لم يعد المواطن ينتظر أن تفتح له السياسة بابها. صار يطرق أبوابها من هاتف صغير، بكاميرا مهزوزة، وصوت قد يختنق من الغضب، بين الجبال، وفي القرى النائية، وفي باحات المستشفيات... بل حتى من النقابر.... لا يتوقف عن رصد عديد من الاختلالات... حتى أصبح اللايف يقض مضاجع بعض المسؤولين... فحين يصوّر حفرة في طريق، أو تلميذا يقطع المسافة إلى المدرسة كأنما يعبر امتحانا يوميا في الصبر، أو مريضا ينتظر حقه في العلاج، ثم يرفع الصورة إلى العالم، يصبح ما كان محصورا في دوار بعيد حديث مدينة، وما كان ينام في درج مكتب حديث الناس.
هكذا تغيّر المشهد. لم تعد السياسة وحدها هي التي تبحث عن المواطن، بل صار المواطن قادرا على جر السياسة من ربطة عنقها إلى حيث يقف، في الغبار، وفي طوابير الانتظار، وعند أبواب الإدارات التي لا تفتح دائما بالسرعة التي تفتح بها أبواب الوعود.
في هذا السياق تستحق تجربة أسامة باريك أن تقرأ بعيدا عن ضجيج الإعجاب أو استعجال الإدانة. فالرجل الذي عرفه متابعون من خلال حضوره على مواقع التواصل، وهو ينقل قضايا الناس ومعاناتهم، يجد نفسه اليوم في فضاء آخر، تحت قبة البرلمان... إنها مسافة تبدو قصيرة على الخريطة، لكنها طويلة في امتحان السياسة: من شاشة يتابعها الناس، إلى مؤسسة يفترض أن تصغي إليهم وتشرع باسمهم وتراقب من أجلهم.
ليست المسألة أن شخصا انتقل من مواقع التواصل إلى البرلمان، فالأسماء تدخل وتخرج من المؤسسات كل يوم. المسألة أن صوتا خرج من الهامش، من حيث لا تتقن السياسة دائما الإصغاء، ووجد طريقه إلى فضاء القرار. هنا تكمن قيمة التجربة، وهنا يبدأ امتحانها الحقيقي أيضا.
فالناس لا تحتاج إلى من يكرر أمامها أنها تعاني. هي تعرف ذلك أكثر من الجميع، لأن المعاناة ليست خبرا عابرا في شريط الهاتف، بل خبز ناقص في بيت، ومصاريف تثقل جيبا فارغا، وموعد طبيب بعيد، ومدرسة ينقصها ما يجعلها مدرسة، وطريق يختبر سلامة العابرين كل صباح... الناس تحتاج إلى من يرى هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة الكبيرة، ثم يحملها من فضاء الشكوى إلى فضاء المسؤولية.
لقد منحت مواقع التواصل للكثيرين ما لم تمنحهم إياه المنابر التقليدية: فرصة الكلام من دون انتظار إذن، وإمكان فضح الخلل من دون المرور عبر الوسائل التقليدية... لم يعد ضروريا أن يكون المرء صاحب جريدة أو مقعد حزبي حتى يسمع صوته أو صوت قضية أو مأساة. يكفي أحيانا أن يلتقط صورة صادقة، وأن يضع إصبعه على موضع الوجع، حتى تتسع الدائرة ويصبح المسؤول مضطرا إلى التفسير.
لكن الكاميرا، مهما كانت نافذة، لا تبني مستشفى، وعدد المشاهدات لا يصلح طريقا، والتفاعل الواسع لا يتحول وحده إلى قانون. هذه هي المسافة التي ينبغي لأسامة باريك أن يقطعها...
والله لا أعرف كيف؟ فالبرلمان مؤسسة تشريعية لقضايا وطنية... والتنمية المحلية شأن محلي...
وهنا.... تبدأ سياسة العلاقات.... لا مشاريع القوانين...
فليس صعبا أن تكسب انتباه الناس حين تتحدث بلغتهم، الصعب أن تحافظ على ثقتهم حين تصبح مطالبا بالعمل داخل مؤسسة لها مساطرها وحساباتها وتوازناتها، وحين تتحول الكلمات من منشور قابل للمشاركة إلى موقف له تبعات، ومن وعد أمام الكاميرا إلى مسؤولية أمام المواطنين.
إن أخطر ما قد يحدث لهذه التجربة هو أن تصبح قبة البرلمان مجرد خلفية جديدة للصورة، وأن يتحول النائب إلى صانع محتوى بامتيازات مؤسساتية...
ولا أظنه ذلك... وإن كان التواصل الرقمي وسيلة للضغط والترافع ...
فأجمل ما يمكن أن تقدمه، في المقابل، هو أن يصبح المحتوى مدخلا إلى العمل البرلماني، وأن تتحول الشكايات التي كانت تملأ التعليقات إلى أسئلة كتابية، ومبادرات تشريعية، ومساءلة للحكومة، ومتابعة لا تنتهي بمجرد انتشار الفيديو.
