؤثرة. قالت إن شيئاً لن يشفي جرح فقدان ابنتها، لكنها تجد القوة في معرفتها بأن صوت هند أصبح يتردد في العالم. وقالت في مناسبة أخرى إن صوت ابنتها أصبح مسموعاً في جميع أنحاء العالم، وإن هند لن تُنسى. 


وهنا ربما تكمن القيمة الإنسانية الأعمق لما يحدث اليوم باسم هند. فلا فيلم كوثر بن هنية سيعيد الطفلة إلى حضن أمها، ولا مؤسسة تحمل اسمها، ولا قضية أمام محكمة تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء. والعدالة، إن تحققت، لن تمحو ألم أهلها ولن تعيد إليهم ابنتهم.


لكن ربما تمنحهم شيئاً من العزاء.


العزاء في أن هند لم تتحول إلى مجرد رقم آخر في حرب طويلة، وأن قصتها بقيت، وأن صوتها الذي كان في لحظاته الأخيرة يطلب النجدة أصبح اليوم جزءاً من ذاكرة إنسانية أوسع، وأن اسمها بات حاضراً في الفن وفي البحث عن الحقيقة والعدالة والمحاسبة.


وهند ليست وحدها. فخلف اسمها آلاف الأطفال في غزة، واليوم أيضاً أطفال في جنوب لبنان، لكل منهم قصة وذاكرة وأهل ينتظرون العدالة. وربما تكون قصة هند أيضاً طريقاً لكي نتذكر أولئك الأطفال الذين لم تُسجل أصواتهم، ولم تتحول أسماؤهم إلى فيلم أو مؤسسة أو قضية أمام محكمة.


وهنا يصبح «أثر الفراشة» أكثر من استعارة شعرية. فقد بدأت الحكاية بطفلة محاصرة في سيارة في غزة، وانتهت – أو لم تنته بعد – بفيلم يشاهده العالم، وباسم تحمله مؤسسة، وبقضايا تتحرك أمام القضاء وتنتظر العدالة .