في ملف تحليلي نشرته جريدة «L’Économiste» يوم 23 أكتوبر 2026، تحت عنوان «التعليم العالي: 15 سنة، أربعة وزراء، وورش إصلاح لا يزال مفتوحاً»، تقدم الصحفية أحلام نزيه حصيلة مقارنة لأربعة وزراء تعاقبوا على تدبير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب: لحسن الداودي، وسعيد أمزازي، وعبد اللطيف ميراوي، وعز الدين الميداوي.
ان أهمية هذا الملف لا تكمن فقط في استعراض ما أنجزه كل وزير، بل في الطريقة التي يضع بها الإنجازات المعلنة مرفوقة بالمشاريع التي لم ترَ النور، أو التي تأجلت، أو التي انتقلت من ولاية وزارية إلى أخرى دون أن تستكمل مسارها.
إننا أمام مادة صحفية تفتح الباب أمام مساءلة سياسية ومؤسساتية عميقة: كيف أمكن، خلال خمسة عشر عاماً، إطلاق كل هذا العدد من المبادرات في التكوين والحكامة والبحث العلمي والتشغيل، بينما بقيت ملفات أساسية، مثل النظام القانوني للجامعة، ووضعية الأساتذة الباحثين، وتحديث الإدارة، وتمويل المؤسسات، وجودة التكوين، تنتظر الحسم؟
فالمشكلة، إذن، ليست أن المغرب لم يُصلح جامعته، بل أنه لم ينجح بعد في تحويل الإصلاحات المتعاقبة إلى منظومة متماسكة تضمن الاستمرارية والفعالية والمحاسبة.
وهذا ما يجعل قراءة حصيلة الوزراء الأربعة مناسبة لإعادة طرح السؤال الكبير: هل تعاني الجامعة المغربية نقصاً في الإصلاحات، أم تعاني خللاً في فلسفة الإصلاح وطريقة إدارته وتقييم نتائجه؟
أولاً: لحسن الداودي.. دينامية المبادرات وحدود التحول البنيوي
تقدم الجريدة تجربة لحسن الداودي، الذي تولى القطاع من 3 يناير 2012، إلى 21 أكتوبر 2016، باعتبارها مرحلة اتسمت بكثرة المبادرات والأفكار، وبأسلوب تدبيري فيه الكثير من الحركة. ومن بين أبرز ما تسجله المادة الصحفية الاعتراف بمؤسسات التعليم العالي الخاص، والترخيص لأول الجامعات المؤدى عنها، وتوسيع المبادرات المرتبطة بالبحث والتطوير، وتوفير تجهيزات للطلبة، وتطوير بعض آليات الحكامة الجامعية.
كما شهدت هذه المرحلة ايضا محاولات لتطوير الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، وتوسيع استقطاب الطلبة في مؤسسات تكوين المهندسين، وإطلاق مبادرات مرتبطة بالبحث العلمي والتجهيزات المختبرية.
لكن الملف يسجل أيضاً مشروعات لم تكتمل، من بينها مراجعة القانون المنظم للتعليم العالي، وإرساء نظام معلوماتي متكامل للوزارة، وتطوير بعض البنيات الصحية الجامعية، وإعادة تنظيم مؤسسات التكوين.
وتكشف هذه الحصيلة عن مفارقة تستحق التأمل: لقد كانت هناك دينامية في إطلاق المبادرات، لكن كثرة المشاريع لم تكن كافية لضمان تحول بنيوي مستدام.
فإصلاح الجامعة لا يقاس بعدد القرارات التي تتخذها الوزارة، وإنما بقدرتها على بناء نظام مؤسساتي قادر على الاستمرار بعد مغادرة المسؤولين.
ومن هنا، فإن النقد الموضوعي لهذه المرحلة لا ينبغي أن ينصب على كثرة المبادرات أو قلتها، بل على مدى اندماجها في رؤية استراتيجية واضحة، وعلى قدرتها على معالجة الاختلالات التي كانت تعاني منها الجامعة.
