فالانتخابات، في معناها السياسي العميق، لحظة تكشف شيئا عن علاقة المجتمع بالسياسة، وعن قدرة التنظيمات على الإقناع والتعبئة والاستمرار. ولذلك فإن نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 تستحق من اليسار المغربي أكثر من مجرد قراءة انتخابية عابرة: ماذا تقول هذه النتائج عن المجتمع؟ وماذا تقول، في المقابل، عن اليسار نفسه؟
النتيجة الأكثر إثارة للانتباه هي العودة القوية للعدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعدا سنة 2021 إلى 54 مقعدا في اقتراع 2026، محتلا المرتبة الرابعة.
وفي المقابل، حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على 19، بينما تقدم ملموس لتحالف اليسار الذي حصل على 8 مقاعد.
وفي الوقت نفسه لم تتجاوز نسبة المشاركة الوطنية 38.02%.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة هو: كيف يمكن أن يحقق تنظيم خرج من واحدة من أقسى هزاته الانتخابية عودة بهذا الحجم، بينما ظل اليسار، رغم تعدد تنظيماته وتراكمه التاريخي، عاجزا عن تحويل رصيده الفكري والنضالي إلى قوة سياسية ومجتمعية أكثر اتساعا؟
هنا تحديدا ينبغي أن يتحلى اليسار المغربي بشيء من التواضع والواقعية.
ليس المقصود التواضع أمام المرجعية السياسية للعدالة والتنمية، ولا التسليم بخياراته أو تقييم تجربته في الحكم والمعارضة، وإنما التواضع أمام درس التنظيم.
فالسياسة ليست فقط ما نقوله للناس، وإنما أيضا قدرتنا على بناء تنظيم يستطيع أن يعيش في لحظات الصعود كما في لحظات الانكسار.
فماذا حدث بين 2021 و2026؟
في سنة 2021 تلقى العدالة والتنمية ضربة انتخابية قاسية، فتراجع من 125 مقعدا في 2016 إلى 13 مقعدا بحيث كان يمكن أن تتحول الهزيمة إلى تفكك تنظيمي أو إلى موجة مغادرة جماعية.
لكن الحزب حافظ على وجوده التنظيمي والسياسي، واستمر في إعادة ترتيب صفوفه، ثم عاد إلى البرلمان بـ54 مقعدا في 2026.
هذه الوقائع لا تجيب وحدها عن كل أسباب العودة، ولا تسمح باختزالها في عامل واحد، لكنها تضع أمامنا سؤالا معرفيا مهما: هل تستطيع التنظيمات السياسية أن تجعل من الهزيمة الانتخابية أزمة قابلة للتدبير، بدل أن تجعل منها أزمة وجود؟
وربما هنا يكمن أحد الدروس التي تستحق أن يدرسها اليسار، لا أن يرفضها مسبقا.
فالسر ليس بالضرورة في الخطاب وحده، ولا في الأشخاص وحدهم، ولا في الظروف الانتخابية وحدها.
هناك، على الأقل، مسألة الاستمرارية التنظيمية: الحفاظ على المناضلين، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة نهائية، وإبقاء التنظيم حيا في المجتمع، والقدرة على إعادة بناء الصف بعد الهزيمة.
ثم تأتي عوامل أخرى مرتبطة بالقيادة والخطاب والسياق السياسي والاجتماعي، وهي أمور تحتاج إلى دراسة مستقلة لا إلى أحكام جاهزة.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: هل أصبح اليسار المغربي أكثر اهتماما بإدارة خلافاته الداخلية من اهتمامه ببناء مجتمعه السياسي؟
كم من مناضل غادر تنظيمه لأن الاختلاف لم يجد مؤسسة ديمقراطية تستوعبه؟ وكم من شاب اقترب من العمل السياسي ثم ابتعد لأنه لم يجد فضاء حقيقيا للمشاركة وصناعة القرار؟
وكم من طاقة فكرية وتنظيمية ضاعت في صراعات الأشخاص والمواقع، بدل أن تتحول إلى مبادرات في الأحياء والمدارس والجامعات والنقابات والجمعيات وفضاءات التربية والثقافة؟
إن التنظيم السياسي الذي لا يستطيع استبقاء مناضليه وتجديد أجياله يواجه سؤالا أكبر من سؤال النتائج الانتخابية: هل ما زال ينتج السياسة، أم أنه يستهلك ما تبقى من رصيده التاريخي؟
ولعل أخطر ما تكشفه انتخابات 2026 ليس فقط عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما المسافة المتزايدة بين السياسة وقطاعات واسعة من المجتمع، وخصوصا الشباب.
