سياسة واقتصاد

من الأصفر الملكي إلى الأبيض البرلماني.. قراءة في الصورة والرمز تحت قبة البرلمان

إبراهيم الخياطي (باحث في الثقافة البصرية والوساطة الرقمية)

لم يكن افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مجرد موعد دستوري يجمع الملك بأعضاء البرلمان، بل كان أيضاً مشهداً بصرياً وثقافياً تتداخل فيه رمزية المؤسسة الملكية مع تقاليد اللباس المغربي، ومع المرجعية الدينية التي تمنح الممارسة السياسية في المغرب جزءاً من لغتها الرمزية.


ففي الوقت الذي ظهر فيه الملك محمد السادس مرتدياً جلباباً مغربياً باللون الأصفر، إلى جانب ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد والأمير مولاي أحمد، بدا أعضاء البرلمان والحكومة بجلابيب بيضاء في مشهد يلفت الانتباه إلى التباين اللوني داخل الفضاء نفسه. وإلى جانب الصورة، استوقفت المتابعين الآية القرآنية التي تليت في افتتاح الجلسة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...﴾، وهي الآية 177 من سورة البقرة. 


إن اجتماع هذه العناصر يفتح باباً لقراءة تتجاوز الوصف المباشر للمشهد، شريطة ألا يتحول التأويل إلى ادعاء بوجود رسائل مقصودة لا يؤكدها مصدر رسمي.


أالجلباب الأصفر.. حضور بصري داخل مشهد مؤسساتي

في تحليل الصورة السياسية، لا يتعلق الأمر دائماً بما يقوله الفاعل السياسي، بل أيضاً بالطريقة التي يظهر بها، وبالمكان الذي يشغله، وبالعناصر البصرية التي تحيط به. فاللون واللباس والجلوس والحركة كلها مكونات تسهم في بناء الصورة العامة للمؤسسة، حتى عندما لا تكون مصحوبة برسالة معلنة.


من هذه الزاوية، يكتسب الجلباب الأصفر الذي ارتداه الملك أهمية بصرية واضحة؛ إذ يخلق تبايناً مع اللون الأبيض الذي غلب على ملابس عدد من البرلمانيين والوزراء. ويجذب هذا التباين العين نحو مركز المشهد، في حين يحافظ اللباس التقليدي المغربي على استمرارية الصورة الثقافية التي تؤطر المناسبات الدستورية الكبرى.


لكن ماذا يعني اللون الأصفر تحديداً؟


لا يحمل الأصفر معنى واحداً ثابتاً في جميع الثقافات. ففي بعض التقاليد البصرية، يرتبط بالضوء والشمس والدفء والحيوية، وقد يستحضر معاني الثراء والوقار بحسب درجته والسياق الذي يظهر فيه أو بدلالات مختلفة تماماً. لذلك لا يمكن نقل معنى واحد من ثقافة إلى أخرى، أو الجزم بأن اختيار الأصفر في هذه المناسبة يعلن موقفاً سياسياً بعينه.


والأدق في قراءة المشهد المغربي هو التمييز بين الدلالة الثقافية العامة والدلالة الرسمية الخاصة. فالجلباب الأصفر يمنح الصورة تميزاً لونياً واضحاً، ويمكن أن يُقرأ بوصفه عنصراً من عناصر الحضور البصري للملك، لكن لا تتوفر، في المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها، قرينة رسمية تثبت أن اللون اختير لتمرير رسالة سياسية محددة.


وهنا تكمن أهمية التحليل البصري الرصين: ليس في تحويل كل تفصيل إلى شفرة سرية، بل في فهم الطريقة التي يصنع بها التكوين البصري الانتباه، ويرتب عناصر المشهد، ويمنح بعض الشخصيات حضوراً أكثر بروزاً من غيرها.


الأبيض في مقابل الأصفر.. اختلاف بصري لا يثبت اختلافاً في المعنى

يظهر الأبيض في الثقافة المغربية، كما في ثقافات عديدة، مرتبطاً بالنظافة والصفاء والوقار، ويحتل مكانة بارزة في اللباس التقليدي وفي المناسبات الدينية والاجتماعية والرسمية. أما الأصفر، بدرجاته المختلفة، فيتميز بقدرته على جذب الانتباه وإحداث تباين بصري مع الأبيض.


