سياسة واقتصاد

حكومة المنصوري.. حين تصبح أسماء الوزارات خريطةً للمغرب الذي يُراد بناؤه

عمر صوصي (باحث في القضايا الاجتماعية)
ليست الحكومات مجرد أسماء توضع أمام حقائب، وليست أسماء الحقائب نفسها مجرد عناوين إدارية محايدة. ففي لحظات التحول السياسي، تصبح هندسة الحكومة لغة قائمة بذاتها؛ ما يُدمج وما يُفصل، ما يستمر وما يتغير، وما يُضاف إلى اسم وزارة أو يُحذف منه، قد يقول أحيانا عن أولويات المرحلة أكثر مما تقوله الخطب الطويلة.


ومن هذه الزاوية، تبدو الحكومة المغربية الجديدة، التي ترأست جلالة الملك محمد السادس مراسيم تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، مثيرة للقراءة على مستويات متداخلة: سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بل وحتى سيكولوجيًا.


فالمسألة لا تتعلق فقط بكون المغرب يدخل تجربة تاريخية تقود فيها امرأة الحكومة لأول مرة، وإنما بنوع من إعادة ترتيب الأولويات داخل الجهاز التنفيذي، تبدو فيه الرغبة في الجمع بين استمرارية الدولة وتجديد أدواتها.


امرأة على رأس الحكومة... ما بعد الرمز

أول ما سيبقى عالقًا في الذاكرة السياسية لهذه المرحلة هو بلا شك وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة.

لهذه السابقة قيمة سياسية وقانونية، ولكن قيمتها الاجتماعية والسيكولوجية قد تكون أعمق بكثير.

فالمجتمعات لا تتغير فقط بالقوانين، بل تتغير كذلك بما يسميه علماء الاجتماع «النماذج الممكنة». حين ترى فتاة مغربية للمرة الأولى امرأة في الموقع التنفيذي الأعلى في الحكومة، فإن حدود ما تتخيله ممكنًا لنفسها تتسع بصورة تلقائية.

وهنا يصبح وجود فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة أكثر من انتصار شخصي أو حزبي؛ إنه كسر لصورة ذهنية ظلت تربط القيادة السياسية العليا بالرجل.


ولا تتوقف المسألة عند رئاسة الحكومة. فالتشكيلة الجديدة تضم سبع نساء في مواقع حكومية مختلفة، منهن من يتولين ملفات الطاقة والتنمية المستدامة، والأسرة والمساواة، والعلاقات مع البرلمان، والتكوين المهني، والإسكان، وإصلاح الإدارة.


الأهمية هنا ليست عددية فقط. فالمرأة لم تعد محصورة فيما كان يسمى تقليديًا «القطاعات الاجتماعية الناعمة»، بل أصبحت حاضرة في حقائب ذات طبيعة مؤسساتية واقتصادية واستراتيجية. (وإن كان بعض ذلك فيما سبق مثل الوزيرة نادية فتاح علوي في وزارة الاقتصاد والمالية فكان الخلف اليوم السيد فوزي لقجع: الوافد الجديد على حزب الأصالة والمعاصرة والذي كان منتدبا وكلفا فقط بالميزانية فصار على رأس الوزارة).


لكن، في المقابل، سيكون من الخطأ اختزال المساواة في عدد النساء حول طاولة مجلس الحكومة. فالاختبار الحقيقي سيبقى في السياسات التي ستُنتج لصالح النساء المغربيات في سوق الشغل، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والوصول إلى مواقع القرار.


من «الأسرة» إلى «الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة»

ولعل من أكثر التفاصيل دلالة تغيير اللغة نفسها.

لدينا اليوم، وزارة الأسرة، والتنمية الاجتماعية ،والمساواة.

قد تبدو إضافة كلمة «المساواة» تفصيلاً شكليًا، لكنها ليست كذلك في علم السياسة الرمزية.


فالوزارة لا تتحدث عن الأسرة فقط باعتبارها مؤسسة ينبغي حمايتها، بل تضع إلى جانبها مفهومًا معياريًا واضحًا هو المساواة.


