عزيزي محمد،
ليس من السهل عليّ أن أكتب إليك اليوم بهذه الطريقة. فقد كنت بالنسبة إليّ أكثر من أستاذ ومفكر قرأت كتبه واختلفت معه أو اتفقت. كنت بمثابة الأخ الأكبر، وكانت علاقتي بك أوسع من أن تختزلها الكتب أو تستوعبها النقاشات الفكرية. ومع ذلك، أو لعل ذلك هو ما يجعلني أكتب إليك، أجدني أعود إلى أفكارك، لا لأستعيدها كما تركتها، ولا لأحصي ما أتفق فيه معك وما أختلف، بل لأواصل حوارا أعرف أنه لن يعود ممكنا بالطريقة التي عرفناها، وأنه لم يعد لي اليوم سوى أن أستأنفه عبر ما تركته لنا.
مفعول الجابري
كثيرا ما ردد الذين كتبوا عنك عبارتك الشهيرة: "مارست السياسة في الثقافة". ولعلهم وجدوا فيها مفتاحا لفهم مسارك، أو صيغة تختزل العلاقة التي أقمتها بين الفكر والعمل السياسي. غير أنني كلما عدت إلى مشروعك، وجدتني أميل إلى النظر إلى هذه العلاقة من جهة أخرى: ليس فقط من جهة ما أردت أن تفعله في الثقافة، ولا من جهة ما كنت تطمح إليه سياسيا من خلال الفكر، بل من جهة ما أحدثه عملك بالفعل، وما ترتب عليه من آثار ربما تجاوزت مقاصدك نفسها.
أقصد بذلك ما يمكن أن أسميه "مفعول الجابري". لا أقصد به، بالطبع، مجموع التأثيرات التي تركتها كتاباتك في قرائها، ولا ما أحدثته من صدى في النقاشات الفكرية والسياسية، وإنما أقصد شيئا أدق: ما الذي تغير في علاقتنا بالتراث بعد تدخلك فيه؟ ما الذي أصبح ممكنا لنا أن نقرأه ونناقشه ونختلف حوله، بفضل الطريقة التي جعلت بها نصوصا تراثية كثيرة حاضرة في متناول قراء لم يكن يسهل عليهم بلوغها؟ تلك الطريقة التي كنت أقول لك عنها بالدارجة المغربية إنها "دسرتنا" على التراث وجعلتنا نجرؤ عليه.
أظن أن من أهم ما فعلته، وربما من أكثره خفاء، أنك أسهمت في جعل التراث أقل خضوعا لاحتكار الوصول إليه. فقد كان هذا التراث، على الرغم من حضوره الدائم في خطابنا الثقافي، أشبه بكنز نعرف بوجوده ولا نملك دائما مفاتيحه. كانت بينه وبين قرائه مسافات متعددة: مسافة المخطوطات والطبعات، ومسافة المؤسسات التي تتولى حفظه وتداوله، ومسافة التخصص الذي يجعل بعض النصوص حكرا على فئة من العارفين بها، ثم مسافة أخرى لا تقل أهمية، هي المسافة التي تفصل النص عن إمكان قراءته خارج التفسيرات التي استقرت حوله.
هنا بالذات أجد ما قد أسميه، بشيء من المجاز، "شيوعية النص التراثي". لا أعني بذلك إلغاء الفروق بين القراء، ولا تسوية النصوص في قيمة واحدة، وإنما أعني إتاحة ما كان محجوبا، أو عسير المنال، وتحرير النص من بعض أشكال الاحتكار التي تحصره في أيدي من يملكون حق تقديمه وشرحه وتحديد ما ينبغي أن يعنيه. كأن عملك لم يقتصر على قراءة التراث، بل أسهم أيضا في تغيير شروط إمكان قراءته.
ولعل في هذا ما يذكرني، على نحو بعيد، بفكرة الصراع في ميدان النظرية: فالصراع لا يدور دائما حول الأفكار وحدها، بل يدور كذلك حول من يملك حق إنتاجها وتداولها وتحديد المجال الذي يمكن أن تتحرك فيه. والنص التراثي ليس استثناء من ذلك. إذ لا يتعلق الأمر فقط بما يقوله، بل أيضا بمن يستطيع الوصول إليه، ومن يتولى تفسيره، ومن يملك سلطة إغلاق معناه أو فتحه.
لكنني، كلما فكرت في هذا الأثر، ازددت شعورا بأن تحرير النص من احتكار الوصول إليه لا يستلزم بالضرورة تحريره من احتكار تأويله. فإتاحة النصوص تفتح بابا، لكنها لا تضمن وحدها أن تظل القراءات متعددة، ولا أن يترك للنص أن يفاجئ قارئه بما لم يكن ينتظره منه. وقد يكون المرء قد أسهم في جعل التراث متاحا للجميع، من غير أن يكون قد أتاح بالقدر نفسه إمكان الاختلاف في قراءته.
