أُسدل الستار على يوم الاقتراع في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 بنسبة مشاركة وطنية بلغت 38.02%، بعد أن كانت قد بلغت 28.05% عند الخامسة مساءً. وبين الرقمين، أضافت الساعات الأخيرة قرابة عشر نقاط مئوية، في ارتفاع لافت يؤكد أن جزءًا من الناخبين اختار الوصول إلى الصندوق في نهاية اليوم. لكن الرقم النهائي، أكثر من أي صورة من صور الطوابير أمام مكاتب التصويت، هو الذي يفتح السؤال الحقيقي: من حضر إلى الصندوق، ومن بقي خارجه؟
فالهيئة الناخبة المسجلة هذه السنة تضم 15,801,162 ناخبًا. وباحتساب نسبة المشاركة النهائية، نتحدث حسابيًا عن نحو 6 ملايين ناخب شاركوا في الاقتراع، مقابل قرابة 9.8 ملايين مسجل لم يشاركوا. أي أن أكثر من ستة من كل عشرة مسجلين ظلوا خارج العملية الانتخابية. وهذه ليست كتلة انتخابية صامتة بالمعنى السياسي بالضرورة، لأن الامتناع لا يحمل تفسيرًا واحدًا؛ فقد يكون ناتجًا عن اللامبالاة، أو عدم الثقة، أو عدم الاقتناع بالعرض السياسي، أو ظروف شخصية، أو ببساطة عدم اعتبار التصويت أداة قادرة على تغيير الواقع. لذلك لا يمكن تحويل كل الممتنعين إلى موقف سياسي واحد.
لكن الرقم يصبح أكثر دلالة حين يوضع داخل الزمن.
فقد بلغت المشاركة في الانتخابات التشريعية 37% سنة 2007، ثم ارتفعت إلى 45.40% سنة 2011، قبل أن تتراجع إلى 42.29% سنة 2016، ثم ارتفعت إلى 50.18% سنة 2021. وبذلك تأتي نسبة 2026، عند 38.02%، أقرب إلى المستويات المنخفضة التي عرفتها الانتخابات التشريعية المغربية، وأقل بـ12.16 نقطة مئوية من انتخابات 2021.
لكن مقارنة 2026 بـ2021 تحتاج أيضًا إلى الحذر؛ فانتخابات 2021 تزامنت مع الانتخابات الجماعية والجهوية في اليوم نفسه، وهو عامل اعتبره مراقبون من بين العوامل التي يمكن أن ترفع التعبئة والمشاركة، خصوصًا أن الانتخابات المحلية تكون أكثر قربًا من الحياة اليومية للناخب.
لذلك لا يمكن قراءة نسبة 2026 باعتبارها مجرد انخفاض في رقم. إنها، على الأقل، مؤشر على أن المشاركة الانتخابية لا تسير في خط مستقيم، وأن علاقة المواطن المغربي بصندوق الاقتراع تتغير بحسب السياق، والثقة، وقدرة الفاعلين السياسيين على التعبئة.
وهنا تظهر مفارقة العزوف.
الانتخابات لا تُحسم بمن كان يمكن أن يصوت، وإنما بمن صوّت بالفعل.
عندما تنخفض المشاركة، لا يحصل حزب ما تلقائيًا على هأصوات إضافية، ولا تتحول أصوات الممتنعين إلى مقاعد لصالح طرف بعينه. لكن انخفاض الإقبال يجعل وزن الناخبين الذين يشاركون بانتظام، والكتل التي تستطيع تعبئة أنصارها، أكثر أهمية داخل مجموع الأصوات المدلى بها. ولهذا قد تجد الأحزاب أو المرشحون الذين يمتلكون شبكات تنظيمية ومحلية قادرة على الحشد أنفسهم أمام منافسة مختلفة عن تلك التي كانت ستنشأ لو شارك عدد أكبر من الناخبين المترددين أو غير المنخرطين.
بعبارة أخرى:
العزوف لا يصوّت بدلًا عن أحد، لكنه يغيّر وزن من يصوّت.
وهنا يأتي القاسم الانتخابي.
القاسم الانتخابي في هذا النظام لا يُحتسب من عدد المشاركين فعليًا، وإنما من عدد الناخبين المسجلين في الدائرة مقسومًا على عدد المقاعد المخصصة لها، ثم تُوزع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر بقية. وبالتالي، لا يصح القول إن انخفاض المشاركة الوطنية من 50% إلى 38% جعل القاسم نفسه ينخفض؛ القاسم لا يتحرك بهذه الطريقة لمجرد أن عدد المصوتين تراجع.
لكن ما يتغير هو شيء آخر: حجم الأصوات الفعلية التي تدخل في المنافسة على المقاعد.
وهنا تصبح التعبئة مهمة. فاللائحة التي تملك ناخبين منظمين يعرفون مرشحهم، ويتحركون يوم الاقتراع، تكون أكثر قدرة على تحويل ولائها الانتخابي إلى أصوات فعلية. أما اللوائح التي تراهن أساسًا على توسيع المشاركة واستقطاب ناخبين جدد، فإن عزوف هؤلاء الناخبين يجعل رهانها أصعب.
لهذا فإن السؤال بعد إعلان النسبة النهائية ليس فقط: كم بلغت المشاركة؟
بل أيضًا:
من هم الستة ملايين الذين حضروا؟ وكيف توزعت أصواتهم داخل الدوائر؟
فالنسبة الوطنية تخبرنا بحجم المشاركة، لكنها لا تخبرنا وحدها عن طبيعة الخريطة السياسية التي ستخرج من الصناديق. فالمنافسة الانتخابية تُحسم داخل الدوائر، حيث تختلف نسب المشاركة، وقوة المرشحين، وشبكات التنظيم، وتركيبة الناخبين من مكان إلى آخر.
ثم هناك سؤال آخر، ربما أكثر عمقًا من سؤال الفائز والخاسر:
ماذا يعني أن يبقى نحو 9.8 ملايين مسجل خارج الصندوق؟
لا يمكن اعتبارهم كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن القول إنهم جميعًا رافضون للانتخابات. لكن وجودهم بهذا الحجم يجعل الحديث عن التمثيل أكثر تعقيدًا؛ لأن المؤسسة المنتخبة ستتكون قانونيًا من الأصوات التي أُدلي بها، بينما تظل غالبية الهيئة المسجلة خارج عملية الاختيار.
وهنا تكمن المفارقة:
الصندوق لا يحتسب الغائبين، لكنه لا يستطيع أن يلغي دلالتهم.
قد تكون الانتخابات قد انتهت عند السابعة مساءً، لكن السؤال الذي تركته نسبة 38.02% لم ينتهِ معها.
فالنتائج تخبرنا من حصل على المقاعد.
أما نسبة المشاركة، فقد تركت لنا سؤالًا آخر:
لماذا اختار ملايين المغاربة أن يقولوا كلمتهم داخل الصندوق، بينما اختار ملايين آخرون أن يقولوا شيئًا آخر... بعدم الذهاب إليه؟






