ما يحدث في بعض المهرجانات والملتقيات الشعرية في المغرب لم يعد مجرد مسألة تتعلق باختيارات المنظمين أو بضيق الوقت وكثرة المشاركين، بل أصبح يطرح سؤالًا جوهريًا عن معنى الثقافة، وعن العدالة في توزيع فرص الظهور، وعن المعايير التي يُختار على أساسها من يمثل الشعر المغربي أمام الجمهور.
كيف يعقل أن تتكرر الوجوه نفسها في المهرجانات والملتقيات، حتى ليخيّل للمتابع أن المغرب لا ينجب شعراء غير أولئك الذين اعتادوا اعتلاء المنصات؟ أليس في هذا البلد شعراء جدد، وأصوات مختلفة، وتجارب تستحق أن تُكتشف، ومنجزات أدبية تنتظر فقط نافذة تعبر منها إلى القارئ؟
هل أصبح الاعتراف بالشاعر امتيازًا تمنحه العلاقات، بدلًا من أن يكون استحقاقًا يصنعه الإبداع؟
المشكلة ليست في استدعاء شاعر سبق أن شارك في تظاهرة ثقافية، ولا في الاحتفاء بتجربة راكمت حضورها؛ فلكل شاعر حقه في التقدير، ولكل تجربة مكانتها التي ينبغي أن تُحترم. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التكرار إلى قاعدة، وتصبح الأسماء المألوفة هي الخيار الدائم، بينما يُترك الآخرون خارج المشهد، لا لضعف منجزهم بالضرورة، بل لأنهم لا ينتمون إلى الدوائر التي تتحكم في فرص الحضور والانتشار.
هنا لا يعود الأمر مجرد اختيار فني، بل يصبح سؤالًا عن تكافؤ الفرص، وعن شفافية المعايير، وعن مسؤولية المؤسسات الثقافية في اكتشاف المواهب الجديدة بدل الاكتفاء بتدوير الأسماء نفسها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة الثقافية ليس غياب الشعراء، بل غياب العدالة في إتاحة الفرصة لهم.
فكم من شاعر يكتب بصمت، ويجتهد بعيدًا عن الأضواء، ويصدر الدواوين، ويطوّر تجربته، ويملك من الحس الشعري واللغة والرؤية ما يستحق الإنصات، لكنه لا يجد منفذًا إلى المهرجانات الكبرى؟ وكم من تجربة أدبية بقيت حبيسة صفحات أصحابها لأن أحدًا لم يمنحها فرصة القراءة أو الحوار أو الحضور؟
إن الشاعر الذي لا يملك شبكة علاقات واسعة، ولا يجيد طرق الأبواب، ولا يشارك في دوائر المجاملة المتبادلة، ليس بالضرورة شاعرًا أقل قيمة. قد يكون أكثر أصالة، وأعمق تجربة، وأشد إخلاصًا للكتابة من كثيرين تتكرر أسماؤهم على المنصات. والإبداع لا يُقاس بعدد الدعوات، ولا بعدد الصور المنشورة، ولا بمقدار التصفيق الذي يحظى به صاحبه.
وإذا كانت بعض التظاهرات تحمل أسماء أكاديمية وثقافية وازنة، فإن مسؤوليتها تصبح أكبر؛ لأن الأكاديمية ليست مجرد لافتة تُعلّق على جدار، ولا عنوانًا يُضاف إلى برنامج احتفالي، بل يفترض أن تكون فضاءً للبحث والتقييم والانفتاح، وأن تتيح المجال للتنوع والاختلاف، وأن تجعل من الكفاءة والإنتاج الأدبي أساسًا للاختيار.
أما أن تظل المنصات تتناوب عليها الوجوه نفسها، عامًا بعد عام، وكأنها ملكية خاصة لا يحق لغير أصحابها الاقتراب منها، فذلك يطرح أسئلة مشروعة لا يجوز إسكاتها بحجة أن الثقافة تجمع ولا تفرّق، أو أن النقد يسيء إلى صورة المشهد الثقافي.