أما سي عبد اللطيف وهبي، حين يحذر من مخاطر مواقع التواصل وما قد تفتحه من أبواب للتشهير والمس بالحياة الخاصة وانتهاك كرامة الناس، فإن في كلامه جانبا لا يجوز تجاهله. فحرية التعبير لا تمنح أحدا رخصة لإهانة الآخرين، ولا تجعل الحياة الخاصة مباحة، ولا تحول الاتهام إلى حقيقة لمجرد أنه حصد آلاف المشاركات. وراء كل شاشة إنسان، ووراء كل إنسان كرامة وحق في الحماية، كما أن للمتهم حقا في ألا يحاكمه جمهور غاضب قبل أن تقول العدالة كلمتها. لكن الصورة لا تكتمل من هذه الجهة وحدها. فمواقع التواصل ليست سوقا للتشهير فقط، كما أنها ليست جنة للديمقراطية. إنها فضاء تتجاور فيه الحقيقة والإشاعة، والشجاعة والتهور، والتضامن والابتزاز. وقد تتحول إلى أداة للظلم، لكنها قد تكون أيضا النافذة الأخيرة لمن لم يجد من يسمعه. وكم من قضية بقيت حبيسة الصمت حتى حملتها صورة إلى الرأي العام، وكم من مسؤول تحرك بعدما اكتشف أن ما ظنه بعيدا عن الأنظار صار أمام آلاف العيون. لذلك لا يكفي أن نحذر من قوة هذه المواقع، بل ينبغي أن نسأل: لماذا يذهب الناس إليها أصلا؟ لماذا يختار المواطن أن يبث شكواه للعالم قبل أن يطرق باب الإدارة؟ ولماذا يثق أحيانا في هاتف غريب أكثر مما يثق في مسار إداري طويل؟ ليست كل الأجوبة في سوء استعمال التكنولوجيا، فبعضها يسكن في ضعف التواصل، وفي بطء الاستجابة، وفي شعور المواطن بأنه لا يصبح مرئيا إلا حين تتحول معاناته إلى مشهد متداول.
هنا بالضبط ينبغي أن نفهم قوة مواقع التواصل: ليست قوتها في عدد المتابعين وحده، بل في قدرتها على نقل القضية من صاحبها إلى الجماعة، ومن المكان المنسي إلى النقاش العام، ومن الشكوى الفردية إلى سؤال سياسي. إنها لا تصنع الحقيقة دائما، لكنها تستطيع أن تكسر احتكار الحديث عنها. ولا تحل المشكلات وحدها، لكنها قد تجعل تجاهلها أكثر كلفة.
ومن الخطأ أن نتعامل مع هذا التحول باعتباره تهديدا للمؤسسات في كل الأحوال. فالبرلمان لا يفقد هيبته حين يسمع نبض الشارع، بل يفقد معناها حين ينفصل عنه. والوزير لا ينتقص من سلطته حين ينتقده مواطن، بل يثبت مسؤوليته حين يجيب بالحجة والقانون. كما أن النائب لا يصبح ممثلا حقيقيا للناس بمجرد أن يعرف كيف يخاطبهم، وإنما حين يستطيع أن يحمل أصواتهم إلى حيث تصنع القرارات، ثم يعود إليهم بما فعل، وما تعذر عليه، ولماذا.
أما أسامة باريك، فليس مطلوبا منه أن يظل أسير الصورة التي عرفه بها متابعوه، ولا أن يتخلى عن تلك الصورة كي يبدو برلمانيا كاملا. المطلوب أن يجمع بين حساسية من يصغي إلى وجع الناس، ومعرفة من يفهم كيف تتحول المطالب إلى عمل مؤسساتي. أن يبقى قريبا من المواطن من دون أن يختزل السياسة في التعاطف، وأن يدخل البرلمان من دون أن يترك الناس عند بابه.
لا يحتاج المغرب إلى مزيد من الوجوه التي تجيد الكلام أمام الكاميرا، ولا إلى مزيد من المقاعد التي تكتفي بتجميل الصمت. يحتاج إلى من يعرف كيف يفتح نافذة حين تغلق الأبواب، وكيف يحمل صوت البعيد إلى مركز القرار، وكيف يظل وفيا لذلك الصوت بعدما تنطفئ أضواء التصوير.
لقد دخل أسامة باريك البرلمان، لكن السؤال الأهم ليس كيف وصل إليه، بل ماذا سيفعل بهذا الوصول. هل سيجعل من القبة امتدادا لصوت الناس، أم سيصبح الصوت نفسه جزءا من صمت القبة؟
ذلك هو الامتحان. فالشعب لا يمنح ثقته كي يحصل على فيديو جديد، بل كي يرى في حياته شيئا يتغير. ومن مواقع التواصل إلى قبة البرلمان، تبقى المسافة الحقيقية هي المسافة بين أن تقول للناس إنك تسمعهم، وأن تجعلهم يشعرون، أخيرا، بأن صوتهم لم يذهب سدى.






