سياسة واقتصاد

بقيتم في اليسار...وغادرتكم البوصلة

حنان فرطاس

كان الجلوس في يسار القُبّة يوماً شرفَ الموقف، لا امتيازَ المقعد.

كان يعني أن تجلس حيث تُقلق السلطة، لا حيث تنتظر أن تبتسم لك.


ثم حدث شيءٌ ما…


بقيتم في اليسار، وغادرتكم البوصلة.


تجلسون في المعارضة، تحفظون اتجاه المقعد، فيما عيونكم على الوسط، وتحسبون المسافة بينكم وبين الحكومة كما يُحسب الطريق إلى محطة الوصول.


المسافة قصيرة… لكن المبدأ، في بعض الأحيان، أبعد من أن تُدركه الخطوات.


وهكذا صار اليسار عند بعض الجالسين فيه محطةَ عبور، لا موقعَ نضال؛ ورصيفاً لقطار الاستوزار، لا خندقاً لمواجهة السلطة.


ولا تقولوا إن المعارضة ضاقت بكم.


المعارضة لم تضق بكم؛ أنتم الذين ضاق بكم اليسار حين لم يعد يوصلكم بالسرعة التي تريدون إلى الكرسي.


كان اليسار يقف في وجه الريع السياسي لأنه رأى فيه إفساداً للسياسة وتحويل الدولة إلى غنيمة.


أما اليوم، فالسخرية أن يقف بعض من يرفعون راية اليسار على عتبة الغنيمة، لا ليسألوا كيف تُغلق أبوابها…


بل ليتأكدوا فقط: هل وصل الدور؟


                        هنا تسقط الأقنعة.


من يجلس في اليسار وعيونه على الوسط، لم يخطئ الطريق؛ لقد اختار الطريق الآخر وهو ما يزال جالساً في مكانه.


ولا أحد يقول إن اليسار لا يدخل الحكومة.....


دخلها حين كانت الحكومة وسيلةً لمشروع، لا مشروعاً للوصول إلى الحكومة.


فالفرق بين يساري يدخل السلطة ويساري يركض إليها… هو الفرق بين من يحمل المبدأ إلى الكرسي، ومن يحمل الكرسي في رأسه إلى أن يصل.


ولهذا لا تسألوا اليساري: لماذا تريد الحكومة؟


اسألوه السؤال الأكثر إزعاجاً:


لماذا أصبحت المعارضة ثقيلةً إلى هذا الحد، وأصبح الاستوزار خفيفاً إلى هذا الحد؟


وهل يستقيم اليساري بلا معارضة؟


نعم، قد يدخل الحكومة… لكن بشرط ألا يدخلها تاركاً يساره عند الباب.


أما أن تجلس في اليسار، وعيونك على الوسط، وقلبك يحسب المسافة، وطموحك ينتظر الإشارة…


فذاك ليس يساراً ينتظر دوره في الحكم.


ذاك كرسيٌّ يساري، ينتظر صاحبه أن يغادره.


والأقسى من أن يغادر اليساري مقعده…


أن يغادر اليسارَ وهو ما يزال جالسا فيه.


                                

ملاحظة: أنا التي في الصفّ الأخير… يبدو أن حتى الصورة لها حساباتها.