فن وإعلام

إلى أمازيغ خنيفرة الأبية: من الاعتراف بالهوية إلى الإنصاف المجالي، ومن ذاكرة الجبل إلى صناعة المستقبل

المصطفى المريزق (أستاذ جامعي، فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)

أهدي إليكم مداخلتي العلمية التي شاركت بها في الندوة العلمية الثانية، المنظمة ضمن فعاليات الدورة السابعة للمهرجان الدولي «أجذير إيزوران»، التي احتضنها إقليم خنيفرة خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 17 أكتوبر 2026، بتنظيم من مؤسسة روح أجذير الأطلس، وتحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وقد انعقدت الندوة بالقاعة الكبرى بمقر عمالة إقليم خنيفرة، حول موضوع: «البيئة والثقافة والتنمية: أية آفاق للمجال الجبلي؟»

وتكتسي هذه الدورة أهمية رمزية وتاريخية خاصة، لتزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي التاريخي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأجدير يوم 17 أكتوبر 2001، والذي شكل محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالأمازيغية لغة وثقافة ومكونا أساسيا من مكونات الهوية الوطنية المغربية.

إن إحياء هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على استعادة حدث تاريخي، بل يمثل مناسبة للتأمل في ما تحقق على مستوى الاعتراف والمأسسة، وفي ما ينتظرنا من أوراش لتحقيق الإنصاف الثقافي والمجالي، وربط الاعتراف بالهوية بحقوق المواطنين في التنمية والكرامة وتكافؤ الفرص.

ومن هذا المنطلق، تناولت في مداخلتي العلاقة بين الثقافة والهوية والتنمية والعدالة المجالية، انطلاقًا من تجربة الجبل المغربي، ومن الأسئلة التي يطرحها مستقبل المناطق الجبلية في مغرب يتطلع إلى الإنصاف والمصالحة وتثمين تعدده الثقافي والحضاري.

أولا: الثقافة والهوية حق من حقوق الإنسان، من الاعتراف إلى المأسسة

إن الثقافة ليست مجرد رصيد ثابت من العادات والتقاليد، بل هي سيرورة تاريخية متحركة، تتراكم فيها التجارب والمعارف والرموز، وتتفاعل من خلالها الأجيال مع محيطها الاجتماعي والطبيعي. وهي، بهذا المعنى، قوة رمزية تسهم في بناء الهوية الجماعية وتشكيل الذاكرة المشتركة.

لقد شكل خطاب أجدير منعطفا مهما في تجاوز التصور الأحادي للهوية المغربية، وفتح أفقًا جديدًا للاعتراف بتعدد روافدها الثقافية والحضارية، في إطار الوحدة الوطنية والإنصاف والمصالحة مع الذاكرة.

ولم يبق هذا الاعتراف في حدود الخطاب الرمزي، بل ترجم إلى مبادرات ومؤسسات وأوراش متعددة، كان لها أثر في تعزيز حضور الأمازيغية في الحياة العامة، وفي ترسيخ مكانتها باعتبارها مكونًا أصيلًا من مكونات الهوية الوطنية.

ومن منظور سوسيولوجيا الهوية والاندماج الوطني، فإن الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين يعني الانتقال بهما من وضع التهميش والإقصاء إلى فضاء الثقافة المشروعة، بما يتيح لهما الإسهام في الرأسمال الرمزي المشترك للمجتمع، وفق المقاربة السوسيولوجية التي طورها بيير بورديو.

وقد جاء هذا التحول ثمرة مسار طويل من النضال الثقافي والمدني والفكري الذي خاضته الحركة الأمازيغية بمختلف مكوناتها في المغرب، من أجل الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة، وترسيخ قيم التعدد والمواطنة والإنصاف.

ثانيًا: المجال الجبلي، من صورة الهامش إلى أفق التنمية والإنصاف

إن الجبل المغربي ليس مجرد مجال جغرافي صعب أو فضاء يعاني من العزلة ونقص التجهيزات، بل هو أيضًا مجال غني بالموارد الطبيعية، والذاكرة الجماعية، والمعارف المحلية، والتراث الثقافي، والتنوع البيئي، والرصيد الإنساني والاجتماعي.

ومن هنا، فإن التنمية الجبلية لا ينبغي أن تقتصر على المقاربات التقنية أو التدخلات الظرفية، بل يجب أن تنطلق من رؤية متكاملة تجعل الإنسان والثقافة والبيئة في صلب السياسات العمومية.