إن توسيع التعليم العالي الخاص، مثلاً، يثير سؤالاً يتجاوز الترخيص والاعتراف بالشهادات: كيف يمكن تحقيق التكامل بين القطاعين العام والخاص دون تعميق الفوارق في فرص الولوج إلى التكوين الجيد؟
كما أن تعزيز البحث التطبيقي والشراكات الاقتصادية يظل محدود الأثر إذا لم يصاحبه تمويل مستقر للبحث الأساسي، وتطوير للمختبرات، وتحسين لشروط عمل الباحثين.
لقد أظهرت مرحلة الداودي أهمية المبادرة السياسية، لكنها أعادت، في نفس الوقت، طرح سؤال القدرة على تحويل المبادرات إلى مؤسسات وسياسات مستمرة.
ثانياً: سعيد أمزازي.. وضوح الرؤية أم فجوة التنفيذ؟
تصف «L’Économiste» تجربة سعيد أمزازي، الذي تولى الوزارة من 22 يناير 2018، إلى 7 أكتوبر 2021، بأنها اتسمت برؤية واضحة ومقاربة عملية للإصلاح.
ومن بين أبرز الإنجازات التي يسجلها الملف اعتماد القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتوقيع عقود مع الجامعات العمومية تحدد أهدافاً ومشاريع، وتطوير الخدمات الرقمية المرتبطة بتوجيه الطلبة والتسجيل في بعض المؤسسات، إلى جانب توسيع المنح الدراسية وتطوير التعليم عن بعد. كما عرفت هذه المرحلة ايضا إطلاق مبادرات تتعلق بريادة الأعمال الطلابية، وإحداث مراكز للمسارات المهنية، وتطوير بعض آليات التكوين والبحث العلمي.
غير أن الجريدة تسجل أيضاً أن عدداً من المشاريع ظل غير مكتمل، وفي مقدمتها مراجعة القانون 01.00 المنظم للتعليم العالي، وإرساء نظام معلوماتي متكامل للوزارة، وإصلاح بعض جوانب التكوين الجامعي ووضعية الأساتذة الباحثين. ومن هنا ينبغي التمييز بين وضوح الرؤية وفعالية التنفيذ.
فقد يكون المشروع الإصلاحي متماسكاً من الناحية التقنية، وقد تتوافر له أدوات إدارية ومؤسساتية، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة تحسن النتائج إذا لم تُهيَّأ شروط التنفيذ، ولم تُعبَّأ الموارد اللازمة، ولم تُبنَ الثقة مع الفاعلين الجامعيين. كما أن جائحة كوفيد-19 فرضت تحديات استثنائية على الجامعة، خصوصاً في مجال التعليم عن بعد، واستمرارية الدراسة، وتفاوت فرص الولوج إلى الوسائل الرقمية. ولذلك، ينبغي تقييم هذه المرحلة في ضوء الظروف التي أحاطت بها، دون اتخاذ الجائحة ذريعة لتبرير كل أوجه التعثر.
والملاحظة البالغة الاهمية هنا، هي أن المبادرات الرقمية، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع لوحدها حل مشكلات الاكتظاظ، أو ضعف التأطير، أو محدودية فرص التدريب، أو صعوبة الاندماج المهني.
إن تجربة أمزازي تؤكد أن تحديث الأدوات لا يعادل بالضرورة تحديث المنظومة بأكملها. فالجامعة تحتاج إلى الرقمنة، لكنها تحتاج أيضاً إلى تجديد طرق التدريس، وتطوير التقييم، وتحسين العلاقة بين الأستاذ والطالب، وإعادة الاعتبار للبحث العلمي.