وعندما يجتمع اللونان في مشهد واحد، تتشكل علاقة بصرية بين مركز الصورة ومحيطها. فالأصفر أكثر لفتاً للنظر في هذا التكوين، بينما يمنح الأبيض المشهد امتداداً لونياً موحداً نسبياً. ويمكن لهذه العلاقة أن تجعل حضور الملك أكثر بروزاً في الصورة، في مقابل كتلة بصرية تضم أعضاء المؤسسة التشريعية والتنفيذية.


غير أن هذه الملاحظة تتعلق بكيفية إدراك الصورة، لا بترتيب القيمة السياسية أو الأخلاقية للأشخاص. فلا يعني الأبيض أن الوزراء والبرلمانيين يجسدون معنى واحداً، ولا يعني الأصفر أن الملك يريد إعلان معنى بعينه. كما لا يصح اعتبار اللونين دليلاً على وجود رسالة مقصودة ما لم يصدر تفسير موثوق يربط الاختيار بذلك المعنى.


إن ما يمكن قوله بثقة هو أن اللباس التقليدي يوحد المشهد ضمن مرجعية ثقافية مغربية، بينما يخلق اختلاف اللون تمايزاً بصرياً بين الحاضرين. أما تحويل هذا التمايز إلى موقف سياسي محدد، فيبقى فرضية تحتاج إلى دليل.


حضور الملك وولي العهد والأمير مولاي رشيد.. استمرارية المؤسسة في صورة واحدة

يكتسب حضور الملك إلى جانب ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد والأمير مولاي أحمد أهمية تتجاوز العدد البروتوكولي للحاضرين. فالصورة تجمع الملك، بصفته رئيس الدولة، مع أفراد من الأسرة الملكية في مناسبة دستورية مركزية، هي افتتاح السنة التشريعية.


ويمكن قراءة هذا الحضور في ضوء استمرارية المؤسسة الملكية، وما تمثله من امتداد تاريخي ورمزي داخل النظام السياسي المغربي. كما أن وجود ولي العهد في هذه المناسبة يضعه ضمن مشهد مؤسساتي رسمي، في سياق يتصل باستمرار الدولة ومؤسساتها عبر الأجيال.


لكن من الضروري التمييز بين الاستمرارية المؤسسية وبين استنتاجات لا تسندها المعطيات. فمجرد اجتماع أفراد الأسرة الملكية في هذه المناسبة لا يثبت وجود رسالة سياسية خاصة بشأن ترتيب الأدوار أو بشأن ملفات محددة. إنه حضور يمكن فهمه في إطار البروتوكول الملكي ورمزية المؤسسة، دون تحميله معاني إضافية غير مؤكدة.


وتبرز هنا خصوصية الصورة السياسية المغربية، حيث لا ينفصل المشهد الدستوري تماماً عن الرموز التاريخية والثقافية التي تحيط بالمؤسسة الملكية. فاللباس التقليدي، وحضور أفراد الأسرة الملكية، ومكان انعقاد الجلسة، كلها عناصر تسهم في تشكيل صورة الدولة كما تقدمها المناسبة الرسمية.


«ليس البر أن تولوا وجوهكم».. من اتجاه الوجه إلى جوهر المسؤولية

إذا كان اللباس يصنع الجانب البصري من المشهد، فإن الآية القرآنية التي تليت في افتتاح الجلسة تفتح باباً مختلفاً، يتعلق بالمعنى الأخلاقي للمسؤولية العامة.


تقول الآية الكريمة:


﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.


سورة البقرة، الآية 177.


فالآية لا تحصر البر في اتجاه الوجه نحو المشرق أو المغرب، بل تنتقل إلى منظومة متكاملة من الإيمان والعمل الصالح: إيتاء المال للمحتاجين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد. إنها تنقل المعنى من صورة منفردة إلى منظومة من القيم والسلوكيات.


وفي السياق البرلماني، يمكن أن تفتح هذه الدلالة باباً للتأمل في العلاقة بين الشكل والجوهر. فالانتخابات، والجلوس تحت قبة البرلمان، وارتداء اللباس الرسمي، وأداء الأدوار الدستورية، كلها عناصر ضرورية في بناء الحياة المؤسساتية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة العمل السياسي. فالمعيار الأخلاقي الأعمق يتعلق بما ينتجه هذا العمل من عدالة، وبمدى الوفاء بالالتزامات، وبالقدرة على خدمة المواطنين والاستجابة لحاجاتهم.


