سياسة واقتصاد

من "لا غالب ولا مغلوب" إلى "لا مسؤول ولا محاسب" توافق النخب وإنهاك الوطن

عبد الواحد غيات (باحث في العلوم السياسية)
تتقاسم النخب المغربية، منذ عقود، صيغاً تحالفية هجينة تتذرع بالحفاظ على الاستقرار وتأمين «الإجماع الوطني». لكن هذا التوافق المفرط، بدل أن يحصن الاستقرار، أنتج شيئاً أكثر خطورة: تمييعاً منهجياً للمسؤولية السياسية. فحين يفشل قرار عمومي، يصعب تحديد من قرر، ومن نفذ، ومن راقب، ومن يتحمل النتيجة. وهكذا يتحول مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة» إلى إجراء تقني أو إعفاء إداري، من دون أن يطال النخب الكبرى أو يؤسس لمحاسبة سياسية حقيقية.

والنتيجة أن الوطن لا يواجه أزمة سياسية عابرة، بل إنهاكاً من نوع خاص: أزمة ثقة حادة، وعزوف شعبي متصاعد عن العمل السياسي وصناديق الاقتراع، وشعور متجذر بأن الصوت الفردي لا يغير المشهد. ومع تراجع أدوار الأحزاب، يتعزز صعود فئات تمتلك سلطة القرار الفعلي دون أن تطالهم المساءلة الشعبية، فتفرغ العملية الديمقراطية من محتواها التنموي، ويجهض رهان التغيير قبل أن يبدأ.

لم تعد عبارة «لا غالب ولا مغلوب» مجرد صيغة لتسوية الخلاف، ولا مجرد ثقافة مغربية في تدبير الاختلاف. لقد صارت، في الممارسة اليومية، تقنية لتوزيع الحصانة: لا أحد ينتصر حتى لا يُطالب بالتغيير، ولا أحد يُهزم حتى لا يُطالب بالرحيل. وهكذا تتحول السياسة من ساحة لاختيار البدائل إلى غرفة لإدارة التوازنات. لا حكومة تُسقط، ولا معارضة تحل، ولا وزير يرحل، ولا سياسة تتغير. فقط وجوه تدور، ومناصب تُتقاسم، ووطن يدفع.

المشكلة ليست في التوافق في ذاته. التوافق ضرورة في الأمم المنقسمة، وفي اللحظات التأسيسية، وفي التحولات الكبرى. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التوافق بديلاً عن القرار، وعندما تتحول المساءلة إلى ترف سياسي، وعندما يصير الحفاظ على التوازن أهم من إنتاج البديل. عندها لا نكون أمام سياسة عامة، بل أمام إدارة أزمات دائمة: حكومة تُشكّل لتبقى، وبرلمان يُنتخب ليصادق، ومعارضة تنتظر دورها، ومواطن يدفع الفاتورة وحده.

في هذا النموذج، لا يُحسم أي ملف كبير. التعليم يبقى في حالة إصلاح دائم بلا إصلاح، والصحة تُدار بالترقيع، والحماية الاجتماعية تُعلن ولا تكتمل، والاستثمار يُنتظر ولا يتدفق، والفساد يُدان ولا يُقطع. كل طرف يخشى أن يتحمل كلفة القرار، فيُترك القرار معلقاً بين الوزارات والأحزاب والمؤسسات. والنتيجة أن البلد لا يحكم فعلاً، بل يُدار بالأزمات: أزمة تُطفأ لتشتعل أخرى. هذا ليس توافقاً وطنياً، بل تخادم نخبوي. إنه اتفاق ضمني على ألا يخسر أحد من الطبقة السياسية، حتى لو خسر الوطن. وحين يصبح «لا غالب ولا مغلوب» قاعدة يومية، يصبح السؤال المشروع: إذا لم يكن هناك غالب ولا مغلوب، فمن يحاسب؟ ومن يرحل عندما يفشل؟

وتتجلى هذه المفارقة أولاً في الانتخابات. فالانتخابات في المغرب ليست غائبة، لكنها لم تعد دائماً وسيلة حقيقية لتغيير السياسات. الأرقام الرسمية تقيس المشاركة من المسجلين، وهذا صحيح إجرائياً، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كم مواطناً يشعر أن صوته يحدث فرقاً؟ لا يجوز تحويل كل ممتنع إلى معارض للدولة، لكن لا يجوز أيضاً تجاهل العزوف كأنه مجرد ظاهرة تقنية. العزوف رسالة سياسية: المواطن لا يرى في الصندوق أداة لتغيير حياته.

