وبالنظر إلى انتخابات 2021، يتضح حجم التحول الذي عرفته الخريطة السياسية خلال خمس سنوات. ففي ذلك الاستحقاق كان التجمع الوطني للأحرار في صدارة النتائج ب102 مقعدا، يليه الأصالة والمعاصرة ب86، ثم الاستقلال ب81، بينما تعرض العدالة والتنمية لتراجع حاد، إذ حصل على 13 مقعدا فقط. أما انتخابات 2026 فقد قلبت هذا الترتيب جزئيا: تراجع حزب الأحرار إلى المرتبة الثانية، وتقدم حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى، وحافظ حزب الاستقلال على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى، في حين استعاد حزب العدالة والتنمية موقعا برلمانيا أكثر وزنا. وبذلك، فإن أهم ما يمكن قوله مقارنة 2021 ب2026 ليس فقط انتقال الصدارة من حزب إلى آخر، وإنما إعادة تشكيل العلاقة بين أحزاب الأغلبية السابقة وبين القوة التي اختارت في المرحلة الماضية موقع المعارضة.
ومن الناحية السياسية، يصعب قراءة تقدم حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره مجرد نتيجة انتخابية معزولة عن التحولات التي عرفها الحزب خلال السنوات الأخيرة. فالحزب الذي كان في 2021 في المرتبة الثانية ب86 مقعدا أصبح في 2026 القوة البرلمانية الأولى ب97 مقعدا، أي أنه لم يحافظ فقط على موقعه، بل عزز رصيده البرلماني. غير أن الصدارة لا تعني تلقائيا امتلاك مفاتيح الحكومة؛ فالخصوصية المغربية تجعل تشكيل الأغلبية عملية تفاوضية تتجاوز ترتيب الأحزاب السياسية إلى القدرة على بناء ائتلاف يحوز ثقة مجلس النواب ويضمن له الحد الأدنى من الاستقرار السياسي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في نتائج هذه الانتخابات. فأحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وهي الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية السابقة، تمتلك مجتمعة 228 مقعدا وفق النتائج المؤقتة، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المطلوبة في مجلس النواب. ومن الناحية الحسابية، يبدو الطريق إلى أغلبية من هذه الأحزاب مفتوحا. لكن السياسة لا تتحرك بالحسابات الرقمية وحدها، لأن العلاقات التي نشأت بين مكونات الأغلبية خلال الولاية السابقة، والتنافس الذي طبع الانتخابات الأخيرة، والتصريحات التي صدرت عن قيادات حزبية بشأن طبيعة التحالفات المقبلة، كلها تجعل السؤال الحقيقي مرتبطا ليس بإمكانية تشكيل الأغلبية، وإنما بشروط تشكيلها وبمن سيقودها وبأي تصور سياسي.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات بعض قياديي حزب الأصالة والمعاصرة بشأن عدم الرغبة في التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار أهمية سياسية، لكنها لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها حكما نهائيا على شكل الحكومة المقبلة. فالانتخابات تنتج تنافسا، بينما تشكيل الحكومة ينتج تفاوضا. وما يبدو في مرحلة الحملة الانتخابية موقفا حادا قد يخضع، بعد ظهور النتائج، لحسابات جديدة تتعلق بالبرنامج الحكومي، وتوزيع المسؤوليات، وحجم كل حزب داخل الأغلبية، وطبيعة الشخصية التي ستقود الحكومة. لذلك فإن استبعاد التحالفات بصورة نهائية قبل بدء المشاورات السياسية قد يكون سابقا لأوانه، خصوصا عندما تفرض الأرقام البرلمانية نفسها كعنصر أساسي في أي هندسة حكومية ممكنة.
