على هامش ” الضجة ” التي أحدثها تدخل النائب البرلماني محمود بنجلون باسم تحالف اليسار خلال جلسة مناقشة التصريح الحكومي ، والتي خلقت ردود فعل متباينة بشأن “المسألة اللغوية” ، محدثة تقاطبا ايديولوجيا “عنيفا” بين ما يسمى “بالمنظور العروبي القومي ” ، وبين” المنظور الأمازيغي” للمسألة اللغوية، أتساءل بالمناسبة ، بكل التواضع المعرفي المطلوب في هذا النوع من السجال، عن مستوى العلمية التي ينبغي أن ترافق مختلف الطروحات بشأن هذا الموضوع.
فإذا كانت ” سقطة” النائب البرلماني بنجلون في حديثه عن ” العربية” قد سيجته في فخ الطرح العروبي القومي للكيان المغربي،بوعي أو بدون وعي، ، فإن الطرح الأمازيغي للموضوع ، تسيج هو الآخر، بشباك النعرة اللغوية الأمازيغية التي أسقطته هو الآخر في فخ الايديولوجية اللغوية المرتبطة بتشكل الكيان الوطني المغربي.
وأتساءل، كيف لليسار الذي ينهل من مقولات ” الصراع الطبقي” و”التحليل المادي للتاريخ وللمجتمع”و ” للبنيات الاقتصادية” أن يسقط في فخ الايديولوجيا اللغوية دون إقامة الاعتبار للإشكال التاريخي المرتبط بسؤال ” الثقافة الوطنية” في علاقته بتشكل الكيان الوطني المغربي في علاقته بالمؤسسات، وبالدولة، وبالمجتمع، وفي علاقته الجدلية بسؤال الدين واللغة والهوية. فإذا كانت الحركة الوطنية قد سقطت ، لأسباب تاريخية، في النظرة العروبية للمسألة اللغوية، مسنودة بذلك بالتيار القومي الذي وجد له منفذا في المجال الثقافي المغربي في مرحلة معينة، فها هي زلة البرلماني بنجلون تترجم هذا النوع من المنزلقات التي تكتنف التعاطي مع هذا الموضوع.
والحال ، أن سؤال اللغة، والهوية لا ينفصل عن سؤال ” الكيان المغربي” و ” الثقافة الوطنية” في تشكلهما التاريخي . حيث لا ينبغي إقامة الفصل بين العربية و الأ ما زيغية ، بل ينبغي مقاربة الموضوع من زاوية الأدوار التاريخية والثقافية للعربية والأمازيغية في علاقتهما بالدولة، وبالمؤسسات، وبنظم إنتاج القيم والمعرفة. أي في علاقتهما بالكيان المغربي في سيرورته التاريخية.
ولعل هذا ما تفطن إليه عبد الله العروي مبكرا في مشروعه التاريخاني حيث يعتبر بأن اللغة في حد ذاتها ” لا يمكن أن تكون عنصرا للتمييز القومي، أو بالأحرى أن تكون مضمونا للثقافة القومية”.
لماذا، لأنه لا يمكن اختزال الوطنية المغربية في اللغة وحدها. وإلا كيف يمكن أن نفسر “الوطنية المغربية” في مجتمع متعدد اللغات؟
هذا ما حاول العروي الاشتغال عليه في كتاب “العرب والفكر التاريخي” ، من خلال نقده الصارم للأطروحة التي تعتبر بأن مضمون الثقافة الوطنية يتحدد بالدين أو باللغة. معتبرا بأن المضمون القومي للثقافة لا ينفصل عن المضمون الإنساني.
وحتى من المنظور الماركسي نفسه، لا تعتبر الماركسية اللغة هي العامل الأساس في تشكل الهوية القومية، طالما أن المحددات الأساسية في تشكل الكيان الوطني ترتبط بعلاقات وأنماط الإنتاج ، وبالشروط المادية لتشكل الثقافة، وحتى ب” الأدوات الإيديولوجية للدولة”. هذا ما يقوله الدرس الماركسي.
وكيفما كان الحال، فإن ” التوتر” الذي تسقط فيه الأطروحات اللغوية من منظور عروبي أو من منظور أمازيغي- حتى في بعض أوساط اليسار- تدفع بالضرورة إلى التنبيه إلى هذا النوع من المنزلقات الاديولوجية التي تفتقد إلى العلمية المطلوبة في تناول هذا النوع من القضايا الشائكة.
وإذا كان التوسير يقول “إن الايدولوجيا تنادي الأفراد بوصفهم ذواتا”، فإن هذه المقولة الماركسية تدعو إلى مقاربة موضوع اللغة في علاقته بالكيان المغربي كسيرورة تاريخية مركبة ساهمت في تشكل الثقافة الوطنية المغربية للذات المغربية الجامعة، دون السقوط في طروحات غير علمية قد تدخلنا إلى ” الايديولوجية اللغوية” من بوابة الشوفينية الفجة. ومن منظور تاريخاني، ستكون حاجة اليسار للعودة المتجددة إلى العروي سلاحا نظريا ومعرفي لطرد الايديولوجيا اللغوية التي ما زالت تقارب الثقافة الوطنية من زاوية التمايز الثقافي ، والخصوصيات العرقية.