ولا تتوقف أزمة التمثيل عند الصندوق، بل تمتد إلى الأحزاب التي يُفترض أن تكون جسوراً بين الدولة والمجتمع، وقد تحوّلت في كثير من الحالات إلى آلات انتخابية ومحاصصة. لا برامج حقيقية، ولا قواعد شعبية فاعلة، ولا نخب قادرة على التجديد. الانتخابات تُنتج برلماناً، لكنها لا تُنتج سلطة تشريعية حقيقية. والمعارضة، بدل أن تكون سلطة اقتراح ومساءلة، تصبح معارضة مؤقتة تنتظر مقعدها في الحكومة. وهكذا يفقد التنافس السياسي معناه: لا أحد يخسر فعلاً، ولا أحد يربح فعلاً، والمواطن هو الذي يخسر دائماً.

وإذا كان هذا هو حال التمثيل، فإن المساءلة لا يمكن أن تكون أفضل حالاً. المساءلة في هذا السياق ليست غائبة تماماً، لكنها ممسوخة. توجد تقارير، ولجان، وجلسات، وخطب، وتصريحات. لكنها نادراً ما تنتهي إلى نتيجة حاسمة. الوزير قد يُساءل، لكنه لا يرحل بالضرورة. الحكومة قد تُنتقد، لكنها تبقى. البرلمان قد يصوّت، لكنه لا يُسقط. وهكذا تتحول المساءلة إلى طقس شكلي: الجميع يُلام، فلا أحد يُعاقب. والمسؤولية الجماعية تصبح أفضل غطاء للتهرب الفردي. والخطر هنا ليس في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها. فالدستور قد يمنح البرلمان أدوات الرقابة، لكن الممارسة تحوّلها إلى أدوات تجميل. والمعارضة قد تملك المنصة، لكنها تفتقد القدرة على التأثير. والمجتمع المدني قد يرفع الصوت، لكنه يُترك وحيداً في مواجهة آلة بطيئة لا تجيب.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام كإنكار لقدرة الدولة. فالمغرب لا يعاني من غياب الدولة، ولا من غياب المؤسسات، ولا من ندرة المشاريع الكبرى. على العكس، الدولة حاضرة بقوة، والمؤسسات قائمة، والاستثمارات تتوسع، والإصلاحات تتوالى. من الموانئ والطرق والسكك الحديدية إلى الطاقات المتجددة والصناعة واللوجستيك، ومن الاستعداد لكأس العالم 2030 إلى تعميم الحماية الاجتماعية. لكن قوة الدولة في التنفيذ لا تعني بالضرورة أن جميع السياسات العامة تحقق الدرجة نفسها من الفعالية. فهناك فرق بين القدرة على إنجاز المشروع، والقدرة على معالجة المشكلة التي يفترض أن يحلها المشروع.

قد تبني الدولة مستشفى، لكن هل تحسن الولوج إلى العلاج؟ وقد توسع شبكة الطرق، لكن هل تقلصت الفوارق المجالية؟ وقد تطلق برامج للحماية الاجتماعية، لكن هل يشعر المواطن فعلاً بتحسن أمنه الاقتصادي؟ وقد تستثمر في الطاقات المتجددة، لكن هل انعكس ذلك على استقلال القرار الطاقي وعلى كلفة الطاقة بالنسبة إلى الاقتصاد والمواطن؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الإنجاز، بل تمنع تحويل الإنجاز نفسه إلى بديل عن تقييم السياسة العامة. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تبنيه، وإنما أيضاً بما تغيره. وإذا كانت الدولة تنجز ولا تُحاسب، فإن الإنجاز يتحول من رصيد إلى غطاء.