ومن بين الأسماء التي تستحق التوقف عندها عند تحليل التحولات التي عرفها حزب الأصالة والمعاصرة، يبرز فوزي لقجع، ليس فقط باعتباره كفاءة وطنية ذات امتداد دولي انخرط حديثا نسبيا في العمل الحزبي، وإنما أيضا باعتباره نموذجا متميزا في بناء الحضور العمومي والسياسي. فقد راكم مسارا يجمع بين الخبرة الإدارية والمالية داخل مؤسسات الدولة، والمسؤولية الحكومية في مجال الميزانية، والحضور المؤسساتي والجماهيري الذي ارتبط، لسنوات، بالمجال الرياضي من خلال رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وقد أتاح له هذا المسار المتعدد الأبعاد تكوين رصيد مهني ومؤسساتي متنوع، يمتد من تدبير الملفات المالية والميزانية والاستثمار إلى الانخراط في قضايا الشأن الرياضي، بما وسع دائرة تفاعله مع فئات واهتمامات اجتماعية ومهنية مختلفة. وتكمن خصوصية حضوره في قدرته على توظيف هذا التراكم في بناء نمط من الفعل السياسي يتجاوز القنوات الحزبية التقليدية، من خلال الجمع بين الكفاءة التقنية، والخبرة التدبيرية، والقدرة على التحرك داخل فضاءات مؤسساتية وجماهيرية متعددة. فهو يستند إلى لغة الأرقام والمعطيات في تناول القضايا المالية والاقتصادية، كما يستفيد من خبرته في المجال الرياضي في التواصل مع جمهور واسع، الأمر الذي يمنحه إمكانية الربط بين الخبرة المهنية والعمل المؤسساتي والتواصل العمومي. ومن هذه الزاوية، تمثل تجربته أحد النماذج الدالة على التحول الذي يعرفه الحضور السياسي المعاصر، حيث أصبحت الخبرة المتخصصة وتعدد مجالات الفعل والقدرة على التواصل عوامل مؤثرة في تشكيل الرصيد السياسي للفاعل العمومي.
وفي المقابل، فإن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية، بعد حصوله على 54 مقعدا مقابل 13 فقط في 2021، تمثل إحدى أبرز الرسائل السياسية للانتخابات الحالية. صحيح أن الحزب لم يستعد موقعه الذي كان يحتله قبل انتخابات 2021، لكنه خرج من حالة الانكماش البرلماني الحاد إلى موقع يجعله رقما أساسيا في المشهد الجديد. والأهم أن هذه العودة تزامنت مع عودة عبد الإله بنكيران إلى قلب المشهد الانتخابي، بما يمثله من شخصية سياسية ذات قدرة عالية على التواصل المباشر والتعبئة واستثمار النقاش السياسي في المجال العمومي. إن بنكيران لا يمثل فقط الأمين العام لحزب سياسي، وإنما يمثل مدرسة في التواصل السياسي المغربي. وقد أثبتت السنوات الماضية أن حضوره قادر على إعادة الحزب إلى النقاش العام حتى في ظروف انتخابية صعبة. ولذلك فإن عودة العدالة والتنمية ب54 مقعدا يمكن قراءتها، جزئيا، باعتبارها عودة لخطاب سياسي يعتمد على المواجهة والجدل والمساءلة، وليس فقط على العمل المؤسساتي الهادئ. وفي البرلمان، يمكن لهذا المعطى أن يتحول إلى عنصر مؤثر، خصوصا إذا قرر الحزب الانتقال إلى المعارضة.
فإذا تموقع العدالة والتنمية في المعارضة، فإن طبيعة المعارضة المقبلة قد تكون أكثر حدة من حيث الحضور السياسي والخطابي. فالحزب لن يدخل البرلمان فقط بعدد من النواب، وإنما بمجموعة من الوجوه التي راكمت تجربة في الحكومة والبرلمان والقيادة الحزبية وفي العديد من الفعاليات المدنية والسياسية، إلى جانب بنكيران نفسه. ويمكن أن يكون حضور شخصيات مثل عبد الله بوانو، ومصطفى الخلفي، وإدريس الأزمي، وعزيز هناوي وأمينة ماء العينين إلى جانب قيادات أخرى، عاملا في رفع مستوى النقاش البرلماني والسياسي، بحكم الخبرة المتراكمة لدى هذه الأسماء في العديد من المجالات المرتبطة بالملفات التشريعية والسياسات العمومية والاشتباك مع الحكومة والمعارضة إلى غير ذلك.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن حزب العدالة والتنمية سيكون قادرا وحده على قيادة المعارضة أو توحيدها، فخريطة المعارضة نفسها ستكون متعددة الأطراف. لكن وجود 54 نائبا من حزب يمتلك تجربة طويلة في المعارضة والحكومة، وله خطاب سياسي واضح وقاعدة تنظيمية، يمكن أن يجعل المعارضة أكثر حضورا في مساءلة الحكومة ومناقشة مشاريع القوانين والميزانية والسياسات العمومية. وقد يصبح البرلمان، في هذه الحالة، فضاء أكثر تنافسية من الولاية السابقة، خصوصا إذا استطاعت أحزاب المعارضة الأخرى تنسيق مواقفها في عدد من الملفات دون أن يعني ذلك بالضرورة اندماجها السياسي.