ثالثاً: عبد اللطيف ميراوي.. طموح Pacte ESRI 2030
واختبار الاستمرارية، مع عبد اللطيف ميراوي، الذي تولى القطاع من 7 أكتوبر 2021، إلى 23 أكتوبر 2024، انتقل خطاب الإصلاح إلى مستوى أكثر شمولية، من خلال مشروع تسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في أفق 2030، المعروف باسم Pacte ESRI 2030.
وفي هذا الصدد، تشير الجريدة إلى أن ميراوي لم يكتفِ باستئناف بعض الأوراش السابقة، بل سعى إلى إعادة تنظيمها وإغنائها بمبادرات جديدة. وشملت هذه المرحلة مراجعة دفاتر الضوابط البيداغوجية للإجازة والماستر والدكتوراه، وتفعيل نظام الأرصدة الاستدراكية الأوروبية، وإدراج وحدات اللغات والمهارات الناعمة، وتطوير مراكز التميز، وتعزيز التكوين في مجالات البرمجة، وإعادة تنظيم بعض شبكات المؤسسات الجامعية. كما شهدت إطلاق برامج لتكوين طلبة الدكتوراه، وتطوير بعض آليات دعم البحث العلمي، وتوسيع المبادرات المرتبطة بالمنح والتوجيه الجامعي.
لكن الجريدة تضع هذه الإنجازات برفقة ملفات لم تُحسم، وعلى رأسها الإصلاح القانوني للقطاع، وإرساء نظام معلوماتي متكامل، ومراجعة النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، واستكمال بعض مشاريع إعادة تنظيم المؤسسات الجامعية.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل فعلا كان Pacte ESRI 2030، مشروعاً لتحويل الجامعة المغربية، أم أنه ظل، في بعض جوانبه، إطاراً استراتيجياً طموحاً لم تُستكمل شروط تنزيله؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد تعداد البرامج التي أُطلقت. فالمشروع الاستراتيجي ينبغي أن يُقاس بمدى تأثيره في حياة الطالب، وفي جودة التدريس، وفي إنتاج المعرفة، وفي قدرة الجامعة على توفير بيئة جذابة للباحثين.
كما ينبغي التمييز في هذا السياق، بين الإعلان عن إدراج مهارات جديدة في البرامج وبين اكتساب الطلبة فعليا لهذه المهارات... فإضافة وحدات في اللغات والمهارات الناعمة لا تضمن وحدها تحسين قابلية التشغيل، ما لم ترتبط بمحتويات جيدة، وتدريس فعال، وتدريب ميداني، وتقييم موضوعي للنتائج.
والأمر نفسه ينطبق على مراكز التميز والبرمجة وتطوير البحث العلمي. فنجاحها يتوقف على جودة التأطير، وتوافر الموارد، واستمرارية التمويل، وقدرتها على الاندماج في استراتيجية وطنية واضحة.
وعلى مستوى اخر، فإن استمرار الملفات المرتبطة بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله ملخصه هو: كيف يمكن المطالبة بتغيير عميق في أداء الجامعة دون حسم وضعية أحد مكوناتها الأساسية؟ لذلك، فإن الإصلاح الذي يراهن على تغيير الطالب والبرنامج والمؤسسة، دون تطوير متكامل لشروط عمل الأستاذ الباحث، يظل معرضاً للاختلال.
رابعاً: عز الدين الميداوي.. القانون الجديد واختبار الانتقال من النص إلى الواقع
تحتل تجربة عز الدين الميداوي موقعاً خاصاً في الملف، فقد تولى الوزارة في 23 أكتوبر 2024، وارتبطت مرحلته بإقرار القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي.
وتصف الجريدة هذا التطور بأنه تتويج لمسار طويل من محاولات مراجعة الإطار القانوني للقطاع.