وهذه المفارقة بين قدرة الدولة على الإنجاز وقدرتها على التغيير تتضح أكثر في المجال الاقتصادي والاجتماعي. فقد أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي خلق خلال سنة 2025 نحو 193 ألف منصب شغل، وانخفض معدل البطالة الوطني من 13.3 إلى 13 في المائة، لكن البطالة ظلت مرتفعة جداً لدى الشباب بين 15 و24 سنة، إذ بلغت 37.2 في المائة، في حين ارتفع معدل الشغل الناقص إلى 10.9 في المائة. هذه الأرقام لا تسمح بالقول إن الاقتصاد فشل، كما لا تسمح بالقول إن النمو وحده كافٍ لمعالجة الأزمة الاجتماعية. هناك قدرة على خلق النشاط الاقتصادي، لكن تحويل هذه الدينامية إلى إدماج واسع ومستقر للشباب ما زال تحدياً مركزياً.

المواطن لا يعيش داخل الميناء أو الطريق السيار أو محطة الطاقة؛ إنه يعيش داخل سوق العمل والمدرسة والمستشفى والحي والنقل والإدارة. والشاب خصوصاً يقيس الدولة بمؤشر شديد البساطة: هل أستطيع أن أبني مستقبلي داخل بلدي؟ عندما تظل البطالة مرتفعة بين الشباب، وحين يتسع الشغل الناقص، وحين يشعر خريج الجامعة أن سنوات الدراسة لا تضمن له موقعاً اقتصادياً مستقراً، فإن المشكلة تتجاوز الاقتصاد لتصبح مشكلة ثقة في المستقبل.

غير أن أخطر من ذلك هو أن تتحول القضايا الكبرى نفسها إلى ملفات تقنية مغلقة. لا يمكن اعتبار تنامي حضور الخبرة التقنية في صناعة القرار سلبياً في ذاته. فملفات الماء والطاقة والمالية والرقمنة والنقل والصناعة تحتاج بالضرورة إلى خبرات متخصصة. لكن السؤال السياسي يبدأ عندما تصبح القضايا التي تحدد شكل المجتمع ومستقبل الاقتصاد مقدمة للمواطن باعتبارها قرارات تقنية لا خيارات سياسية. فالماء ليس مجرد مسألة هندسية؛ إنه قضية تتعلق بتوزيع الموارد بين المدن والفلاحة والصناعة والمجالات القروية. والطاقة ليست مجرد استثمار؛ إنها قضية سيادة وأمن اقتصادي. والتعليم ليس مجرد تدبير إداري؛ إنه قرار يتعلق بمستقبل الأجيال وبإعادة توزيع الفرص الاجتماعية.

وعندما تتحول هذه القضايا إلى ملفات تقنية مغلقة نسبياً أمام النقاش السياسي، تصبح المؤسسات المنتخبة معرضة لفقدان جزء من وظيفتها الأساسية: تحديد الأولويات نيابة عن المجتمع ومناقشة كلفة الاختيارات وتحمل مسؤوليتها السياسية. المشكلة إذن ليست في التكنوقراط، وإنما في احتمال تحول التكنوقراطية من أداة مساعدة للقرار السياسي إلى بديل عنه. فالخبرة ضرورية لصناعة القرار، لكنها لا تستطيع أن تحل محل السياسة، لأن اختيار الأولويات وتوزيع الموارد وتحديد من يتحمل الكلفة ليست مسائل تقنية خالصة، بل اختيارات سياسية واجتماعية ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والمساءلة.

وعندما تتراجع السياسة بهذا الشكل، يصبح سؤال المعارضة أكثر إلحاحاً. فالمشكلة ليست أن المعارضة غير موجودة، وإنما أن وجودها المؤسسي لا يتحول دائماً إلى قوة سياسية قادرة على إنتاج بديل واضح. المعارضة التي تكتفي بانتقاد الحكومة لا تكفي، والمعارضة التي تنتظر فقط أخطاء الأغلبية لا تبني ثقة، والمعارضة التي لا تقدم تصوراً مختلفاً للاقتصاد والتعليم والصحة والضرائب والتشغيل والمجال الترابي لا تستطيع إقناع المواطن بأن تغيير الأغلبية سيعني بالضرورة تغييراً في السياسات.

وهنا تتقاطع أزمة المعارضة مع أزمة الأغلبية. فإذا لم يشعر المواطن بوجود بدائل حقيقية، يصبح السؤال الانتخابي أقل ارتباطاً بالاختيار بين مشاريع وأكثر ارتباطاً بالأشخاص والولاءات والظروف المحلية. وعندما يفقد التنافس السياسي قدرته على إنتاج بدائل، تصبح الانتخابات أقرب إلى آلية لإعادة توزيع المواقع منها إلى آلية لتغيير اتجاه السياسات العامة. وهذه، في حد ذاتها، مشكلة سياسية عميقة، لأنها تجعل العملية الانتخابية قائمة من الناحية الشكلية، بينما تتراجع قدرتها على إنتاج تحول سياسي محسوس.