وفي المقابل، فإن إمكانية عودة حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة تبقى مرتبطة بمنطق مختلف. فالحزب لا يملك، وفق النتائج الحالية، العدد الذي يسمح له بقيادة أغلبية بمفرده، لكن موقعه البرلماني الجديد يجعله جزءا من أي حسابات واسعة للأغلبية. ومع ذلك، فإن دخوله الحكومة سيكون بحاجة إلى أكثر من عملية جمع المقاعد؛ إذ سيتطلب توافقا سياسيا وبرنامجيا مع أطراف أخرى، كما سيفرض على الحزب الانتقال من خطاب المعارضة إلى منطق التوافق والتدبير، وهي عملية ليست بسيطة سياسيا، خاصة بعد عودة خطاب بنكيران إلى الواجهة.
أما بالنسبة للأغلبية المقبلة، فإن السيناريو الأكثر وضوحا من الناحية العددية يتمثل في استمرار التعاون بين أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، لأن مجموع هذه الأحزاب يصل، وفق النتائج المؤقتة، إلى 228 مقعدا. غير أن استمرار هذا التحالف لن يكون بالضرورة نسخة طبق الأصل عن حكومة 2021؛ إذ تغيرت موازين القوة داخله بشكل واضح. ففي 2021 كان حزب التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الأول ب102 مقعد، بينما أصبح حزب الأصالة والمعاصرة هو الحزب الأول في 2026 ب97 مقعدا. وهذا التحول العددي ستكون له، بصورة طبيعية، انعكاسات على موقع كل حزب في المفاوضات المتعلقة برئاسة الحكومة والحقائب الوزارية والأولويات السياسية.
ومن هنا تحديدا ستبدأ المعركة السياسية الحقيقية لما بعد الانتخابات. فالمشكلة لم تعد في معرفة من حصل على المرتبة الأولى، بل في معرفة ما إذا كان الحزب المتصدر قادرا على ترجمة تفوقه الانتخابي إلى قيادة فعلية للأغلبية. وفي المقابل، سيكون على حزب التجمع الوطني للأحرار أن يتعامل مع منطق الانتقال من المرتبة الأولى إلى الثانية، وعلى حزب الاستقلال أن يحدد موقعه داخل معادلة تملك فيها أحزاب أخرى وزنا أكبر، بينما سيكون على حزب الأصالة والمعاصرة أن يثبت أن صدارته ليست مجرد نتيجة انتخابية وإنما تعكس قدرة سياسية على بناء توافقات وإدارة حكومة.
كما أن احتمال توسيع الأغلبية ليشمل أحزابا أخرى يبقى قائما إذا تعثرت المفاوضات بين القوى الثلاث الأولى. فوجود الحركة الشعبية ب29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ب26، والتقدم والاشتراكية ب19، يفتح حسابيا إمكانات متعددة لإعادة تركيب الأغلبية. غير أن توسيع الائتلاف لا يعني بالضرورة تسهيل مهمة الحكومة، لأن تعدد مكونات الأغلبية يرفع في المقابل من تكلفة التنسيق السياسي والبرنامجي، وقد يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدا.
ختاما، تكشف انتخابات 23 شتنبر 2026 عن انتقال من مرحلة كان فيها السؤال السياسي يدور حول هيمنة التحالف الحكومي الثلاثي إلى مرحلة أصبح فيها السؤال متعلقا بمن يقود هذا التحالف، وما إذا كان سيستمر أصلا بالصورة نفسها. كما تكشف النتائج عن عودة حزب العدالة والتنمية إلى موقع برلماني يجعله قادرا على التأثير، وعن بروز شخصيات مثل فوزي لقجع باعتبارها عناصر جديدة في معادلة القوة والتواصل السياسي. وبين لقجع وبنكيران، لا يتعلق الأمر فقط بشخصيتين سياسيتين، وإنما بنموذجين مختلفين في ممارسة السياسة والتواصل مع المجتمع: نموذج يرتكز بدرجة كبيرة على الخبرة التدبيرية والمالية والإدارية والحضور الجماهيري المتعدد المجالات، ونموذج يستند إلى التعبئة السياسية والخطاب المباشر والقدرة على تحويل النقاش العمومي إلى رصيد انتخابي. وبين هذين النموذجين ستتحرك الأحزاب الأخرى، وستتحدد بدرجة كبيرة طبيعة المرحلة السياسية المقبلة. لذلك، فإن نتائج 23 شتنبر لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها نهاية يوم انتخابي، بل باعتبارها بداية مرحلة تفاوضية جديدة. فالصندوق حسم ترتيب القوى، لكنه لم يحسم شكل الحكومة؛ والأرقام حددت إمكانات الأغلبية، لكنها لم تحسم طبيعة التحالفات. ومن هذه الزاوية، فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون، سياسيا، امتدادا مباشرا ليوم 23 شتنبر، وربما أكثر أهمية منه في تحديد ملامح المرحلة الحكومية الجديدة.