إن العدالة المجالية تقتضي ضمان وحدة الحقوق والفرص، مع مراعاة تعدد إيقاعات التنمية وخصوصيات المجالات. فلا يمكن تحقيق الإنصاف بمجرد اعتماد السياسات نفسها في جميع المناطق، دون اعتبار لاختلاف الحاجيات والإمكانات والتاريخ والخصوصيات الثقافية.

ومن هذا المنظور، يصبح تثمين التراث الثقافي اللامادي جزءًا من مشروع تنموي أوسع، يربط الذاكرة بالمستقبل، والثقافة بالاقتصاد، والمعرفة المحلية بالبحث العلمي، والمشاركة المواطنة بصناعة القرار.

كما يقتضي الأمر الانتقال من سوسيولوجيا التشخيص إلى سوسيولوجيا الفعل؛ أي من الاكتفاء بوصف الاختلالات إلى المساهمة في اقتراح الحلول، ومن النظر إلى السكان باعتبارهم مستفيدين من السياسات العمومية إلى اعتبارهم شركاء في إنتاج المعرفة وبناء التنمية.

ثالثا: من أجل تثمين التراث الأمازيغي بخنيفرة، مقترحان عمليان

انطلاقا من هذه الرؤية، ومن المكانة التاريخية والثقافية التي يحتلها إقليم خنيفرة في الذاكرة الأمازيغية والوطنية، أتوجه بنداء إلى الحكومة والقطاعات المعنية، من أجل الانتقال من الاعتراف بالتراث إلى تثمينه بمشاريع مؤسساتية ملموسة، وأقترح في هذا السياق مبادرتين أساسيتين:

1. إحداث معهد وطني للموسيقى بخنيفرة، يُعنى بالموسيقى الأمازيغية والتراث الموسيقي الجبلي.

إن الموسيقى الأمازيغية ليست مجرد تعبير فني أو فرجة احتفالية، بل هي ذاكرة جماعية، ومستودع للمعارف والقيم والتجارب التاريخية، ووسيلة لنقل الوجدان والهوية من جيل إلى آخر.

ومن شأن إحداث معهد وطني للموسيقى بخنيفرة أن يتيح توثيق هذا التراث وتدريسه وتطويره، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف على أصوله وتقنياته وجمالياته، مع تشجيع البحث والتكوين والإبداع.

كما يمكن لهذا المعهد أن يسهم في تجديد الأغنية الأمازيغية والموسيقى الجبلية، وإعادة إنتاجهما وتطويرهما بأساليب علمية وفنية حديثة، دون التفريط في أصالتهما وخصوصيتهما الثقافية.

إننا نحتاج إلى الانتقال من الاحتفاء الموسمي بالموسيقى الأمازيغية إلى بناء مؤسسة دائمة تحتضنها، وتحمي ذاكرتها، وتمنحها شروط الاستمرار والتطور والإشعاع الوطني والدولي.

2. إحداث متحف بخنيفرة مخصص للتراث الثقافي اللامادي والذاكرة الأمازيغية لمنطقة زيان.

تتوفر منطقة زيان على رصيد تاريخي وحضاري وثقافي غني، يتجلى في الذاكرة الشفوية، والموسيقى، والرقصات الجماعية، والحكايات، والأمثال، والمعارف المرتبطة بالطبيعة والمجال، والحرف التقليدية، والطقوس الاجتماعية، وأشكال التعبير الفني التي تناقلتها الأجيال.

ومن شأن إحداث متحف متخصص بخنيفرة أن يشكل فضاءً لجمع هذا الرصيد وتوثيقه وحفظه، وتعريف الأجيال الصاعدة به، وإتاحته للباحثين والطلبة والفنانين والزوار، بما يعزز الصلة بين المجتمع وذاكرته الثقافية.

ولا ينبغي أن يكون هذا المتحف مجرد فضاء لعرض مقتنيات الماضي، بل مؤسسة حية للبحث والتوثيق والتكوين والتربية الثقافية، تستفيد من الوسائط الرقمية والتقنيات الحديثة، وتشجع مشاركة حاملي التراث من النساء والرجال والشباب في نقل معارفهم وتجاربهم.

