سياسة واقتصاد

متلازمة الكروموسوم الواحد تغتال روح المبادرة الملكية..

ميمونة الحاج داهي

 حين وضع جلالة الملك محمد السادس ثقته في السيدة فاطمة الزهراء المنصوري لقيادة السلطة التنفيذية، لم يكن الأمر مجرد تعيين سياسي عابر، بل كان إعلانا صريحا عن منعطف تاريخي يقطع مع الماضي، ويؤسس لمغرب الحداثة الفوقية التي لا تقبل الارتداد. 

لقد كان سقف هذه المبادرة الملكية الجريئة رفيعا، وصدمة إيجابية لخلخلة البنيات التقليدية، بشكل يتجاوز بكثير واقع وبؤس النخب الحزبية التي تقود المشهد اليوم؛ غير أن كواليس مشاورات تشكيل الحكومة كشفت بصورة فجة وعارية عن مفارقة بصرية وثقافية تلامس حدود الانفصام السياسي الكامل والارتداد الصادم عن روح العهد الجديد.

تلك اللقاءات التي دارت داخل مقر حزب الأصالة والمعاصرة حملت رسائل التخلف لكل متتبع، ووجهت طعنة رمزية للخطاب التحديثي للدولة؛ ضرب الدف بدأ من "صاحبة البيت" نفسها، رئيسة الحكومة المعينة التي دخلت قاعة المفاوضات محاطة بأسوار وأسيجة رجالية خالصة، عاجزة حتى عن تقديم نموذج نسائي واحد يعكس قيم التمكين في لجنتها المقربة، وكأنها تبارك وتشرعن تلك الهيمنة. 

هذا الغياب البصري الفادح تحول إلى تيار إقصائي جارف أصاب وفود الأحزاب الكبرى كالتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية، التي تقاطرت بوجوه ذكورية نمطية مستفزة، وكأن كفاءات نساء المغرب تبخرت فجأة من لوائحهم، أو أن هذه النخب قررت بشكل غريزي التخندق داخل مغارات "السياسة الأبوية" و"الذكورية الانتفاعية" بمجرد أن لاح في الأفق بريق المناصب ووعود الغنيمة والسلطة.

لكن الوجه الأكثر قتامة ونفاقا في هذا المشهد المقزز تجلى في سلوك القيادات الحزبية التي تقتات ليل نهار على شعارات "المناصفة" وتدعي زورا ريادة "تحديث المجتمع"؛ لقد كان وفد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بزعامة كاتبه المربع إدريس لشكر، تجسيدا صارخا لهذا الانفصام المقيت، حيث كشفت عدسات الصحافة عن قاعة مفاوضات خالية تماما من أي نفس نسائي، ولم تجد الطاولة مكانا حتى لنسله أو لأي من الوجوه النسائية البارزة التي طالما استُغلت كأدوات لتأثيث المنصات والخطب الحماسية.

 هذا الإقصاء الممنهج يعري حقيقة مرة: المرأة في عقيدة هذه النخب ليست سوى خزان انتخابي يُستثمر في صناديق الاقتراع، أو "كوطا" قانونية لتزيين واجهة المؤسسات أمام المنتظم الدولي، بينما يُرفع في وجهها جدار المنع والحظر بمجرد الاقتراب من المطبخ الحقيقي لصناعة القرار واقتسام النفوذ والمصالح الضيقة.

وسط هذه الهيمنة الذكورية المطبقة والخانقة، بدا حزب التقدم والاشتراكية، بقيادة أمينه العام نبيل بنعبد الله، كمن يغرد وحيدا خارج سرب هذه الردة السياسية المخجلة؛ لقد شكل حضور المرأة في وفده خرقا وحيدا وشجاعا للجدار، وإدانة بصرية صامتة وموجعة لباقي الفاعلين، وتعرية فاضحة لزيف شعاراتهم. 

هذا التباين الشديد بين رؤية ملكية استشرافية وثقت في المرأة لتقود حكومة وطن، وبين نخب حزبية عاجزة وعقيمة عن الثقة بها لتجلس على طاولة مشاورات، يؤكد أن الديمقراطية الحزبية في المغرب ما زالت تعاني من مرض بنيوي وتعرج برجل واحدة، فبينما تحلق الدولة بجناح التحديث، تصر الأحزاب على سحب المجتمع نحو التخلف والماضي، تاركة نصف كفاءات الوطن خارج إطار الصورة ..