وهنا تبدأ المسافة التي أجدني أقف عندها في علاقتي بمشروعك. لا أقول إنك أغلقت باب التأويل، ولا أريد أن أحول ملاحظتي إلى حكم شامل على عملك. إنما كلما عدت إلى مشروعك، ازداد شعوري بأن ما أتاحه لنا من إمكانات لقراءة التراث كان أوسع، في بعض جوانبه، مما أتاحه لنا من إمكانات للاختلاف في قراءته. وكأنك، بعد أن أسهمت في تحرير النص من بعض أشكال الاحتكار، سعيت إلى إدراجه في بناء فكري يحدد موقعه ومعناه ووظيفته ضمن رؤية أشمل.
التراث موضوعا لا عبئا
وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب. فأنت لم تكن جامعا للنصوص ولا محققا لها فحسب، كنت صاحب مشروع، وكان لا بد لهذا المشروع أن ينتقي ويرتب ويصنف، وأن يميز بين ما يراه أساسيا وما يعده ثانويا، وأن يقترح مسارا يتيح لنا فهم التراث وعلاقته بالحداثة. غير أن المشروع الذي يمنح النصوص مواضعها داخل معمار متماسك قد يحد، من حيث لا يقصد، من إمكانات أخرى تتيحها هذه النصوص، ومن قراءات لا تنسجم تماما مع الصورة التي يرسمها ذلك البناء.
لقد كان همك، كما أفهمه، أن تجعل من التراث موضوعا للفكر، لا عبئا موروثا ولا مرجعا يستدعى من غير مساءلة. وكان لا بد لك، من أجل ذلك، من أن تقيم مسافة بيننا وبينه، وأن تعيد ترتيب علاقتنا به على ضوء أسئلة الحاضر. لكنني أتساءل أحيانا: هل كان من الممكن أن نذهب أبعد في هذه المسافة، وأن نترك النصوص تفلت من بعض الأطر التي أدرجت فيها؟ وهل كان في وسعنا أن نقرأ التراث لا بوصفه وحدة ينبغي الكشف عن منطقها، بل بوصفه فضاء متعددا تتجاور فيه مسارات متباينة، وتتنازع داخله إمكانات لا تفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة؟
لا أطرح عليك هذه الأسئلة من خارج مشروعك، ولا أريد أن أضع نفسي في موقع من يكتشف اليوم ما غاب عنك بالأمس. إنني أطرحها من داخله، ومن أثره في، ومن المساحة التي فتحها أمامنا حتى حين لا تقودنا إلى الوجهة التي رسمتها لها.
ولعل الأمر يتصل أيضا بما كنت تسعى إليه من تحديث للعقل العربي، ومن إعادة بناء علاقته بالحداثة. لقد كان من المهم، في نظرك، ألا نتعامل مع الحداثة كما لو أنها شيء وافد ينبغي قبوله أو رفضه جملة، بل أن نعمل على استيعاب شروطها، وأن نعيد التفكير فيها انطلاقا من تاريخنا وأسئلتنا. لم يكن المطلوب مجرد نقل مفاهيم جاهزة، وإنما تهيئة (أو، كما تقول، تبيئة) شروط فكرية تسمح لها بأن تصبح جزءا من عملنا، لا مجرد لغة نستعيرها من غير أن نمتلكها.
ومع ذلك، أليس في هذا المسعى خطر أن تتحول الرغبة في تبيئة المفاهيم إلى رغبة في ضبطها، وأن تصبح إعادة بناء الحداثة على أرضنا سبيلا إلى إخضاعها لوحدة إشكالية نتصور أنها وحدها التي تمنح فكرنا تماسكه؟ أليس في الحداثة نفسها ما يقاوم أن تختزل في مسار واحد، أو أن تقرأ من خلال سؤال مركزي تتفرع عنه سائر الأسئلة؟
وحدة الإشكالية
أعرف أن الفكر لا يستطيع الاستغناء عن الترتيب، وأنه لا يتقدم من دون أن يقترح روابط بين الظواهر، وأن أي مشروع فكري يحتاج إلى قدر من الوحدة حتى لا يتحول إلى تجميع لملاحظات متفرقة. لكن الوحدة شيء، والهيمنة التي قد تمارسها الوحدة على اختلاف مكوناتها شيء آخر. لا ننسى أننا نفكر اليوم بعد نيتشه. فليست كل الفروق تفصيلات يمكن إرجاؤها إلى حين، وليست كل الاختلافات عقبات ينبغي تجاوزها كي نبلغ صورة أكثر اكتمالا. قد تكون بعض هذه الفروق هي التي تسمح للفكر بأن يواصل حركته، وتحول دون أن يستقر في صورة نهائية عن نفسه.
هنا أعود إلى ما أراه أحد مواضع اختلافنا: ميلك إلى الإمساك بوحدة الإشكالية، وإلى البحث عن الخيط الذي يجمع العناصر المتباعدة، في مقابل ما يشغلني من "الشتات" و"اللوينات"، أي تلك الفروق الدقيقة التي لا تبدو، من النظرة الأولى، حاسمة، لكنها قد تغير معنى المسألة كلها. لست أدعو إلى التخلي عن الكليات، ولا إلى الاكتفاء بتفكيك التفاصيل من غير أن نبحث عن صلات بينها. إنما أخشى أن يؤدي الحرص على الكل إلى إسكات ما لا يندرج فيه بسهولة، وأن ينظر إلى ما لا يستجيب لمنطق الوحدة كما لو كان مجرد هامش ثانوي أو بقايا لا تستحق التوقف عندها.