إن حماية التراث اللامادي لا تتحقق بمجرد الاحتفاظ به في الذاكرة، بل تقتضي توفير شروط نقله وتجديده وإدماجه في الحياة الثقافية والتربوية والتنموية، بما يضمن استمراره باعتباره ثروة جماعية ومصدرًا للإبداع والانتماء.

رابعًا: من الاعتراف إلى الإنصاف، مسؤولية جماعية ومستقبل مشترك

إن هذين المقترحين ليسا مطلبين ثقافيين معزولين عن قضايا التنمية، بل هما جزء من تصور أوسع للعدالة المجالية، يجعل الثقافة رافعة للتنمية المحلية، ويمنح المناطق الجبلية مكانتها المستحقة في السياسات العمومية.

فمن حق خنيفرة، بما تختزنه من تاريخ ورصيد ثقافي وحضاري، أن تتوفر على مؤسسات تليق بمكانتها، وتساهم في تثمين تراثها، وخلق فرص جديدة للتكوين والبحث والإبداع، وتعزيز جاذبية المجال الجبلي وإشعاعه.

إن الرهان اليوم هو ألا يظل الاعتراف بالهوية منفصلا عن الإنصاف في توزيع المؤسسات والاستثمارات والفرص، وألا تبقى المناطق الجبلية موضوعا للخطاب حول التنمية، بل أن تصبح شريكًا فعليًا في صياغة السياسات التي تهم حاضرها ومستقبلها.

ومن هنا، فإن الوفاء لروح خطاب أجدير يقتضي مواصلة العمل من أجل مغرب يعترف بتعدده، ويصون ذاكرته، ويجعل من التنوع الثقافي مصدرًا للقوة والإبداع، ومن العدالة المجالية شرطًا للمواطنة الكاملة.

خامسا: الجامعة والبحث العلمي في خدمة قضايا الجبل

وفي ختام هذه المداخلة، أوجه تحية تقدير واعتزاز إلى طلبتي الذين سعدت بلقائهم في خنيفرة، وإلى جميع الطلبة الباحثين، داعيا إياهم إلى المبادرة، بتعاون مع أساتذتهم والباحثين المهتمين بقضايا الجبل، إلى فتح مختبر جامعي للبحث العلمي حول المجالات الجبلية، يكون فضاء لإنتاج المعرفة، وتوثيق الذاكرة الثقافية، ودراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، واقتراح بدائل تنموية تستجيب لانتظارات السكان وخصوصيات مجالاتهم.

إن الجامعة ليست فضاءً لتدريس المعرفة ونقلها فحسب، بل هي أيضا مؤسسة لإنتاجها وربطها بقضايا المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية بناء جسور التعاون بين الطلبة والأساتذة والباحثين والفاعلين المحليين وحاملي التراث، حتى تصبح المعرفة العلمية أداة لفهم التحولات المجالية، والمساهمة في بلورة سياسات عمومية أكثر إنصافًا وفعالية.

إن إنشاء مثل هذا المختبر يمكن أن يشكل خطوة عملية نحو بناء معرفة علمية تراكمية حول الجبل، تتجاوز المقاربات الظرفية والمناسباتية، وتفتح آفاقا جديدة للبحث الميداني والتكوين والتعاون بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي والثقافي.

سادسا: الطريق الرابع، أكثر من عشر سنوات من النضال من أجل العدالة المجالية والاجتماعية

أود، في هذا السياق، التأكيد على أن ما طرحته في هذه المداخلة يندرج في صلب مشروع الطريق الرابع، الذي راكم، على مدى أكثر من عشر سنوات، تجربة فكرية ومدنية ونضالية من أجل العدالة المجالية والاجتماعية، ومن أجل مغرب لا يُترك فيه أحد خلف الركب.

لقد انشغل الطريق الرابع، من خلال مساره ومبادراته وتفاعله مع قضايا المجتمع، بأوضاع مغاربة الحاشية السفلى، أي أولئك الذين يعيشون في المجالات التي ظلت تعاني من التهميش وضعف الإنصاف في توزيع الثروات والاستثمارات والفرص؛ سواء تعلق الأمر بسكان الجبال أو الواحات أو السهول أو السهوب، وبمختلف المجالات التي لا تزال تنتظر حقها الكامل في التنمية والكرامة والمواطنة.

إن مفهوم «الحاشية السفلى» يعبر هنا عن وضعية اجتماعية ومجالية، وليس عن نقص في قيمة الإنسان أو إمكانات مجاله. فالمشكلة ليست في سكان هذه المناطق ولا في ثقافاتهم ومواردهم، بل في الاختلالات البنيوية التي تحول دون استفادتهم العادلة من ثروات البلاد وفرص التنمية.

