تبدأ الأطروحة المدافعة بوضع قناع البطولات الإقليمية، مدعية أن رئيس الحكومة قدم نموذجا فريدا في إسقاط "الإسلام السياسي" عبر صناديق الاقتراع. وهذه قراءة تجتزئ السياق المغربي وتلوي عنق الحقائق؛ فالتحول السياسي بالمغرب عام 2021 لم يكن معركة شخصية أو إنجازا حزبيا معزولا، بل جاء نتاج تصويت عقابي شعبي وديناميات مؤسساتية محكومة بدستور 2011 وقوانين انتخابية معدلة، فضلا عن طبيعة الخصوصية المغربية التي لا تقبل المقارنة بالسيناريوهات الصدامية في دول عربية أخرى. محاولة شخصنة هذا الانتقال تعكس رغبة في صناعة شرعية سياسية بديلة لتعويض غياب الكاريزما والتواصل المباشر مع الشارع طيلة نصف عقد.
أما الاستعراض الرقمي لزيادات الأجور في قطاعات التعليم، والصحة، والإدارات العمومية، فيحمل في طياته تناقضا صارخا. فالحكومة لم تمنح هذه الزيادات استباقا أو كرما حاتميا، بل جاءت تحت ضغط احتقان قطاعي غير مسبوق شلّ المدارس والمستشفيات العمومية لشهور، وهدد بانهيار السلم الاجتماعي. والأهم من ذلك، أن هذه الزيادات، التي يُحتفى بها اليوم كإنجاز تاريخي، وُلدت ميتة؛ إذ التهمتها موجات التضخم المتتالية والارتفاع الفاحش في أسعار المواد الأساسية والمحروقات. لقد تحولت الزيادة في الأجر من أداة لتحسين العيش إلى مجرد "مُسكن قانوني" عجز عن ملاحقة قطار الغلاء اليومي، ليبقى السؤال الجاد ما قيمة أن تمنح الموظف ألف درهم إضافية وتنتزع منه ومن أسرته أضعافها عند أول محطة وقود أو متجر للبقالة؟
وفي شق الدعم الاجتماعي والتغطية الصحية، التي تُرفع كشعارات براقة للدولة الاجتماعية، يكشف الواقع عن آليات إقصاء ذكية بدلا من الإدماج الشامل.... حصر الدعم في أربعة ملايين أسرة حجب الضوء عن ملايين العائلات الأخرى التي وجدت نفسها خارج العتبة بسبب نظام تنقيط مجحف في السجل الاجتماعي الموحد، تحول فيه امتلاك قنينة غاز أو هاتف ذكي إلى تهمة تُسقط صفة الهشاشة. وبالمثل، فإن الانتقال القسري من نظام "راميد" المجاني إلى "أمو تضامن" فرض على فئات فقيرة اشتراكات شهرية تعجز عن سدادها، مما حرمها من ولوجيات التطبيب الأساسية التي كانت مكفولة لها سابقا، وتحول الإجراء من حماية للمواطن إلى توازن مالي لفائدة الصناديق.
ولا يمكن لأي غربال سياسي أن يغطي الفشل البنيوي في معضلة التشغيل، حيث سجلت هذه الولاية مستويات بطالة قياسية، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مع تآكل الطبقة المتوسطة وتراجع الاستثمار الخلاق لفرص الشغل المستدامة مقابل برامج مؤقتة لم تزد عن كونها مساحيق تجميلية لعجز هيكلي. يضاف إلى ذلك حالة الصمت المريب تجاه شبهات تضارب المصالح واحتكار الأسواق التي ظلّت تلاحق قيادة التحالف الحكومي، مما رسخ الانطباع بوجود هوة سحيقة بين مراكز القرار المالي والسياسي وبين نبض الشارع ونقد النخبة المنصفة.
التاريخ سينصف بالفعل هذه المرحلة، لكن ليس بالطريقة التي يشتهيها المدافعون عنها؛ سينصفها بوصفها مرحلة شهدت تغييبا للسياسة بمفهومها النبيل لفائدة التدبير المقاولاتي الجاف، مرحلة برعت في لغة الأرقام والتقارير الجاهزة، وأخفقت في تأمين الأمن المعيشي والكرامة اليومية للمغاربة. والتمنّي بعودة هذه التجربة مستقبلا يظل رهين الصالونات السياسية المغلقة، أما في الأسواق والبيوت والشوارع، فالأمنية الوحيدة هي ألا تتكرر تجربة حكومية قايضت السلم الاجتماعي بالمؤشرات الحسابية.