ربما كان هذا الاختلاف بيننا متصلا أيضا باختلاف في علاقتنا بالزمن. فقد كنت، في جانب مهم من مشروعك، مشغولا بضرورة إنجاز تحول فكري له وجهة واضحة، وبأن يكون للفكر أثر في واقع لا ينتظر طويلا. كنت منشغلا بـ"قضايا الساعة". وكان هذا الهاجس يمنح عملك قوة دفع لا تخفى. لكن الاستعجال، حتى حين تكون له مبرراته، قد يجعلنا نمر سريعا على ما لا يستجيب لخط السير الذي اخترناه. وقد تكون بعض اللوينات مما لا يظهر إلا حين نتباطأ، ونكف عن مطالبة كل عنصر بأن يبرر موقعه داخل صورة كلية.
لا أدري إن كنت ستوافقني على هذا التمييز، ولا أزعم أنني أستطيع أن أفصل فيه بين ما كان اختيارا فكريا واعيا لديك وما فرضته عليك شروط المرحلة وأسئلتها. وربما كان إلحاحك على الوحدة نابعا، في جانب منه، من رغبتك في أن يكون للفكر مفعول، وألا يظل أسير التردد أو التشتت. لكنني أتساءل إن كان الحرص على الفاعلية قد جعل بعض الاختلافات تبدو أقل أهمية مما هي عليه، وإن كان السعي إلى إقامة مشروع متماسك قد حجب أحيانا ما يتعذر إدراجه في تماسكه.
ومع ذلك، لا أريد أن أجعل من هذه الملاحظات لائحة اعتراضات على مشروعك. فلو لم يكن لعملك ذلك الأثر الذي أتحدث عنه، لما كان لاختلافنا هذا المعنى. إننا لا نختلف في فراغ، ولا أعود إلى أفكارك لأضعها في مواجهة أفكار أخرى ثم أمضي. إن ما يشغلني فيها هو أنها أتاحت لنا إمكانات لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل، وأنها، في الوقت الذي فتحت فيه أبوابا، جعلتنا نتساءل عن الأبواب التي ظلت مغلقة، وعن المسارات التي لم يأخذها المشروع بما يكفي من الاعتبار.
وربما كان هذا هو معنى "مفعول الجابري" الذي أشرت إليه: ليس ما تركته لنا من أجوبة فحسب، بل ما جعلتنا قادرين على السؤال عنه، ليس ما نجح مشروعك في جمعه، بل ما يسمح لنا اليوم بأن نعيد النظر في حدود هذا الجمع، وليس فقط ما أتاحه لنا من أدوات لقراءة التراث، بل ما يتيحه لنا الآن من إمكان التفكير في شروط القراءة نفسها.
ربما لو أنك تباطأت قليلا عند تلك اللوينات، لما كان لمشروعك ما كان له من أثر، ولما وجدنا اليوم ما نختلف حوله ونتحاور فيه. وربما لو أنك لم تنشغل بإقامة ذلك الصرح الفكري، لما أتيح لنا أن نرى ما قد يحجبه الصرح نفسه من فروق واختلافات. لا أقول هذا لأنتقص من البناء الذي أقمته، بل لأنني أعتقد أن قيمة الفكر لا تكمن في ما ينجزه من تماسك فحسب، وإنما أيضا في ما يتركه مفتوحا، وفي ما يسمح به من مواصلة لا تتوقف عند الحدود التي رسمها لنفسه.
لكنني لا أريد أن أجعل من اختلافنا خاتمة للحوار، ولا أن أتعامل مع ما أفترق فيه عنك كما لو أنه يبطل ما جمعني بك. فما أكتبه إليك اليوم ليس رسالة إلى أستاذ ومفكر راحل فحسب، بل هو أيضا محاولة لاستئناف حديث مع رجل عرفته واقتربت منه، وكان بالنسبة إلي بمثابة الأخ الأكبر. وأعرف أن الكلمات لن تعيد ذلك الحديث، وأنني لن أسمع منك ما كنت أسمعه حين كنا نختلف أو نتناقش. لكن الكتب تتيح لنا، على نحو آخر، أن نواصل الكلام، وأن نعود إلى ما حسبناه محسوما، وأن نكتشف في أفكار من غابوا عنا ما لم نكن قد تنبهنا إليه من قبل.
لهذا أكتب إليك، لا لكي أقول كلمتي الأخيرة فيك، بل لأنني لا أريد للحوار معك أن تكون له كلمة أخيرة. أكتب إليك ومعي ما بقي من الود، وما بقي من الاختلاف، وما يتيحه الاثنان معا من إمكان لمواصلة التفكير. لك مني، يا عزيزي محمد، كل الود، وإن رحلت.