فالمشاركة الوطنية بلغت 38.02%، وهي نسبة تفرض على جميع القوى السياسية، يسارا ويمينا، أن تسأل: لماذا لا يشعر جزء واسع من المواطنين بأن صناديق الاقتراع تعنيهم بما يكفي؟
ومن هنا يصبح السؤال بالنسبة إلى اليسار أكثر إلحاحا: هل نريد أن نستعيد الناخب فقط، أم أن نستعيد المواطن؟
فاليسار، في جوهر مشروعه التاريخي، لم يكن مجرد آلة انتخابية، بل كان مدرسة للتنظيم والتأطير والثقافة والنقاش العمومي والعمل وسط المجتمع.
وإذا اختزل مشروعه في المنافسة على المقاعد، فقد يفقد جزءا من صدقية المعنى الذي جعله تاريخيا قوة اقتراح وتغيير.
ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجا: أين الشباب من اليسار؟
هل يكفي أن نتحدث باسم الشباب، أم ينبغي أن نمنحهم مواقع حقيقية داخل التنظيمات؟ هل نريد جيلا جديدا من المناضلين، أم نريد فقط جمهورا انتخابيا جديدا ؟ وهل تستطيع التنظيمات اليسارية أن تنتقل من منطق توريث الشرعيات التاريخية إلى منطق بناء شرعية جديدة تقوم على المشاركة والكفاءة والديمقراطية الداخلية؟
ربما هنا تحديدا يصبح النقاش حول العدالة والتنمية مفيدا، لا باعتباره نموذجا ينبغي نسخه، وإنما باعتباره تجربة سياسية مختلفة يمكن تفكيك عناصر قوتها التنظيمية.
فالاختلاف الفكري لا يمنع المقارنة، والخصومة السياسية لا ينبغي أن تلغي القدرة على التعلم.
أن تتعلم من خصمك لا يعني أن تصبح مثله.
بل إن عدم القدرة على رؤية ما لدى الخصم من نقاط قوة قد تكون واحدة من علامات الجمود السياسي.
فاليسار الذي يؤمن بالنقد والتحليل لا ينبغي أن يمارس النقد على المجتمع فقط، بل عليه أن يمارسه على ذاته أيضا.
وهنا السؤال الأصعب: هل يمتلك اليسار المغربي اليوم شجاعة نقد ذاته بالقدر نفسه الذي يمتلك فيه شجاعة نقد الآخرين؟
إن إعادة بناء اليسار لا تبدأ بالضرورة من تحالف انتخابي جديد، ولا من تغيير اسم هذا التنظيم أو ذاك. ربما تبدأ من سؤال أبسط وأعمق: كيف نبني تنظيما ديمقراطيا، مفتوحا، متجددا، قادراعلى تدبير الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى انشقاق؟
تنظيم يحترم شيوخه دون أن يجعل التاريخ امتيازا دائما، ويمنح الشباب موقعا حقيقيا لا مجرد واجهة، ويستفيد من خبرة المناضلين الذين غادروا بدل اعتبارهم خصوما، ويجعل من النقد الداخلي وسيلة للإصلاح لا سببا للعقاب والإقصاء.
هل يستطيع اليسار أن يصالح مناضليه قبل أن يطلب مصالحة المجتمع معه؟
ربما هذه واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحا بعد اقتراع 2026.
فالانتخابات انتهت، لكن الأسئلة بدأت. والدرس الأهم ليس أن العدالة والتنمية عاد، ولا أن هذا الحزب تصدر أو ذاك تراجع؛ وإنما أن التنظيمات السياسية التي تحافظ على قدرتها على التعلم وإعادة البناء تظل قادرة على العودة إلى المجال العام، بينما يمكن لتنظيمات أخرى أن تمتلك تاريخا عظيما دون أن تمتلك بالضرورة مستقبلا مضمونا.
لذلك، لا أعتقد أن المطلوب من اليسار أن يقلد العدالة والتنمية. المطلوب أن يدرسه.
أن يدرس كيف تعامل مع الهزيمة، وكيف حافظ على تنظيمه، وكيف استعاد جزءا من حضوره، ثم يسأل نفسه: ماذا فعلنا نحن عندما تعرضنا للهزات؟ أين ذهب مناضلونا؟ لماذا تتكرر القطيعات؟ ولماذا لا تتحول أزماتنا إلى فرص للمراجعة وإعادة البناء؟
إن الوفاء للفكرة لا يعني الوفاء للأشكال التنظيمية التي استنفدت قدرتها على التجدد، والوفاء للتاريخ لا يعني تحويله إلى جدار يحول دون المستقبل.
ربما يكون درس انتخابات 2026 بالنسبة إلى اليسار المغربي بسيطا في عبارته، عميقا في دلالته: لا يكفي أن تكون لديك أفكار تقدمية؛ ينبغي أن تمتلك أيضا تنظيما قادرا على حملها، وتجديدها، ونقلها إلى أجيال لم تعد تعيش أسئلة الأمس بالطريقة نفسها.
فالرهان الحقيقي ليس فقط على عدد المقاعد.
الرهان هو: هل يستطيع اليسار أن يستعيد المجتمع والأصوات العازفة قبل أن يطلب استعادة البرلمان؟