نقد الاختلال ليس إساءة إلى الثقافة، بل دفاع عنها.
ولا أكتب هذا الكلام اعتراضًا على حضور شاعر بعينه، ولا رغبة في انتزاع مكان أحد، بل دفاعًا عن حق كل شاعر في أن تُتاح له فرصة عادلة، وأن يُقيَّم منجزه بمعايير واضحة، لا وفق قربه أو بعده من هذا المسؤول أو ذاك المنظم، ولا وفق علاقات قد تجعل بعض الأسماء حاضرة دائمًا، وأسماء أخرى غائبة مهما اجتهدت وأبدعت.
إننا لا نحتاج إلى مهرجانات تُعيد تقديم المشهد نفسه في كل دورة، بقدر ما نحتاج إلى مهرجانات تكتشف مشاهد جديدة، وتفتح نوافذ لم تُفتح من قبل، وتمنح الشعراء الشباب والمغمورين فرصة الاحتكاك بتجارب مختلفة، وتخلق حوارًا حقيقيًا بين الأجيال. نحتاج إلى لجان اختيار معلنة المعايير، وإلى تداول في الأسماء، وإلى برامج لا تكتفي باسترضاء المألوف، بل تجرؤ على اكتشاف المختلف.
فالثقافة التي لا تجدد دماءها تختنق، والمنصة التي لا تتسع إلا لدائرة محدودة تفقد تدريجيًا معناها ورسالتها. أما الشعر، فليس ملكًا لمؤسسة، ولا حكرًا على جماعة، ولا شهادة تمنحها العلاقات لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء.
وإذا استمررنا على هذا النهج، فقد تمر سنوات طويلة، وربما قرن كامل، ونحن نرى الوجوه نفسها، ونسمع الأسماء نفسها، ونصفق للمشهد نفسه، بينما تظل تجارب شعرية كاملة خارج الضوء.
فمن المسؤول عن هذا الإقصاء، إن ثبت وجوده؟ ومن يراجع معايير الاختيار؟ ومن يمنح الشاعر الذي لا ينتمي إلى أي دائرة مغلقة حقه في أن يُقرأ ويُسمع ويُناقش؟
إن المغرب أكبر من قائمة أسماء تتكرر، والشعر المغربي أوسع من أن تختزله مجموعة من الوجوه، مهما كانت مكانتها أو قيمة تجربتها. ففي هذا البلد أصوات تستحق الاكتشاف، وتجارب تستحق الإنصاف، وطاقات لا ينقصها الإبداع بقدر ما ينقصها من يفتح أمامها الباب.
ولن أقبل أن يُختزل المشهد الشعري المغربي في دائرة ضيقة، أو أن يُفهم الصمت عن هذه الاختلالات بوصفه قبولًا بها. فالثقافة ليست حفلة علاقات عامة، والمهرجانات ليست مكافآت اجتماعية، والمنصات الثقافية ليست إرثًا يتوارثه أصحاب الحظوة.
آن الأوان لأن نسأل بصوت مرتفع: هل نريد مهرجانات تحتفي بالشعر فعلًا، أم مهرجانات تحتفي بالأسماء التي اعتادت أن تحتفي بنفسها؟
إن الوفاء للشعر لا يكون بتكرار الوجوه، بل بإنصاف التجارب. ولا يكون بإغلاق الأبواب أمام الأصوات الجديدة، بل بفتحها على اتساعها. ولا يكون بتحويل الثقافة إلى دائرة مغلقة، بل بإعادتها إلى رسالتها الحقيقية: اكتشاف المبدعين، وتكريم الاستحقاق، ومنح كل صوت جاد فرصة عادلة ليصل إلى الناس.
فالشعر لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يولد، لكنه يحتاج إلى ثقافة عادلة كي لا يُدفن حيًّا في الهامش.