ومن أبرز الأوراش التي تسجلها المادة الصحفية اعتماد القانون الجديد، وتوقيع عقود تطوير مع الجامعات العمومية للفترة 2025-2027، وإعادة تنظيم بعض الكليات متعددة التخصصات، وتعزيز الشراكة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى جانب إطلاق برنامج وطني لدعم البحث والتطوير والابتكار بميزانية إجمالية تبلغ مليار درهم للفترة 2025-2028، وفق ما أورده الملف.
كما تشير الجريدة إلى مبادرات اخرى مرتبطة بتطوير التكوين في مدارس التكنولوجيا، واعتماد نموذج الدراسة بالزمن الميسر، وتطوير منصة لتعلم اللغات الأجنبية... لكن الجريدة تسجل ايضا استمرار بعض الأوراش، خصوصاً ما يتعلق بتطوير مصادر تمويل المنح الجامعية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تطوير المدن الجامعية.
إن هذه المرحلة تطرح سؤالاً مختلفاً عن الأسئلة التي رافقت الوزراء السابقين ملخصه: هل يستطيع القانون الجديد أن يحسم التراكمات التي أخفقت الإصلاحات السابقة في معالجتها؟ فلا شك أن تحديث الإطار القانوني يمكن أن يوفر شروطاً أفضل للحكامة والتنسيق وتطوير البحث العلمي. لكنه لا يضمن، في حد ذاته، تحقيق هذه الأهداف. فالقوانين لا تنفذ نفسها، والنصوص لا تغير الثقافة المؤسسية بصورة آلية.
ولهذا، ينبغي تقييم القانون 59.24 من خلال طريقة تنزيله، ومدى ضمانه للتوازن بين النجاعة التدبيرية والاستقلالية الأكاديمية، وبين المحاسبة والمشاركة، وبين الانفتاح على الاقتصاد وحماية الوظيفة العلمية والاجتماعية للجامعة. كما أن توقيع عقود التطوير مع الجامعات يجب ان لا يبقى إجراء شكليا، بل يجب أن يرتبط بالتزامات واضحة، وموارد مالية وبشرية مناسبة، ومؤشرات قابلة للقياس، وتقييم مستقل للنتائج.
أما البرنامج الوطني لدعم البحث والتطوير والابتكار، فإن أهميته لا تتوقف على حجمه المالي وحده، بل على طبيعة المشاريع التي سيمولها، وشروط الاستفادة منه، ومدى توزيع موارده على مختلف التخصصات والجامعات، بالاضافة الى قدرته على إنتاج معرفة ذات قيمة علمية واجتماعية واقتصادية.
إن التحدي الحقيقي أمام الميداوي ليس استكمال ما بدأه أسلافه فقط، بل إثبات أن الإصلاح القانوني قادر على تغيير واقع الجامعة، لا أن يتحول الى حلقة جديدة في سلسلة الإصلاحات المتعاقبة.
خامساً: ماذا تقول المقارنة بين الوزراء الأربعة؟ انه عند جمع خلاصات الملف، تظهر أمامنا صورة تتجاوز الاختلافات الشخصية والمقاربات التدبيرية.
لقد اهتم الداودي بتوسيع المبادرات، وتطوير الشراكات، وتحريك ملفات البحث والتكوين. وركز أمزازي على التنظيم والتعاقد والرقمنة وبعض الإصلاحات البيداغوجية. وسعى ميراوي إلى بناء إطار استراتيجي شامل لتحويل المنظومة. أما الميداوي، فقد ارتبطت مرحلته بإعادة صياغة الإطار القانوني وتطوير عقود الأداء ودعم البحث العلمي.
الا ان المقارنة تكشف أيضاً تكرار ملفات لم تُحسم بين مرحلة وأخرى. وانطلاقا منوذلك، يمكن استخلاص خمس ملاحظات نقدية.
1. استمرارية المشكلات رغم تغير الأولويات، حيث استمر النقاش حول القانون المنظم للتعليم العالي، ووضعية الأساتذة الباحثين، والحكامة الجامعية، وتحديث الإدارة. وهذا يدل على أن بعض المشكلات أعمق من أن تعالجها قرارات قطاعية متفرقة.
