تحليل

من مكتب الإتصال إلى السفارة.. ماذا عن التحول الإستراتيجي في العلاقات المغربية الإسرائيلية وأبعاده الإقليمية والدولية؟

الحسين بكار السباعي (محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان)

يمثل الاتفاق المغربي الإسرائيلي، الذي تم برعاية أمريكية وفي سياق دبلوماسي دولي متميز، محطة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين، لأنه لا يقتصر على تطوير قنوات التواصل أو توسيع مجالات التعاون، بل يؤسس لإنتقال مؤسساتي وسياسي من مرحلة الإتصالات المحدودة إلى مرحلة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وذلك من خلال رفع مستوى التمثيل إلى سفارات وتعيين سفراء بدل مكتب إتصال.

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى السياق التاريخي الذي جاءت فيه العلاقات المغربية الإسرائيلية. فقد أعيد إطلاقها سنة 2020 في إطار اتفاقيات أبراهام، التي فتحت مسار جديد في العلاقات الإقليمية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وربطت بين العمل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي. وفي المقابل شكل إعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه في ديسمبر 2020، تطور دبلوماسي بالغ الأهمية بالنسبة للمملكة، إذ عزز موقفها داخل دوائر التأثير الدولية، وأضفى على الشراكة المغربية الأمريكية ذلك البعد الإستراتيجي الذي يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. ولا ينفصل هذا المسار عن الموقف الذي عبرت عنه الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن قضية الصحراء، ولا سيما دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الواقعي والعملي لتسوية النزاع المفتعل. ومن شأن إعادة تأكيد هذا الموقف أن تمنح المغرب دعم دبلوماسي إضافي، ليس فقط على مستوى المواقف السياسية، بل والأهم داخل المؤسسات الدولية وفي النقاشات المرتبطة بالأمن والإستقرار الإقليميين.

كما أن الإنتقال من مكتب إتصال إلى سفارة لا يمثل مجرد تغيير في التسمية، بل يعكس ارتقاء جوهري في طبيعة العلاقات الثنائية. فالسفارة ووفق قواعد القانون الدبلوماسي ولا سيما ما كرسته إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، هي التمثيل الرسمي للدولة لدى دولة أخرى وتتولى حماية مصالحها ورعاية مواطنيها، والتفاوض باسم حكومتها وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية.لذلك فإن فتح السفارات وتعيين السفراء يمنح العلاقات المغربية الإسرائيلية إطار أكثر إستقرار ووضوح وإستمرارية، ويتيح إنشاء آليات مؤسساتية دائمة للتشاور والتفاوض وتسوية القضايا العالقة. كما يسمح بإنتقال التعاون من المبادرات الظرفية إلى برامج حكومية منظمة، تشمل التجارة والإستثمار والنقل الجوي والطاقة والمياه والفلاحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والإبتكار.

فضلا على إستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى جانب إبرام إتفاقيات حماية الإستثمارات ومنع الإزدواج الضريبي، والذي يعتبر رافعة عملية لتوسيع المبادلات التجارية وتشجيع الإستثمار الخاص. فهذه الاتفاقيات توفر ضمانات قانونية للمستثمرين، وتحد من المخاطر المرتبطة به وتخلق بيئة أكثر جاذبية للشركات المغربية والإسرائيلية والدولية الراغبة في الإستفادة من موقع المغرب كبوابة نحو إفريقيا ومن موقع إسرائيل كمنصة تكنولوجية وإقتصادية متقدمة. كما أن هذا التعاون بين البلدين ييفتح آفاق جديدة أمام الإقتصاد المغربي في مجالات التكنولوجيا الفلاحية، وتحلية مياه البحر والأمن السيبراني والطاقات المتجددة والصناعات الدفاعية والمدنية والخدمات اللوجستية. وفي المقابل يتيح لإسرائيل توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية عبر المغرب، مستفيدة من شبكة الإتفاقيات التجارية التي تربط المملكة بعدد من دول القارة و تكتلاتها الإقتصادية.

ومن وجهة نظرنا الإستشرافية فإن أهمية أهمية الاتفاق تتجاوز البعد الثنائي لتشمل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فالمغرب بما راكمه من علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا والعالم العربي، يواصل ترسيخ موقعه بإعتباره قوة إقليمية صاعدة وشريك دولي موثوق. فهو لا يتحرك بمنطق الإصطفاف المغلق، بل وفق دبلوماسية متعددة الأبعاد تقوم على تنويع الشراكات والدفاع عن المصالح الوطنية وإستثمار الموقع الجغرافي والسياسي للمملكة في بناء نفوذ متدرج ومستدام. كما أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة يندرج ضمن رؤية مغربية أوسع لتثبيت قضية الصحراء في صلب التحرك الدبلوماسي والإقتصادي للمملكة. فكلما توسعت الشراكات الدولية للمغرب ازدادت قدرته على تحويل الإعترافات والمواقف السياسية إلى تعاون إقتصادي وإستثمارات ومشاريع ملموسة في الأقاليم الجنوبية بما يدعم التنمية ويعزز الإندماج الإقليمي.

ومن نفس منظورنا الإستشرافي فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى قدرة الأطراف الثلاثة على تحويل الإتفاق السياسي إلى نتائج عملية، وبمدى إحترام خصوصيات المنطقة وحساسياتها، وإعتماد مقاربة متوازنة تراعي المصالح الوطنية والإستقرار الإقليمي. فالعلاقات الدبلوماسية لا تقاس فقط بمستوى التمثيل وإنما بقدرتها على إنتاج الثقة وتوسيع المصالح المشتركة وتدبير الخلافات بوسائل الحوار والقانون.

ختاما إن الإنتقال من مكتب الإتصال إلى سفارة هو بمتابة الإعلان عن دخول العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة جديدة، أكثر نضج ومأسسة وتأثير على الساحتين الإقليمية والدولية. وهو إنتقال يعكس مكانة المغرب المتنامية في النظام الدولي، ويؤكد أن الدبلوماسية المغربية أصبحت تتحرك من موقع الفاعل الإقليمي إلى موقع الشريك الدولي القادر على بناء الجسور وإستثمار التحولات وربط السياسة بالاقتصاد والمصالح الوطنية بالأدوار الإقليمية والدولية.