وهذا يعني أن النقاش الاجتماعي خلال السنوات القادمة قد لا يتمحور فقط حول تقديم الدعم للفئات الهشة، بل حول التغييرات المرتقبة في ورش مدونة الأسرة استجابة للخطاب الملكي سابقا وما خلفه من نقاشات ماراطونية بين التيارات اليسارية واليمينية والوسطية (بين الأصالة والمعاصرة، بين التقليد والحداثة، بين "الماضوية" والتقدمية). ومن المنتظر هنا أن تظهر نقاشات أعمق حول تمكين النساء، والعمل، والحماية الاجتماعية، والأشخاص في وضعية إعاقة، والفوارق الاجتماعية، وربما حول العلاقة بين التحولات الأسرية والقيمية التي يعرفها المغرب وبين المحافظة على تماسك الأسرة المغربية.


وهنا تحديدًا ستواجه الحكومة تحديًا دقيقًا: كيف يمكن تحديث المجتمع من دون إنتاج إحساس لدى جزء منه بأن هويته أو مرجعياته مهددة؟


أول وزارة تحمل «الذكاء الاصطناعي» في اسمها

لكن أكثر الأسماء إثارة في التشكيلة الجديدة هو دون شك:

وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة.

إن إدراج عبارة «الذكاء الاصطناعي» رسميًا داخل اسم وزارة يحمل دلالة تتجاوز الموضة التكنولوجية.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا فرعيًا داخل وزارة أخرى، بل صار مجالًا حكوميًا محددًا له وزير وسياسات ومساءلة سياسية.

وهذه النقطة تكاد تشكل ترجمة مؤسساتية مباشرة لأحد أبرز محاور الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، حيث دعا جلالة الملك إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، من بينها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي.


وبين الخطاب الملكي في 9 أكتوبر وتشكيل وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي في 16 أكتوبر، أسبوع واحد فقط.

وهنا تظهر رسالة سياسية واضحة: أن التكنولوجيا لم تعد بالنسبة للمغرب قطاعًا مكملًا للاقتصاد، بل أصبحت جزءًا من تصور السيادة والتنمية.

لكن الامتحان الحقيقي سيبدأ الآن.


هل ستكون هذه وزارة «رقمنة الوثائق» فقط؟ أم سنذهب نحو ذكاء اصطناعي مغربي فعلي: بيانات عمومية مؤطرة، وبنية حوسبة، وبحث علمي، وشركات ناشئة، وسيادة رقمية، وأمن سيبراني، وتكوين للمهندسين، واستعمال للذكاء الاصطناعي في الصحة، والتعليم، والفلاحة، والإدارة؟

والأهم: هل سيصبح المواطن قادرًا فعلًا على الحصول على خدمات إدارية أسرع وأبسط؟

فليس المواطن معنيًا باسم الوزارة بقدر ما هو معني بالسؤال البسيط: هل ستصبح الإدارة أقل تعقيدًا؟


الاستمرارية في مفاصل الدولة

وفي مقابل هذا التجديد، نجد استمرارية لافتة في مجموعة من القطاعات.

فعبد الوافي لفتيت يستمر على رأس وزارة الداخلية، وناصر بوريطة في الشؤون الخارجية، وعبد اللطيف وهبي في العدل، وأحمد التوفيق في الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني.

وهنا تبدو فلسفة التشكيلة واضحة نسبيًا: التغيير لا يعني القطيعة مع الاستمرارية المؤسساتية.


في الدول، تكون بعض الملفات مرتبطة بتراكم طويل من المعرفة والعلاقات والمؤسسات: الأمن الداخلي، والدبلوماسية، والدفاع، وإدارة الحقل الديني، والقضاء. لذلك يمكن قراءة استمرار هذه الأسماء بوصفه رسالة طمأنة في الداخل والخارج: قد تتغير الأغلبية ورئاسة الحكومة، لكن الدولة لا تبدأ من الصفر كل خمس سنوات. يمكن تلخيص ذلك في عبارتين: استمرارية في الثوابت، وتجريب في أدوات التنمية.