2. انتقال المشروعات لا يعني بالضرورة استمرارية الإصلاح، فقد ينتقل مشروع من وزير إلى آخر، لكنه يتغير في مضمونه أو وتيرة تنفيذه أو شروط تمويله. ولذلك، ينبغي التمييز بين استمرارية المشروع واستمرارية أهدافه ونتائجه.
3. الإنجاز الإداري ليس مرادفاً للنجاح الأكاديمي، فإحداث منصة رقمية، أو توقيع عقد، أو تعديل نظام بيداغوجي، يشكل إنجازاً إدارياً. لكن النجاح الأكاديمي يحتاج إلى مؤشرات أخرى، مثل تحسن مستوى الطلبة، وجودة البحث، ونسب النجاح والتخرج، والاندماج المهني.
4. المشاريع غير المكتملة ليست مجرد ملفات تقنية،
فعندما يتكرر تأجيل إصلاح النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، أو النظام المعلوماتي، أو بعض الإصلاحات القانونية، فإن الأمر يستدعي مساءلة آليات اتخاذ القرار وتحديد الأولويات وتوزيع المسؤوليات.
5. لا يمكن تحميل الوزراء وحدهم مسؤولية أزمة ممتدة،
فالجامعة تخضع لتأثيرات السياسات المالية، والتشريعات، والاختيارات الحكومية، والقدرات الإدارية للمؤسسات، وممارسات الفاعلين داخلها. ومن ثم، فإن المحاسبة الجادة ينبغي أن تشمل المنظومة بأكملها، مع تحديد مسؤولية كل طرف.
ومن ثم فإن الخلاصة الأهم هي أن الإصلاح الجامعي المغربي ظل حاضراً، لكنه لم ينجح بعد في بناء دورة مؤسساتية مكتملة تربط التشخيص بالقرار، والقرار بالتنفيذ، والتنفيذ بالتقييم، والتقييم بتصحيح السياسات.
سادساً: رقم صادم لا يكفي لوحده لتشخيص أزمة الجامعة، في سياق حديثه عن صعوبات التكوين والتوجيه والاندماج الجامعي، هناك معطى مثير للانتباه في الملف، وهو ما أورده بشأن الانقطاع عن الدراسة؛ إذ يشير إلى أن نحو 59 في المائة من طلبة سلك الإجازة غادروا مساراتهم دون الحصول على شهادة، .
ان هذا الرقم يستحق التوقف عنده، الا ان التعامل العلمي معه يقتضي التحقق من مصدره الأصلي، والسنة المرجعية، والفئة التي يشملها، وطريقة احتسابه، وما إذا كان يتعلق بفوج محدد أم بمجموع الطلبة المسجلين.
فلا يمكن الأخذ برقم صحفي، دون معرفة منهجيته، وتحويله إلى حكم نهائي على أداء الجامعة المغربية.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه القضية يعيدنا إلى سؤال جوهري: ماذا تعني الجامعة إذا كان جزء مهم من الطلبة لا يتمكن من إكمال مساره والحصول على شهادة؟
إن معالجة الانقطاع الجامعي تتطلب ما هو أكثر من مراجعة البرامج. فهي تستدعي تحسين التوجيه قبل الولوج إلى الجامعة، وتطوير الجسور بين التخصصات، وتوفير الدعم الاجتماعي، وتحسين ظروف التدريس، وتعزيز المواكبة البيداغوجية، ومراجعة أنماط التقييم.
كما يجب دراسة الفوارق بين التخصصات والجامعات والفئات الاجتماعية، لأن الانقطاع ليس ظاهرة متجانسة، ولا يمكن تفسيره بعامل واحد. والأهم من ذلك، هو الانتقال من سياسة تسجل أعداد المسجلين إلى سياسة تتابع المسارات الفعلية للطلبة: من الولوج إلى التخرج، مروراً بالتعثر وإعادة التوجيه والتدريب والاندماج المهني. فنجاح الجامعة لا يقاس بعدد المقاعد التي تفتحها فقط، بل أيضاً بقدرتها على تمكين الطلبة من إكمال دراستهم بنجاح.