لقد جعل الطريق الرابع من قضايا التفاوت الاجتماعي والمجالي، ومن أوضاع الفئات والمجالات التي ظلت بعيدة عن مراكز القرار والاستثمار، محورًا للتفكير والترافع والعمل المدني. وهو مسار يسعى إلى مساءلة أسباب التهميش، والدفاع عن حق جميع المواطنين في التنمية والكرامة والمشاركة وتكافؤ الفرص.

إن هذا المسار لا يقوم على الاكتفاء بتشخيص التفاوتات الاجتماعية والمجالية، بل يسعى إلى مساءلة أسبابها البنيوية، والترافع من أجل التوزيع العادل للثروات، وتكافؤ الفرص، والاعتراف بقيمة الموارد المحلية والمعارف والثقافات، وإشراك السكان في تحديد أولويات التنمية وصناعة مستقبل مجالاتهم.

ومن هذا المنظور، فإن الدفاع عن التراث الأمازيغي والموسيقى الجبلية، والمطالبة بمعهد وطني للموسيقى ومتحف للتراث الثقافي اللامادي بخنيفرة، ليسا مطلبين ثقافيين معزولين، بل هما جزء من تصور متكامل للتنمية، يربط الثقافة بالعدالة المجالية، والهوية بالحقوق، والذاكرة بالمستقبل، والمعرفة بالفعل.

إن الطريق الرابع يدافع عن مغرب تكون فيه العدالة المجالية والاجتماعية أساسا للسياسات العمومية، ويكون فيه التوزيع العادل للثروات شرطا للكرامة والمواطنة، ويصبح فيه التنوع الثقافي رافعة للتنمية المشتركة، لا ذريعة لإعادة إنتاج التفاوتات والإقصاء.

إن مغرب المستقبل لا يبنى فقط من مراكزه الكبرى، بل أيضا من جباله وواحاتِه وسهوله وسهوبه، ومن طاقات سكانها ومعارفهم وذاكرتهم وإبداعهم. ولا يمكن الحديث عن تنمية وطنية متوازنة ما دامت بعض المجالات تتحمل كلفة التفاوتات دون أن تحظى بنصيب منصف من الثروات والاستثمارات والخدمات والفرص.

إن العدالة المجالية ليست امتيازا تمنحه جهة لأخرى، بل هي حق للمواطنين ومبدأ ينبغي أن يوجه السياسات العمومية، حتى يصبح الانتماء إلى الجبل أو الواحة أو السهل أو السهب مصدرا للغنى والتنوع، لا سببا في التهميش أو ضعف الفرص.

ومن هنا، فإن الوفاء لروح أجدير يقتضي أن ننتقل من الاعتراف إلى الإنصاف، ومن الاحتفاء بالتعدد إلى تجسيده في المؤسسات والسياسات، ومن استحضار الذاكرة إلى الاستثمار في المستقبل.

من هامش الجبل إلى قلب المغرب، ومن الجبال إلى الواحات والسهول والسهوب، ومن الاعتراف إلى الإنصاف، ومن حماية التراث إلى تثمينه، ومن سوسيولوجيا التشخيص إلى سوسيولوجيا الفعل، ومن ذاكرة أجدير إلى صناعة المستقبل.

تحية تقدير واعتزاز لأمازيغ خنيفرة، ولطلبتي الذين التقيت بهم، ولكافة الطلبة الباحثين والأساتذة والفاعلين الثقافيين والمدنيين، ولكل من يجعل من المعرفة والبحث العلمي والنضال المدني أدوات لبناء مغرب أكثر عدلًا وإنصافًا وتضامنا.

وتحية خاصة لكل الذين ساهموا، على امتداد أكثر من عشر سنوات، في مسار الطريق الرابع، وفي مختلف المبادرات الفكرية والمدنية التي جعلت من العدالة المجالية والاجتماعية، ومن الدفاع عن كرامة مغاربة الحاشية السفلى وحقهم في التوزيع العادل للثروات، أفقا للنضال والعمل المشترك.

شكرا على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وعلى حسن التنظيم والتدبير، كما أتقدم بخالص الشكر والامتنان على التكريم الذي حظيت به، وهو تقدير أعتز به كثيرا.