ولا يعني ذلك أن الآية وُضعت بالضرورة لتوجيه نقد مباشر إلى البرلمانيين، أو أن اختيارها يثبت وجود رسالة خفية بشأن أدائهم. لكن مضمونها يسمح بقراءة تأملية تتصل بطبيعة المسؤولية التي يتحملونها: هل تظل الممارسة السياسية عند حدود الشكل والإجراء، أم تتحول إلى عمل ملموس تظهر آثاره في المجتمع؟


إن الآية، بهذا المعنى، لا تلغي أهمية الشعائر أو الإجراءات، وإنما ترفض اختزال البر فيها وحدها. وهي تذكّر بأن القيمة الأخلاقية لا تُستكمل بمجرد الظهور في المكان الصحيح، بل تتجلى في الوفاء بالعهود، وبذل الجهد، ومساعدة المحتاجين، والصبر على مقتضيات المسؤولية.


من البر إلى الانتداب البرلماني.. صلة أخلاقية لا تحتاج إلى تأويل متكلف

تزداد هذه القراءة أهمية عند وضعها إلى جانب ما ورد في ختام الخطاب الملكي، حين وصف الملك الانتداب البرلماني بأنه «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين»، داعياً أعضاء البرلمان إلى تحمل مسؤوليتهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.


هنا تظهر صلة دلالية بين مضمون الآية ومضمون الخطاب، دون الحاجة إلى الادعاء بأن أحدهما يفسر الآخر تفسيراً حصرياً. فالآية تتحدث عن الوفاء بالعهد والعمل الصالح، والخطاب يذكّر البرلمانيين بأن انتدابهم ليس مجرد صفة انتخابية، بل مسؤولية ترتبط بعلاقة مباشرة مع المواطنين.


ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الملابس البيضاء أو الصفراء تحمل رسالة سياسية مشفرة، بل ما إذا كانت المؤسسات التي اجتمعت في ذلك المشهد ستتمكن من تحويل رموز المسؤولية إلى ممارسة فعلية. فالصورة تقدم لحظة رسمية، والآية تطرح معياراً أخلاقياً، والخطاب يحدد مسؤولية سياسية؛ أما الحكم على النتيجة، فيظل رهيناً بما سيحدث بعد انتهاء المراسم.


فالبرلماني لا يفي بعهده لمجرد حصوله على مقعد، كما أن الحكومة لا تحقق غاياتها بمجرد إعلان البرامج، والمؤسسات لا تكسب ثقة المواطنين بالرموز وحدها. إنما تتحدد قيمة هذه الأدوار بمدى الوفاء بالالتزامات، وجودة التشريع، وفعالية الرقابة، وتحسين الخدمات، والقدرة على جعل التنمية محسوسة في حياة الناس.


في افتتاح السنة التشريعية الجديدة، التقت ثلاثة مستويات من الدلالة: صورة ملكية تستند إلى اللباس المغربي التقليدي واستمرارية المؤسسة، ومشهد لوني يتمايز فيه الأصفر عن الأبيض، وآية قرآنية توسع مفهوم البر ليشمل الإيمان والعمل والوفاء بالعهد.

وإذا كان من المشروع قراءة هذه العناصر معاً باعتبارها مكونات لمشهد ثقافي ومؤسساتي واحد، فإن المسؤولية التحليلية تقتضي عدم الجزم بوجود قصد سياسي محدد وراء لون الجلباب، أو نسبة معنى حصري إلى اختيار الآية من دون دليل.


ومع ذلك، فإن الجمع بين هذه العناصر يتيح سؤالاً يستحق أن يظل مفتوحاً أمام الرأي العام: ما قيمة الصورة الرسمية إذا لم تتحول المسؤولية التي تمثلها إلى عمل؟ وما قيمة الالتزامات المعلنة إذا لم يجد المواطن أثرها في حياته اليومية؟


في نهاية المطاف، يمكن للّباس أن يعبّر عن الهوية، وللصورة أن تستحضر استمرارية الدولة، وللآية أن تضع أمامنا معياراً أخلاقياً للعمل الصالح. لكن الاختبار الحقيقي للمؤسسات يظل خارج إطار الصورة: في الوفاء بالعهود، وفي خدمة المواطنين، وفي النتائج التي تجعل المسؤولية أكثر من مجرد حضور رسمي تحت قبة البرلمان.