طرائف من سنوات الأمن المُقرب في خدمة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ، يمكن مشاركتها مع الجمهور :
تعود الذكرى الثامنة والعشرون لرحيل الملك الحسن الثاني ، طيب الله ثراه ، فتعود بي الذاكرة إلى سنوات خلت ، يوم كنت حارسا شخصيا في خدمة الأعتاب الشريفة ضمن منظومة الأمن الملكي .
متعددةٌ هي الحكايات التي يمكن أن أرويها عن العاهل المغربي الراحل ، لكنني أستحضر اليوم واحدة من الطرائف التي عاينتها شخصيا ، خلال السنة الأخيرة من حياته .
كانت الساعة تشير إلى حوالي الثانية زوالا ، حين غادر الموكب الملكي قصر مراكش في اتجاه نادي أملكيس للغولف (Amelkis Golf Club) ، الواقع على طريق ورزازات ، شرقي القصر الملكي .
كنت أتواجد داخل سيارة الحراسة رقم 1 تحت قيادة المدير وبمعية إطار أمني والسائق التابع للمصلحة الامنية .
وعلى بعد بضعة كيلومترات من نادي الغولف ، توقفت مجموعة من السيارات التابعة للقصر ، وذلك عقب توقف السيارة الملكية التي كان على متنها الملك الراحل ، مرفوقا بإحدى الشخصيات المدنية من المقربين إليه .
نزل الطاقم الأمني ليُحيط بالسيارة الملكية ، حيث ما لبث الملك ان نزل منها و شرع في السير على الأقدام رفقة بعض الشخصيات الخاصة بمحاذاة الطريق التي لم تكن حاشيتها واسعة بالقدر الكافي . ومع ذلك ، واصلتْ سيارات الأمن والموكب مسيرها على الهامش نفسه مقتادة من طرف السائقين فقط .
سرعان ما اتضح أن الأمر يتعلق بعودته راجلا في الاتجاه المعاكس نحو القصر الملكي ، وأن برنامج التمرين المعتاد داخل النادي قد طرأ عليه تغيير ، أو أنه لم يكن مُبرمجا أصلا .
وأثناء نزولنا إلى حاشية الطريق ، لاحظتُ أن السيارات العابرة تسير بسرعة لا تتناسب مع حركة الموكب الملكي المُترجِل . عندئذ ، استشرتُ مع المدير كي أمشي أمام جلالته بصفتي رئيسا للامن المُقرب ، بينما ظل المدير على مقربة منه ، معززا بأربعة عناصر وأطر أمنية مُحنكة .
وكان الغرض من مهمتي في المقدمة يتلخص في ثلاثة أهداف :
- محاولة لفت انتباه السائقين إلى وجود الملك بمحاذاة الطريق لحثهم على تخفيف السرعة والتدخل عند الاقتضاء .
- توجيه تعليمات لشرطي المرور الوحيد الذي كان يوجد على مسافة بعيدة عن الموكب الملكي المترجل ، من أجل الاشتغال في العمق دون التأثير على حركة السير العادية للمواطنين ، طبقا للتعليمات التي كان الملك الراحل يحرص على تطبيقها بحذافيرها .
- التنسيق مع عناصر الأمن الإقليمي بمراكش التابعين لمصلحة الاستعلامات العامة والدين كانوا يتواجدون داخل الحقول المحاذية للطريق حتى لا يلفتوا الانتباه ، ويُواصلوا التمشيط في العُمق ، دون الانضمام إلى طاقم الأمن الملكي إلا بتعليمات واضحة .
كانت الأمور تسير بسلاسة على مستوى ضبط حركة السير ، إلى أن شاهدتُ سيارة عادية تقتربُ مني وسط الطريق . وبمجرد أن تعرفتُ على سائقها الذي كان أحد لاعبي الغولف الذين كانوا يُمارسون إلى جانب الملك .
والطريف في الأمر أنني ، بعدما أمرتُ السائق بمتابعة السير في الطريق العادية ، فوجئتُ به ، ما إن شاهد الملك ، حتى عمد إلى تحويل اتجاه سيارته نحو حافة الحقل المجاور وقد بدا عليه كثير من الارتباك ، مما دفعني إلى التدخل بالإشارات ، آمرا إياه بإبعاد السيارة قليلا عن مسار الموكب المترجل ، حتى لا تعيق حركته .
غير أن الصعوبة الحقيقية في هذا الموقف كانت تكمن في كون السائق أصما وأبكما ، الأمر الذي جعل التواصل معه يعتبر تحديا عمليا في حد ذاته في لحظة خاطفة .
بدا الرجل غير متحكم في السيارة بالقدر المطلوب ، مما جعله يضغط على الفرامل متسببا في تحريك كثير من الغُبار ..
كان الملك يتابع عن كثب ما يجري أمام ناظريه ، دون أن تتضح له ملامح السائق بشكل جلي .. وفجأة ، تدخل الملك مستفسرا إياي عن سبب إلزام المواطن بتوقيف سيارته بالقرب من الحقل ، قائلا :
«لماذا تم الزج به وسيارته قرب الحقل ؟»
وأمام الموقف الذي وجدتُ نفسي فيه ، لم يكن أمامي سوى الاقتراب من جلالته توضيح الأمر باحترام و توقير يليقان بالمقام الشريف :
« نعم أسيدي ، الأمر يتعلق بلاعب الغولف المسمى (كذا )، الذي ما إن تعرف على أسيدي وسط المُرافقين ، حتى ارتبك وخَشِيَ مُواجهة الوضع » .حينها ، وجه جلالته عتابا إلى الكولفور دون أن تفارق محياه ابتسامة عريضة ، مذكرا إياه بأنه سبق أن نهاه عن السياقة ، بحكم إعاقته السمعية ..
وفي تلك اللحظة و تحت أنظاري بادر إلى تقبيل يد الملك بشكل متكرر ، مصدرا همهمات يُفهم منها أنه يلتمس الصفح السامي .
ولم يتردد جلالته في مواصلة التنبيه ، مذكرا إياه بأن تلك ستكون آخر مرة يراه فيها يتولى السياقة خوفا على سلامته ، قبل أن يأمره بالمغادرة .. غير أن الرجل لم يُغادر في الحين ، بل انتظر إلى حين تحرُكِ سيارات الموكب الملكي لعين المكان ، و هي حركة ذكية منه تعكس احترامه للطقوس المَرْعِيَّة ..
صبيحة اليوم المُوالي ، كُنْتُ كالعادة واقفا أمام بوابة القصر أتفقد اجراءات الحراسة الثابتة ، إذا بالمدير بنزل من سيارته ، فهرعتُ لتقديم التحية . وفي تلك الاثناء ، إذا بلاعب الغولف نفسِهِ يتقدمُ نحو المدير ويشرع في الشكوى مني ، زاعماً أنني كنتُ السَبَبَ في التوبيخ الملكي الذي تلقاه عشية اليوم السابق .
وطبعا ، كان المدير حاضرا في وقائع الأمس ، وقد عاين حقيقة ما حدَثَ عن قُرْب ، الأمر الذي جعله يكتفي بالابتسام في وجه المُشْتكي و تحيته .
وإلى اليوم ، لا تزال هذه الواقعة حاضرةً في ذاكرتي ، بما حملتْهُ من طَرافَةٍ على مُستوى المَوْقِف ، وبما عكسته من تفاصيل يومية عشتُها أثناء خدمة الجناب الشريف رحمه الله و أدْخَلَهُ فسيحَ جِنانهِ و جَزاهُ عن خدمة الوطن جزيلَ الثوابِ ..






