مُركِب الصورتين اشتغل كثيرا على ذاكرتنا ... كِدْت أقول على جروحنا ... اشتغل بعنف ... خلق العلاقة و الوصال لكنه أيضا خلق التضاد ... اختار لنا موضع الصورتين، بين الموقع الأعلى و الموقع الأسفل ليُوحي و يَعْني قبل أي نظر أو تأمل... رَسم قطيعة عميقة بين جمالية و نبل الفعل السياسي من جهة و موت السياسة من جهة أخرى ...ففي الأعلى ، نعيش لحظة شغف و توهج، لحظة اتحاد و تكتل ... تظهر الوجوه و الشخوص مبتسمة و مأمنة بالغذ بإيمان شبابي، و هي التي خبرت الألم و السجون و المحاكم بل حتى الحكم بالإعدام... هدفها الأساس ترك إرث محترم للأجيال اللاحقة... كما تجسد الأذرع المتشابكة والأيدي المرفوعة لرموز المعارضة المغربية التاريخية التضامن العضوي والجبهة المشتركة وديناميةَ نضال يطبعه الإيمان القوي و الحماسة و التوقد...
هو زخم جماعي و روح تترجمها أجساد اهتزت بعفوية لمهابة اللحظة، أجساد تحتفي في سانكرونية فوضوية يغمرها الأمل عبر الابتسامات العفوية... فيما الأيادي تحكي عن أهمية اللحظة و مركزية الهدف ... تحالفانضاليًا جسدته أسماء علم، أسماء صنعت التاريخ وحافظت على نزاهة الفكرة السياسية و الفكرة النضالية و لو اختلفت معها الآراء و المواقف... ارتباط و وثاق موازيان للسلطة المركزية المتكلسة و الكابحة للتقدم الديمقراطي... هي صورة طلب على الديمقراطية لا محل له من الإعراب في النحو السياسي الحالي ...
مقابل ذلك، صورة تنزل بنا لتحت، تنزل بنا للنقيض و الحضيض، ننزل لقبح سياسي مقيت... غابت عظمة اللحظة، غابت الابتسامة العفوية كما غاب تشابك الأيدي وحرية الجسد ...هي صورة خضعت لترتيب مسبق تمجد الجمود ليظهر مسؤولين سياسيين معاصرين يصطفّون بشكل جامد ومتباعد و كأن كل واحد فيهم يعيش لحظته لوحده في عزلة تامة... لا اتحاد و لا تكتل و لا تضامن ... Une addition de corps et non d’âmes ... لا علاقة مذهب و لا علاقة فكرة، اللهم الاشتراك في مشروع بدون روح ... ويرمز هنا غياب التلامس الجسدي المباشر إلى انفصال (disjonction) بين المكونات ... فما يقوله الواحد منهم عن الآخر قد يسد شهية الممارسة السياسية و إلى الأبد ... لذا فعلامة الحيطة و الحذر بادية بين الأربعة... و هي حيطة و حذر من الغذ المجهول... فلا فكرة تجمع القوم اللهم تحالف براغماتي مصلحي ضيق و قصير الأمد ... C’est plutôt la juxtaposition que la communion ...
و زاد من حدة التحول العميق السينوغرافيا والمحيط البصري... ففي الصورة العليا، يحيل حضور منصّة تعلوها لوحات أسماء مخطوطة بالخط اليدوي، وميكروفونات ضخمة، وإطار تغلب فيه فكرة الأفق المشترك و الارتباط بالوطن عبر سجال الأفكار والفضاء النضالي التطوعي والسلطة الفكرية و السياسية لرموز الحركة الوطنية واليسار... فيما يتحوّل الديكور التحتي لمجرد مؤثثات تحاول الاستجابة لمعايير التسويق السياسي العصري : عبارة عن photocall أي جدار لشعارات الأحزاب... وهكذا ننتقل من فضاء للمواجهة الإيديولوجية ومنبر عمومي إلى استوديو للتواصل المؤسساتي و التسويقي تشتغل فيه الأحزاب كشركات مناولة Sous traitance... لتغيب رموز الشرعية التاريخية فاسحة المجال لدوال بلا مدلولات، بل بدون أية قدرة على إنتاج الدلالة Des signifiants sans signifiés, voire sans signifiance...
هي ثنائية انزلقت فيها هندسة التركيب من علاقة اتصال إلى علاقة انفصال ... و تعرضت فيها ماهية السياسة للمسخ Méthamorphose من نقاء الفكرة و نزاهة الممارسة، إذ عَبرنا من سياسة الممانعة والقناعة إلى سياسة الهمزة و الدوبان في المجرى الجارف...نتيجة حتمية لمسار طويل من التطبيع مع سوق النخاسة السياسية، أصبح فيه الهدف الأول هو فقط احتلال مكان صغير في سوق النخاسة لسياسية الكبير ...