سابعاً: الجامعة المغربية ومشكلة المساءلة عن النتائج،
يضعنا الملف الصحفي أمام سؤال سياسي ومؤسساتي كبير: من يحاسب على المشروعات التي لم تكتمل؟
إن المحاسبة في القطاع الجامعي لا تعني البحث عن مسؤول لتحميله كل الإخفاقات، بل تعني بناء نظام يحدد الأهداف والآجال والموارد والمسؤوليات منذ البداية.
فإذا أُعلن عن إصلاح بيداغوجي، وجب تحديد النتائج المنتظرة منه. وإذا أُطلق مشروع رقمي، وجب قياس مدى استعماله وأثره في تبسيط المساطر. وإذا وُضعت استراتيجية للبحث العلمي، وجب تقييم نتائجها من حيث الإنتاج العلمي وجودته، وتكوين الباحثين، ونقل المعرفة إلى المجتمع والاقتصاد.
هذا بالاضافة الى انه ينبغي أن تكون نتائج هذه التقييمات متاحة للرأي العام، حتى لا يظل النقاش حول الجامعة محصوراً في التصريحات الوزارية أو المواقف النقابية أو الانطباعات الشخصية.
ومن هنا يمكن اقتراح إحداث آلية وطنية مستقلة لتتبع الإصلاح الجامعي، تنشر تقريراً سنوياً يقارن بين الوعود والنتائج، ويعرض المشروعات المكتملة والمتعثرة، ويحدد أسباب التعثر، ويقترح إجراءات تصحيحية.
كما يجب أن تضم هذه الآلية خبراء مستقلين وممثلين عن الجامعات والطلبة والباحثين، مع ضمان استقلالية التقييم عن الجهة التي يجري تقييم أدائها.
إن وجود مثل هذه الآلية من شأنه أن يحول دون ضياع الذاكرة المؤسساتية مع تغير الوزراء، وأن يجعل كل مسؤول جديد مطالباً بالبناء على حصيلة سلفه، لا بإعادة تسمية المشاريع أو اعادة إطلاقها من جديد.
ثامناً: أي جامعة يحتاج إليها المغرب في أفق 2030؟
إن تجاوز مأزق الإصلاحات المتعاقبة يقتضي تحديد صورة الجامعة التي يريدها المغرب. فهل نريد جامعة تركز أساساً على الاستجابة لحاجات سوق الشغل الآنية؟ أم جامعة تجمع بين التكوين المهني والبحث الأساسي والابتكار والتربية على المواطنة؟ هل نريد مؤسسات ذات نجاعة إدارية، أم مؤسسات تجمع بين النجاعة والاستقلالية الأكاديمية والمشاركة؟ وهل نريد بحثا علميا كأداة لتحسين التنافسية الاقتصادية، أم قوة وطنية تساعد على فهم المجتمع، وحماية الذاكرة، وتطوير الثقافة، ومعالجة تحديات الماء والطاقة والصحة والبيئة؟
إن الاختيار الاستراتيجي السليم لا يفرض المفاضلة بين هذه الوظائف، بل يسعى إلى التكامل فيما بينها.
ولذلك، فإن الجامعة المغربية تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد يقوم على ستة مرتكزات:
- الاستقلالية المسؤولة: بنا تعنيه، توسيع قدرة الجامعات على اتخاذ قراراتها الأكاديمية والعلمية، مع تعزيز الشفافية والمحاسبة.
- التمويل المستقر: من خلال توفير موارد متعددة والتجهيزات، وربط التمويل بأهداف واضحة دون اختزال الجامعة في مؤشرات كمية.
