فن وإعلام

الأمازيغية والدينامية الهوياتية (1)

سعيد بنيس (أستاذ باحث في علم الاجتماع)

في إطار تناول وضع اللغة الأمازيغية في خضم الدينامية الهوياتية التي يمر منها المغرب، يظل السؤال المحوري كالتالي هل هناك حاجة للأمازيغية وماهي طبيعتها؟ للجواب على هذا السؤال يمكن الانطلاق من استنتاج عام مفاده أن مأسسة اللغة الأمازيغية في علاقتها بتفعيل التعددية اللغوية والتنوع الثقافي في إطار وحدة الانتماء للمملكة المغربية والطبيعة المزيجة والتراكمية للهوية المغربية، لا يمكن أن تتم إلا بتثمين التنويعات اللغوية الترابية والتعبيرات الثقافية المجالية (الحسانية وتشلحيت والجبلية وتريفيت والعروبية وتمزيغت والبَدْوِيّة....) من خلال تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. لذا فتفعيل مأسسة الأمازيغية سيجيب على مطلب الثنائية الرسمية والمساواة الثقافية والعدالة اللغوية في أفق إرساء مفهوم التصالح الهوياتي وترسيخ الحق في اللغة وضبط ملامح سياسة هوياتية تتلائم مع منظومة تَمغْرِبِيتْ.

ملامح السياسة الهوياتية

يمكن في هذا الصدد رصد بعض ملامح هذه السياسة الهوياتية التي قادتها المؤسسة الملكية والتي امتدت منذ بث النشرات الإخبارية بالتنويعات الأمازيغية سنة 1994 مرورا بخطاب أجدير 2001 وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2002 واعتماد حرف تيفيناغ . وفي سنة 2008، أصدر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كتاب" النحو المرجعي للغة الأمازيغية" وتلته إذاعة الثامنة في نفس السنة وكذلك إدراج البرامج الدينية بالتنويعات الأمازيغية على إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم وتدريس اللغة الأمازيغية في المستويات الأولية للتعليم (2003) والتنصيص على المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية في دستور 2011 و صدور قانون تنظيمي (2019) يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في جميع مناحي الحياة العامة. 

كما لوحظت أيضا إرهاصات لبناء هوية بصرية ثنائية ( عربية أمازيغية) في الفضاء العمومي المغربي فضلا عن إقدام وزارة العدل على تثمين إمكانية النطق بالأحكام القضائية باللغة الأمازيغية، وذلك بتوقيعها اتفاقية تعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتاريخ 24 يونيو2020، لإدماج اللغة الأمازيغية في منظومة العدالة. بموازاة ذلك اعتمد مجلس النواب بشكل رسمي الترجمة الفورية إلى اللغتين العربية والأمازيغية في 8 أبريل من سنة 2022 وبالتحديد ترجمة الجلسات العامة الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية، والجلسة الشهرية التي يجيب فيها رئيس الحكومة تماشيا مع مضمون مقتضيات القانون التنظيمي رقم 16. 26. 

ومع بداية سنة 2022 قررت وزارة العدل اعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية في المعاملات القضائية، لتيسير استقبال وإرشاد المواطنين المتكلمين بالأمازيغية وترجمة الوثائق والنصوص الإدارية والقانونية الخاصة بهم، والترافع وتقديم الشهادات وإجراءات التبليغ ، وإمكانية النطق بالأحكام باللغة الأمازيغية. وفي هذا الخضم تقدم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في يوليوز 2022 بمقترح قانون يجعل من إتقان الأمازيغية شرطا للحصول على الجنسية المغربية بالنسبة للأجنبي. 

ويندرج هذا المقترح في إطار تتميم المادة 11 من الظهير الشريف رقم 1.58.250 بسن قانون الجنسية المغربية، بهدف ملاءمة التشريعات المغربية مع أحكام الدستور الذي نص على جعل الأمازيغية لغة رسمية للدولة، وفق ما جاء في مذكرة تقديم مقترح القانون فضلا عن ترسيم الاحتفال بالسنة الأمازيغية في 14 يناير مع إعلان الملك محمد السادس في 3 ماي 2023 عن إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها.

