وكان توسيع التمثيلية النسائية إلى 90 مقعدا، بعد إدماج المقاعد التي كانت مخصصة للشباب، يعزز هذا الرهان. فقد بدا أن المغرب أمام فرصة لإنتاج نخب نسائية جهوية جديدة، قادرة على تجديد المؤسسة التشريعية وإدخال كفاءات وطاقات ظلت بعيدة عن دوائر القرار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أنتجت اللائحة الجهوية فعلا تمثيلية نسائية جهوية، أم أنها أعادت إنتاج المنطق نفسه الذي حكم اللائحة الوطنية؟
القراءة الأولية في لوائح عدد من الأحزاب تثير، بحسب منتقدين، تساؤلات حول طريقة اختيار المرشحات، وما إذا كان الحسم قد تم على أساس التنافس والاستحقاق، أم تأثر باعتبارات تنظيمية وشخصية وعائلية وشبكات من الولاءات.
وهنا ينبغي التوقف عند جوهر المسألة: الجهوية ليست مجرد عنوان جغرافي.
فلا معنى للائحة جهوية إذا ظلت الأسماء تحسم بمنطق مركزي ومغلق، بعيدا عن التنافس العادل ومعايير الكفاءة والمسار والمصداقية. وإذا كان نقل اللائحة إلى الجهات يراد منه توسيع قاعدة المشاركة السياسية، فإن ذلك يفترض، بالضرورة، دمقرطة آليات اختيار المرشحات داخل الأحزاب والجهات.
فالمرأة التي ينبغي أن تجد طريقها إلى البرلمان ليست فقط من تتوفر على موقع داخل تنظيم حزبي، وإنما من راكمت تجربة حقيقية في العمل السياسي أو المدني أو المهني، ولها حضور في قضايا مجتمعها، وقدرة على التشريع والرقابة والترافع وتقييم السياسات العمومية.
لذلك، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في عدد المقاعد المخصصة للنساء، بل يجب أن يمتد إلى نوعية المعايير التي تحدد من يشغل هذه المقاعد.
المطلوب هو معايير واضحة وموضوعية وشفافة وقابلة للتحقق، تضمن تكافؤ الفرص، وتربط الترشح بالكفاءة والاستحقاق والمسار والالتزام بالشأن العام، بدل أن تجعل القرب من مراكز القرار الحزبي معيارا ضمنيا للصعود السياسي.
لقد جاء التمييز الإيجابي لمعالجة اختلال تاريخي وبنيوي حد من مشاركة النساء في الحياة السياسية. ولذلك فهو آلية مشروعة لتصحيح عدم التكافؤ، لكنه يفقد معناه الديمقراطي إذا تحول إلى وسيلة لإنتاج تفاوت جديد بين النساء أنفسهن؛ فتُفتح الأبواب أمام الأقرب إلى دوائر النفوذ، بينما تُقصى كفاءات أكثر استقلالية وتجربة.
فالتمييز الإيجابي ليس امتيازا شخصيا، ولا رخصة لإنتاج الزبونية.
وهنا يمكن استحضار الدرس الذي أفرزته تجربة لائحة الشباب. فكل آلية تفضيلية، مهما كانت أهدافها نبيلة، يمكن أن تنحرف عن الغاية التي وضعت من أجلها إذا غابت عنها الشفافية والمساءلة، فتتحول من وسيلة لتوسيع المشاركة وتجديد النخب إلى قناة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إدخال أكبر عدد ممكن من النساء إلى البرلمان فقط، رغم أن توسيع التمثيلية النسائية يظل هدفا ديمقراطيا أساسيا، وإنما في السؤال عن نوعية التمثيلية التي نريد إنتاجها.
نريد نساء قادرات على ممارسة التشريع والرقابة، وتقييم السياسات العمومية، والترافع عن قضايا المجتمع، وتمثيل انتظارات المواطنات والمواطنين، لا مجرد شغل مقاعد مخصصة للنساء.
كما أن آليات تعزيز التمثيلية السياسية للنساء تحتاج إلى تقييم دوري ومستقل، سياسيا وحقوقيا وقانونيا وديمقراطيا، للتأكد من أنها تحقق الغاية التي وضعت من أجلها: تقليص فجوة التمثيلية، وفتح المجال أمام نخب جديدة، والانتقال تدريجيا نحو المناصفة والمشاركة المتكافئة في صناعة القرار.
وفي هذا السياق، فإن الأصوات النسائية والحقوقية والمدنية التي تنتقد طريقة تدبير اللوائح الجهوية تستحق أن تُسمع، لأن القضية لا تتعلق بمصالح مرشحات بعينهن، وإنما بمصداقية آلية يفترض أنها جزء من مشروع أوسع لتطوير الديمقراطية التمثيلية.
والمطلوب من الأحزاب، في النهاية، بسيط في مبدئه وحاسم في نتائجه: لا تجعلوا اللائحة الجهوية مجرد واجهة جغرافية لمنطق مركزي، ولا تجعلوا التمييز الإيجابي مدخلا إلى ريع سياسي جديد يضاف إلى ما راكمته تجارب اللائحة الوطنية للنساء والشباب.
فالمرأة الأجدر بالوصول إلى البرلمان ليست بالضرورة الأكثر قربا من مراكز القرار الحزبي، وإنما الأكثر كفاءة واستحقاقا ومصداقية وقدرة على تمثيل مجتمعها.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح اللائحة الجهوية بعدد النساء اللواتي سيدخلن البرلمان فقط، بل بما إذا كانت قد نجحت فعلا في تغيير طريقة إنتاج النخب النسائية نفسها.
والسؤال الذي سيظل مفتوحا هو:
هل أنتجنا نخبا نسائية جهوية جديدة، أم نقلنا فقط منطق اللائحة الوطنية من المركز إلى الجهات؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية الحزبية.