- العدالة المجالية: من خلال تقليص الفوارق بين الجامعات والمؤسسات في الموارد والتأطير والتجهيزات.
- تثمين الأستاذ الباحث: من خلال تحسين شروط العمل والتكوين المستمر، وتطوير المسارات المهنية، وضمان بيئة علمية تحفز الإنتاج والإبداع.
- مركزية الطالب: من خلتل تطوير التوجيه والمواكبة والخدمات الاجتماعية، وقياس النجاح بمؤشرات التخرج وجودة التعلم والاندماج المهني.
- استقلالية البحث العلمي وتعدديته: من خلال دعم العلوم الأساسية والإنسانية والاجتماعية، إلى جانب العلوم التطبيقية والابتكار، مع حماية الحرية الأكاديمية.
ان هذه المرتكزات ليست قائمة أمنيات فقط؛ إنها شروط لبناء منظومة جامعية قادرة على الاستمرار والتطور، بصرف النظر عن هوية الوزير الذي يتولى مسؤولية القطاع.
في الختام، المشكلة ليست في عدد الوزراء، بل في غياب القطيعة مع منطق الإصلاح المؤقت، إن ملف «L’Économiste» حول خمسة عشر عاماً وأربعة وزراء يقدم مادة مهمة للنقاش العمومي بشأن التعليم العالي بالمغرب. فهو يتيح رؤية الإنجازات والمشاريع غير المكتملة في إطار زمني واحد، ويكشف أن إصلاح الجامعة لم يكن مساراً خطياً، بل عملية تداخلت فيها المبادرات والطموحات والتأجيلات وإعادة ترتيب الأولويات. ان القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تنتهي عند ترتيب الوزراء أو المقارنة بين حصائلهم. بل العكس، فقد يكون مدخلاً لنقاش هام.
إن السؤال الأعمق هنا، هو: لماذا لم تنجح الدولة، رغم تعدد المبادرات والمخططات والتعديلات القانونية، في بناء سياسة جامعية وطنية مستقرة، تخضع للتقييم المنتظم، وتضمن استمرارية المشروعات الناجحة، وتصحح الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات مزمنة.
إن الوزير مسؤول عن اختياراته وتدبيره، لكن الجامعة لا يمكن أن تظل رهينة للولاية الوزارية. والإصلاح لا يمكن أن يستمر إذا كانت كل مرحلة مطالبة بإثبات اختلافها عن سابقتها أكثر من مطالبتها باستكمال ما أنجزته.
كما أن إصدار قانون جديد لا يعني أن أزمة الحكامة قد حُلت، وإطلاق استراتيجية لا يعني أن أهدافها تحققت، وتوقيع عقود مع الجامعات لا يعني أن جودة التكوين قد تحسنت.
ان المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة إعلان الإصلاح إلى سياسة إثبات أثره، ومن تدبير المشروعات إلى تدبير النتائج، ومن تغيير الوزراء إلى ترسيخ المؤسسات.
فالجامعة ليست ملكاً لوزير، ولا مشروعاً انتخابياً لحكومة، ولا جهازاً إدارياً تابعاً للسلطة المركزية. بل إنها مؤسسة وطنية لإنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات وصناعة المستقبل.
انه بعد أربعة وزراء وخمسة عشر عاماً من الإصلاحات، يصير من المشروع أن نسأل: هل ستظل الجامعة المغربية ورشاً مفتوحاً تتوارث الحكومات ملفاته غير المكتملة، أم ستنجح الدولة في تحويلها إلى مشروع وطني مستقر، له أهداف واضحة، وتمويل مناسب، واستقلالية مسؤولة، ومحاسبة فعلية؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ما إذا كانت المرحلة الحالية تمثل بداية تحول حقيقي في الجامعة المغربية، أم مجرد حلقة أخرى في تاريخ طويل من الإصلاحات المؤجلة.






