مجتمع وحوداث

نحن غير ملزمين بمنع "الأجانب العابرين" من الخروج باتجاه أي بلد آخر

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
لا توجد أي مادة أو بند من بين مواد القانون الدولي وبنوده، ولا من بين فصول وبنود المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا حتى من بين مقتضيات التشريعات والقوانين الجاري بها العمل في البلدان المعنية بظاهرة الهجرة، تصديراً واستقبالاً، يمكن أن تُلزِم أي دولة من الدول بمنع الأجانب العابرين فوق ترابها من التوجه لدى خروجهم منه إلى أي جهة يريدونها، لأن ذلك أيضاً، لا يوجد ما يفرضه في التشريعات والقوانين الجاري بها العمل داخل الدولة المعنية ذاتها، والأمر هنا يتعلق بالمملكة المغربية الشريفة تحديداً.

إن المغرب غير معني، ولا يُشكّلُ ذلك بالتالي شأناً من شؤونه القانونية، أو السياسية أو الإدارية، أن يَعبُر ترابَه مواطنٌ إفريقي، أو آسيوي، أو عربي من المشرق، يكون راغباً في الدخول إلى إسبانيا، ومن خلالها إلى أي دولة أخرى أوروبية، فيكون المغرب ملزَماً بمنعه من ذلك نيابة عن البلد المطلوب في ذلك العبور. إن هذا الأمر يخص، فحسب، المسافر العابر، وبلاده التي جاء منها، والبلاد التي يريد السفر إليها، وبالتالي فلا معنى للتشنجات الإسبانية والأوروبية إزاء تلكؤ السلطات المغربية، أو حتى امتناعها صراحة، عن حظر السفر إلى أي منها، وإقفال "جسر العبور" باتجاهها على المسافرين عابري السبيل غير المغاربة، من الذين اتخذوا من التراب المغربي نقطة عبور إلى وجهتهم الرئيسية ليس إلاّ.

من جهتي، وبكل تواضع، لو كان الأمر بيدي لتركت كل الأفارقة والآسيويين والعرب والأمازيغ، غير الحاملين للجنسية المغربية، يمرّون إلى إسبانيا وأوروبا بكل أمان وأريحية، لأن صلاحياتنا نحن المغاربة، كدولة مستقلة وذات سيادة، هي الانشغال في النقط الحدودية بالأسفار الخارجية للمغاربة وليس أكثر، أما الأجانب فالانشغال بهم وبتحركاتهم ينحصر في إجراءات وشروط دخولهم إلى التراب المغربي وظروف استضافتهم فوقه، وكذلك شروط خروجهم منه إلى أي جهة يريدونها، وليس أكثر من ذلك إطلاقاً.

وإذا كان المغرب، إلى غاية يومه، يحشر أنفه في تحركات الأجانب من العرب والأفارقة وغيرهم من العابرين إلى الضفة الجنوبية من المتوسط، فلأنه ينزل في ذلك عند رغبات وتوسلات الإدارات الإسبانية والأوروبية... لكن يبدو أنه لا يجني من ذلك غير الجحود ونكران الجميل، بل لا يحصد من ذلك سوى الشوك، ولا ينال إلاّ اتهامات مجانية بعدم حماية حدود إسبانيا، ومن خلالها حدود أوروبا، التي ليس له فيها جميعها "لا ناقة ولا جمل"، أو كما يقول بعض الظرفاء، "لا أناقة ولا جَمال"!!

والأغرب من ذلك، كما سلف أن وضحتُ في مقالين سابقين، أن المغرب تُطالبه إسبانيا بحماية حدودها المزوّرة والصورية، لأنها تقع داخل التراب المغربي، فكأن المغرب مطالَب بحماية بيته المسروق من أبنائه، وفي ذلك منتهى العبث !!

خلاصة القول، التي لا يريد الإسبان والأوروبيون فهمها، هي أن مهمة الجندي وحارس الحدود المغربيّيْن هي حماية حدود المغرب من الخارج، وليس حماية حدود إسبانيا من الداخل. وإذا كانوا يريدون فعلاً إغلاق هذا المعبر، فليأتوا هم بأنفسهم ليحرسوا شواطئنا، وليقفوا على أبراج المراقبة في نقطنا الحدودية، وليفتشوا هم أنفسُهم جوازات سفر عابري السبيل العرب والأفارقة وغيرهم... وحينها سنرى إن كانوا هم أيضاً سيسمحون، بالمقابل، بأن نقوم نحن المغاربة بحراسة حدودهم من داخل التراب الإسباني الأوروبي ذاته، بحجة حراسة المغاربة للتراب الأندلسي، الذي يشهد التاريخ أنه كان مغربياً في السابق... وهكذا، نعاملهم واحدة بواحدة !!

إن السيادة لا تتجزأ، والحدود لا يحرسها إلا أهلها، وما دون ذلك فهو ابتزاز سياسي مفضوح، يراد منه تحويل المغرب إلى دركي مجاني لأوروبا، مع إبقاء سيف الاتهام بالتغاضي عن الهجرة غير النظامية مسلطاً على رقبته في كل وقت وحين.

على إسبانيا إذَنْ، أن تُدخِل في حُسبانها أن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أراض مغربية موروثة أباً عن جَد، بشهادة التاريخ، الذي لا يعرف الكذب ولا المجاملة ولا المحاباة. وهو عين التاريخ، الذي يحاول الأسبان، بكل غباء، اتخاذه دليلا ومبررا لاستمرار التصاقهم بهذه الربوع، التي هي جزء لا يتجزّأ من "الجغرافيا المغربية الأمازيغية العربية والإفريقية"، ضداُ على الإرادة الدولية، السائرة باتجاه دق آخر المسامير في نعش الاستعمار، ولو على الأقل، في صيغته التقليدية والعتيقة، التي ما فتئ يجسدها الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية والجزر... و... عجبي !!!