سياسة واقتصاد

الاتحاد الاشتراكي الذي أعرفه والذي لا أعرفه

محمد الداودي

للضرورة الملحة أحكام، والضرورة، بل واجب الصداقة والمحبة والإيمان، أن الشاب محمد مولود الكيرع بصفاته التي أعرفها يمكن أن يمثل قيمة مضافة داخل المشهد السياسي المحلي والوطني من خلال ترشحه لقبة البرلمان.

تشاء الصدف التي يمكن أن أضعها داخل خانة الصدف الجميلة أن يترشح صديقي بلون حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو التيار السياسي الذي سبق أن كان مربع اشتغالي لسنوات طوال بمدينة العيون، أيام كانت الممارسة السياسية لها معنى آخر غير الذي تنعت به اليوم.

وكان الاهتمام بها في رقعة جغرافية ذات حساسية خطيرة جدًا يعد من بين المغامرات غير مضمونة العواقب.

نعم، تحملت مسؤوليات محلية ووطنية داخل الاتحاد الاشتراكي في ما مضى، وكنت من بين ثلة من المناضلين الذين اختاروا عن طواعية الانسحاب من التنظيم الحزبي إبان عقد مؤتمره بمكتب الصرف، صحبة التيار النقابي بقيادة الزعيم نوبير الأموي.

لن أعود لتفاصيل كثيرة ظهرت إبان وبعد تلك المرحلة، وما تلاها من تأسيس لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي وانصهاره في ما بعد في تحالف اليسار وفيدرالية اليسار.

غادرنا الاتحاد تنظيميًا، ولم تغادرنا المدرسة الاتحادية الأصيلة كمنهجية وسلوك سياسي. شاءت لنا الظروف أن نواكب خلال ذاك المسار رجالًا ومناضلين من طينة وطنية أصبحت نادرة في مشهدنا الحزبي اليوم.

أخذنا مسافة طويلة من التنظيم الحزبي إلى أن جاء ترشح الأخ مولود الكيرع باسم الاتحاد، ليفرض علي موقفًا مبدئيًا يستند إلى قناعة ذاتية تتمثل في الانخراط الفعلي بجانبه في هذه المعركة السياسية داخل منطقة أستطيع القول إني أعرف جزءًا كبيرًا من تشعباتها القبلية والسياسية والاجتماعية، بحكم انتمائي لهذه المنطقة، وبحكم تنوع الفريق الذي أخذ على عاتقه الانخراط بجانب المرشح في إدارة الحملة الانتخابية.

لم أجد في صياغة الخطاب الحزبي خلال الحملة صعوبة، بحكم أني ابن المدرسة الاتحادية التي أعتبر نفسي نتاجًا ثقافيًا وسياسيًا لها.

بل أستطيع القول إني فرضت صيغة وشكل الخطاب داخل التجمعات الخطابية، حتى يتحول الخطاب السياسي من كلام ينهل من شعارات عامة تستند فقط على القبيلة والعشيرة، والارتفاع بذلك الخطاب والتأسيس لاستبداله بخطاب حزبي يضع الحزب كتنظيم وفكرة سياسية يمكن لها أن تجمع تحت يافطتها جميع المكونات البشرية المختلفة قبليًا وعشائريًا.

أقول إننا نجحنا في ذلك، لا أجزم في ذلك، ولكن قطعنا شوطًا كبيرًا في هذا التوجه.

في هذا السياق، اكتشفت أن الاتحاد الاشتراكي الذي أعرف لم يعد موجودًا، بقدر ما تحول إلى هيكل تسكنه ثقافة سياسية أخرى، أجد من الصعب عليّ وأنا في هذه المرحلة من العمر أن أستوعبها أو أن أقبلها، تحت مبرر التماهي مع متطلبات الوقت؛ ثقافة حزبية يختصرها من لبسوا ثوب الاتحاد الاشتراكي اليوم كمناضلين يجهلون تاريخ هذا الحزب، ويجهلون مساره السياسي، ويجهلون من صنعوا مجده من رواد الحركة الوطنية.

ويختصرون فقط انتماءهم له في اعتباره دكانًا سياسيًا انتخابيًا يندرج في تعزيز حضور معين، لا علاقة له بمفهوم استقلالية الفكر والاختيار السياسي والانتخابي لهذا الحزب أو ذاك.

الأخطر والأدهى والمؤسف في ما شاءت الأقدار أن أسمعه وأراه بشكل مباشر، هي تلك اللحظة التي أيقنت فيها أن هذا الاتحاد ليس هو الحزب الذي أعرف، والمناسبة كانت عندما توجهت من العيون إلى الرباط قصد جلب التزكيات الحزبية الخاصة بمرشحي الجهة، بتكليف رسمي.

دخلت إلى المقر المركزي للحزب بحي العرعار بالرباط، وجدت بعض الأفراد الذين أعرفهم ويعرفونني، وهم في غالبيتهم من جيل جاء بعد مغادرتنا أو انسحابنا من التنظيم الحزبي.

باشرت وضع ملفات الترشح التي حملتها من العيون للخلية الإدارية المكلفة بذلك، وكان من الطبيعي والعادي أن أنتظر لوقت وجيز لتسلم التزكيات.

لكن الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، أراد رؤيتي شخصيًا ليبلغني أنه سيتكفل شخصيًا بتسليم التزكيات لشخصية أخرى في حزب آخر، وأصر على أن أقوم أنا بتبليغ تلك الشخصية هذا الأمر، وأضاف أن أبلغه أنه يريد رؤيته.

هنا لم أجد الفهم الطبيعي للأمر، ولا يمكنني أيضًا أن أنحدر إلى هذا المستوى، وأنا الذي تفتقت معرفتي النضالية والحزبية على خطابات نوبير الأموي وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد الساسي وعبد الرحمن اليوسفي.

بلغت ما طلب مني إلى أحد وكلاء اللوائح الانتخابية، الذي تكفل بترتيب ما طلبه رئيس حزب الاتحاد الاشتراكي.

لكن في الوقت نفسه، لم أغادر مقر الحزب المركزي إلا والتزكيات وصور أصلية عن ملفات الترشح داخل صندوق الرسائل الإلكتروني الشخصي.

لكن خرجت من المقر وفي حلقي غصة للمستوى الذي يدبر به الحزب اليوم على مستوى الممارسة النضالية والسياسية.

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم هيكل لتاريخ نضالي مجيد، لا علاقة له بممارسة من يتحكمون في قراراته.

حزب تحول لماكينة مصالح، تغير معها الحس النضالي لمنتسبيه إلى زبائن مصالح وترضيات.

وهذا الوضع مريح لعدة أطراف، ومصدر قوة لمريدين تؤثث بهم الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات.

ختامًا، لست نادمًا أني ساهمت في إدارة حملة الترشح الخاصة بصديقي، وكيل لائحة العيون، للاعتبارات الموضوعية التي أشرت لجزء منها في مقدمة هذا المقال، والاعتبارات الذاتية مكنتني على الأقل من إرجاع الصوت الحقيقي والخطاب الأصيل لحزب القوات الشعبية داخل جميع التجمعات واللقاءات التي نظمت خلال هذه الحملة، وهذا ليس استنتاجي الخاص، بقدر ما هو واقع قيل وتردد في كثير من الاجتماعات الرسمية أو غيرها، والتي كانت تتابع تطورات الحملات الانتخابية بجهة العيون الساقية الحمراء.

هذا الاتحاد الاشتراكي الحالي لا أعرفه، ولست منه وليس مني.