محددات السياسة الهوياتية

كل هذه الملامح يمكن مقاربتها من خلال أربعة محددات : وهي الموقف المؤسساتي وتموقعات المجتمع المدني والنسق الثقافي للتعددية اللغوية وخطر الاحتباس اللغوي. 

فيما يتعلق بالموقف المؤسساتي يمكن الإحالة أولا إلى دعوة الملك الراحل الحسن الثاني في 20 غشت 1994 إلى إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية واعتبارها رؤية سياسية متفردة. ثانيا يعتبر المغرب إلى جانب العراق دولتي الريادة في منطقة مينا بالنظر إلى الانتقال الهوياتي الذي مس اللغة الرسمية حيث تم المرور من الأحادية اللغوية إلى الثنائية اللغوية وتباعا في الحالة المغربية تبني انتماء جديد نقل المغرب من المغرب العربي إلى المغرب الكبير أي من انتماء رمزي إلى انتماء جغرافي.

ومن البديهي كذلك الإشارة من زاوية مغايرة إلى شبه غياب للحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية في برامج وأجندات الأحزاب المغربية التي تحضر بشكل رمزي وصوري في الاستحقاقات الانتخابية، مما جعل من الأمازيغية لغة للاستئناس التربوي والثقافي وموضوعا لموقف مناسباتي ظرفي.

في المقابل ، يبدو أن هناك بطء في وثيرة المرور من الدسترة إلى المأسسة إلى التفعيل، مما يغدي تنامي الشعور بالاغتراب الثقافي واللغوي، ويزيد من مشاعر الإقصاء ويؤدي إلى تعقيد الاندماج الهوياتي. في هذا الصدد من الضروري التنبيه إلى خطر استعمال التنويعات الأمازيغية في الترجمة المعتمدة في مجالات مؤسساتية مثل الإعلام والصحة والعدل والسياسة، لأن هذه الترجمة ستؤدي إلى تلهيج اللغة الأمازيغية واستقالة الصيغة المعيارية. كما أن عدم أجرأة تفعيل " المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية" يلقي بتداعياته على منظومة الجهوية المتقدمة لارتباط فعل التهيئة والتخطيط والحماية والتثمين والحفاظ على مقولة العيش المشترك والانسجام الهوياتي.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن المسألة الأمازيغية في المغرب حاضرة في المشهد المدني من خلال المطالبة بالاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية وإعادة كتابة التاريخ كأساس للتعايش في أفق المساواة بين اللغات والثقافات. من هذا المنطلق يبدو أن انزلاق المسألة الأمازيغية من إطارها الوطني التعاقدي إلى إطار تدويلي تتدخل فيه أطراف خارجية تحت شعارات عدة منها حقوق الإنسان والعلمانية وحقوق الشعوب الأصلية والتمثلات الأسطورية أو الهويات التحجيمية قد تفصل بين ما هو "مشترك مغربي" وبين ما هو خصوصي أمازيغي. مما يفضي إلى الانزياح عن مقولة تَمَغْرِبِيتْ وزعزعة منظومة الانسجام الوطني والهوياتي في المغرب.

لهذا يظل الالتزام بالمواثيق الدولية واحترام الحقوق الثقافية واللغوية الواردة في دستور 2011، وخصوصا منها ما يرتبط بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وإعادة النظر في القانون التنظيمي وتسريع مراحل إدماج الأمازيغية المعلنة في القانون رقم 26.16، وخاصة في التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية من المقومات المحورية لاستشراف استراتيجي للسياسة الهوياتية بالمغرب.

مداخلة قدمت خلال ندوة فكرية تحت عنوان "ربع قرن من مسار الأمازيغية: خطاب اجدير بين إعادة قراءة التاريخ وترسيخ الهوية وبناء المؤسسات" التي تم تنظيمها من طرف المركز الثقافي إكليل بالرباط، بالشراكة مع جريدة العالم الأمازيغي وجمعية أزافور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026