ثمة كلمات تبلغ القلب قبل أن تستقر في الذاكرة، لأن صدق الشعور يمنحها من العمق ما يتجاوز حدود العبارة، ومن البقاء ما لا تطاله السنون. ومن هذا القبيل قول الملك محمد السادس، الذي استحضره من المنبر البرلماني نفسه، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، مستعيدًا ما عبّر عنه سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي». إن استعادة الملك لهذه العبارة بعد اثني عشر عامًا، وتأكيده أن السنوات لا تزيد هذا الإحساس إلا قوة ورسوخًا، يكشفان عن انتماء يحتفظ بحرارته ويزداد مع الزمن ثباتًا في دلالته. فالأعوام، بما تحمله من أحداث وتحولات، لا تنتقص من أصالة هذا الشعور، بل تكشف عن رسوخ الصلة بين الذات والوطن.
ولعل سرّ العبارة يكمن في بساطتها الآسرة، وفي ذلك القرب الذي تصنعه لغة المتكلم بين الشعور وصاحبه. فقول الملك «عندي في حياتي» يمنح البوح خصوصيته الذاتية والحميمية؛ إذ لا نتلقى حديثًا مجردًا عن قيمة الوطن، بل نصغي إلى اعتراف شخصي يكشف عن مكانة الاعتزاز بالمغربية في حياه. وتأتي كلمة «أغلى» لترفع هذا الشعور إلى أعلى مراتب ما يعتز به الإنسان، فيما تردّ كلمة «إحساس» العبارة إلى منبعها الوجداني، قبل أن يستقر المعنى عند «اعتزازي بمغربيتي»، حيث تتآلف الذاتية والهوية في عبارة واحدة، ويلتقي البوح الشخصي بالانتماء الوطني. وبهذا الانتقال، يتجاوز البوح خصوصيته الفردية ليجد صداه في وجدان المغاربة، فيما تزيد السنوات هذا الاعتزاز قوةً ورسوخًا، مؤكدةً عمق الصلة بالوطن.
وفي سياق الخطاب، تتسع هذه الصلة لتستحضر تاريخ المغرب وعمق هويته وغنى روافدها، وما تختزنه ذاكرته الوطنية من أمجاد وما يفتحه حاضره من آفاق. غير أن الاعتزاز بالوطن، كما يوضحه الملك، لا يقف عند حدود الفخر، ولا ينتهي إلى التباهي بما تحقق؛ بل يستمد قيمته مما يبعثه من حافز إلى العمل وما يقتضيه من مسؤولية. وهنا ينتقل الانتماء من دائرة الوجدان إلى مجال الممارسة، ويغدو حب الوطن معيارًا يُقاس بما يترجمه من إخلاص في العمل، وأمانة في تحمّل المسؤولية، وحرص على أن يظل مستقبل المغرب في مستوى ما يحمله أبناؤه له من محبة واعتزاز.
وفي كلمات الملك ما يلامس فينا شعورًا يتجاوز حدود التعبير عنه؛ فأن تكون مغربيًا يعني أن تحمل وطنك في صميم هويتك، وأن يتحول الاعتزاز به إلى وعي يوجّه المواقف ويضبط الاختيارات. وفي الملك، قدوةً في الاعتزاز بالوطن واستحضار مسؤولية الانتماء إليه، ما يلهمنا أن نجعل من هذا الاعتزاز أساسًا لمبادئنا وتوجهاتنا؛ فبعض ما نعتز به ليس مما نملكه، بل مما ننتمي إليه.
حفظ الله الملك محمد السادس، وأدام عليه الصحة والعافية، وشدّ أزره بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وحفظ المغرب وأهله، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان.