وعندما تضيق قنوات التأثير داخل المؤسسات، يبحث المواطن عن قنوات أخرى. وقد أصبح الفضاء الرقمي أحد أهم هذه القنوات، حيث تحولت الحملات الإلكترونية والوسوم والمقاطعات إلى أدوات للتعبير عن الغضب والضغط والمطالبة بالتغيير. لكن الظاهرة الأكثر دلالة ربما ليست الاحتجاج الرقمي في حد ذاته، وإنما الانتقال من الرغبة في تغيير الواقع إلى الرغبة في مغادرته. لا يمكن اختزال الهجرة في السياسة، ولا يجوز اعتبار كل شاب يرغب في الهجرة رافضاً للدولة أو للنظام السياسي. دوافع الهجرة اقتصادية واجتماعية وتعليمية وشخصية، وقد ترتبط بجاذبية أسواق العمل الخارجية. لكن عندما يصبح الخارج، في مخيلة جزء من الشباب، أكثر قدرة على تقديم فرص العمل والاستقلال وبناء المستقبل من الداخل، فإن ذلك يمثل مؤشراً على وجود مشكلة في إنتاج الأمل. وهنا تصبح الهجرة، في أحد أبعادها، مؤشراً على أزمة الفرصة وليس فقط أزمة الحدود.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة ليس الصراع، وإنما فقدان معنى الصراع السياسي. فعندما يصبح الفرق بين الفاعلين أقل وضوحاً، وتصبح المسؤولية موزعة إلى درجة يصعب معها تحديد صاحب القرار، ويتحول التوافق إلى غطاء دائم لإدارة الاختلاف، فإن المواطن قد لا يثور على المؤسسات؛ وقد يفعل شيئاً أكثر هدوءاً وأكثر خطورة بالنسبة إلى أي نظام سياسي: ينسحب منها. وعندها لا تكون الأزمة أزمة نظام بالضرورة، ولا أزمة دولة بالضرورة، وإنما أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع. وهي أزمة لا تُحل بمزيد من المشاريع وحدها، ولا بمزيد من الخطابات، ولا بمجرد تغيير الوجوه السياسية، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين القرار والمسؤولية، وبين السلطة والمساءلة، وبين التنمية والفرصة، وبين المؤسسات والمواطن.

المشكلة، إذن، ليست في وجود الدولة، وإنما في طريقة اشتغالها؛ وليست في وجود المؤسسات، وإنما في قدرتها على إنتاج المساءلة؛ وليست في التوافق بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى آلية تذيب الفوارق السياسية وتوزع المسؤولية إلى درجة يصعب معها تحديد صاحب القرار. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في هدم الاستقرار، وإنما في جعله أكثر قابلية للنقد والتصحيح. فالمغرب لا يحتاج إلى استبدال الاستقرار بالصراع، ولا إلى استبدال التوافق بالمواجهة. ما يحتاجه هو استقرار يسمح بالتنافس، وتنافس لا يهدم الاستقرار، وحكومة يمكن محاسبتها، ومعارضة يمكن أن تحل محلها، وسياسة عامة يمكن قياس نتائجها، ومواطن يستطيع أن يعرف من قرر، ولماذا قرر، ومن يتحمل مسؤولية النتيجة.

«لا غالب ولا مغلوب» يمكن أن يكون شعار مصالحة بعد صراع وطني، لا شعار حكم يومي. أما في التدبير العام، فيجب أن يكون هناك غالب ومغلوب: قرار يغلب التردد، وإنجاز يغلب الوعود، ومساءلة تغلب الحصانة. وإلا، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها: لا غالب ولا مغلوب… ولا مسؤول ولا محاسب… حتى ينفد صبر الوطن.

الخطر اليوم ليس في أن يغلب طرف طرفاً آخر. الخطر أن يغلب الجميع الوطن. وحين يحدث ذلك، لن يكون السؤال: من غالب ومن مغلوب؟ بل: من سيدفع ثمن وطن أنهكته نخبه قبل أن تنهكه الأزمات؟