عودة السياسة... وخروج «الأحرار» إلى المعارضة

أما سياسيًا، فالتغيير أعمق من مجرد تغيير رئيس الحكومة.

الأغلبية الجديدة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بينما انتقل التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، إلى المعارضة.


وهذا يعيد تشكيل الخريطة السياسية المغربية.

فدخول حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الأغلبية، إلى جانب حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، يعطي للحكومة ــ على الأقل من حيث تركيبتها السياسية ــ جرعة أكبر من الخطاب الاجتماعي.


ولا يعني ذلك بالضرورة أننا أمام «حكومة يسارية»، فالتحالف أكثر تركيبًا من ذلك، لكننا أمام أغلبية سيكون من الصعب عليها سياسيًا تجاهل قضايا العدالة الاجتماعية، والتشغيل، والتعليم العمومي، والصحة، والفوارق المجالية.

ومن الناحية الديمقراطية، وجود حزب كبير مثل التجمع الوطني للأحرار خارج الحكومة قد يكون مفيدًا كذلك للحياة البرلمانية إذا أدى إلى معارضة قوية ومؤسساتية، طبعا إلى جانب حزب العدالة والتنمية وحزب السنبلة: لكن هذه التشكيلة في المعارضة أقل ما يقال عنها أنها غير منسجمة وربما تكون فيها معارضة المعارضة، مما يصعب معه توقع مراقبة قوية تصل إلى ملتمس مراقبة أو إحداث لجن تقصي ذات أثر ميداني ملموس.


أسماء الحقائب نفسها تكشف فلسفة المرحلة

ومن الممتع قراءة الحكومة من خلال الكلمات الجديدة التي دخلت أسماء الوزارات.

لدينا: النجاعة العمومية إلى جانب الاقتصاد والمالية. السيادة الغذائية إلى جانب الفلاحة والصيد البحري. الاستثمار والإدماج الاقتصادي إلى جانب الصناعة والتجارة. التأهيل داخل منظومة التربية. محاربة الهدر المدرسي كاختصاص وزاري منتدب قائم بذاته. الإدماج الاجتماعي. المساواة. الذكاء الاصطناعي. هذه ليست كلمات اعتباطية. إنها ترسم تقريبًا هندسة الحكومة واحتياجاتها الكبرى خلال السنوات المقبلة. فـ «السيادة الغذائية» تعكس عالمًا أصبح فيه الأمن الغذائي جزءًا من الأمن القومي. و«النجاعة العمومية» تعني أن السؤال لن يكون فقط: القومي. والدولة؟ بل: ماذا تحقق مقابل ما تنفقه؟ أما «الإدماج الاقتصادي» فيشير إلى أن النمو وحده لم يعد كافيًا إن لم يشعر الشباب والطبقات الوسطى والهشة بنتائجه. وتخصيص حقيبة منتدبة لمحاربة الهدر المدرسي (والذي بلغ أرقاما قياسية) رسالة شديدة الوضوح: إخراج طفل من المدرسة ليس مسألة تربوية فقط، بل بداية محتملة لسلسلة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.


من اقتصاد النمو إلى اقتصاد السيادة

اقتصاديًا، يمكن قراءة الحكومة باعتبارها محاولة للانتقال من منطق القطاعات المنفصلة إلى ما يمكن تسميته اقتصاد السيادة.

سيادة غذائية، سيادة طاقية، اقتصاد رقمي، ذكاء اصطناعي، صناعة، تجارة خارجية، احتياطات استراتيجية.

وهي تقريبًا المجالات نفسها التي وضعها الخطاب الملكي الأخير ضمن أولويات «الجيل الجديد من الاستراتيجيات الكبرى». كما دعا الخطاب إلى تعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار والابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل.

وهنا نرى انتقالًا تدريجيًا من السؤال التقليدي: كم سينمو الاقتصاد المغربي؟

إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما مقدار ما يتحكم فيه المغرب من شروط نموه؟

فبلد يعتمد بصورة مفرطة على الخارج في الطاقة، أو الغذاء، أو التكنولوجيا، أو البيانات يبقى معرضًا للصدمات مهما كانت نسبة نموه.


الشباب: المشكلة التي تحضر داخل أكثر من وزارة

من أكثر الأمور إثارة أن ملف الشباب لا يوجد في وزارة الشباب وحدها.

إنه حاضر في التعليم والتكوين المهني، وفي التشغيل، وفي الإدماج الاقتصادي، وفي محاربة الهدر المدرسي، وفي الاستثمار، وفي الذكاء الاصطناعي، وفي الاقتصاد الرقمي.

وهذا منطقي، لأن «مشكلة الشباب» ليست قطاعًا.

الشاب الذي لا يرى أفقًا في وطنه (وهنا ينبغي استحضار أحداث سبتة الأخيرة بقوة) لا يحتاج بالضرورة إلى دار شباب جديدة فقط؛ قد يحتاج إلى مدرسة أفضل، وتكوين مرتبط بسوق العمل، ومدينة قابلة للعيش، وتمويل لمشروع، ومؤسسات يسمع فيها صوته، وإحساس بأن مجهوده قادر على تغيير موقعه الاجتماعي.


ولذلك كان لافتًا أن الخطاب الملكي الأخير وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية وربط ذلك بتكافؤ الفرص والتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي والثقة في إمكانية الارتقاء الاجتماعي. الكلمة الحاسمة هنا هي الثقة.


الحكومة من منظور سيكولوجي: معركة التوقعات

وهنا نصل إلى البعد الذي غالبًا ما يغيب عن التحليل السياسي: سيكولوجية المجتمع.

تشكيل حكومة جديدة ينتج عادة ارتفاعًا مؤقتًا في التوقعات: رئيسة حكومة لأول مرة، وزارة للذكاء الاصطناعي لأول مرة، وجوه جديدة، تسميات جديدة، حديث عن المساواة، والسيادة الغذائية، والنجاعة، والإدماج.

كل ذلك يخلق ما يمكن تسميته نافذة نفسية للأمل. لكن لهذه النافذة وجهًا آخر. كلما ارتفعت التوقعات، ارتفعت تكلفة خيبة الأمل إن لم يشعر المواطن بالتغيير. فالخطر الأكبر على حكومة ترفع سقف الرمزية ليس المعارضة السياسية؛ بل الفارق بين لغة التجديد وتجربة المواطن اليومية.


إذا بقي موعد المستشفى بعيدًا، والمدرسة متعثرة، وفرص الشغل محدودة، والإدارة بطيئة، والأسعار مرهقة، فلن يقنع المواطن كثيرًا وجود كلمة «النجاعة» أو «الذكاء الاصطناعي» في اسم الوزارة.

لذلك سيكون الرأسمال السياسي والنفسي الأهم لهذه الحكومة هو القدرة على إنتاج انتصارات صغيرة وملموسة وسريعة.


والمرأة هنا أمام اختبار مضاعف

هناك كذلك مفارقة اجتماعية لا ينبغي تجاهلها. فاطمة الزهراء المنصوري لن تُقيّم فقط باعتبارها رئيسة حكومة. قطاع من الرأي العام، بوعي أو من دونه، سيقيم من خلالها أيضًا قدرة المرأة على قيادة الحكومة. وهذا غير عادل من الناحية المنطقية، لأن إخفاق رجل في رئاسة الحكومة لا يُعتبر عادة إخفاقًا للرجال جميعًا. لكن هذه هي طبيعة الاختراقات التاريخية: أول من يكسر السقف يتحمل ضغطًا رمزيًا أكبر من الذين يأتون بعده. لذلك فإن نجاح تجربتها يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز حزبها وولايتها الحكومية إلى الثقافة السياسية المغربية نفسها.


وفي الختام كلنا أمل أن تكون الحكومة الجديدة حكومة نتائج وتحقيق انتظارات شعبية وتجاوز الخيبات، لا حكومة خطابات وشعارات وديكورات.