سياسة واقتصاد

المغرب لا يُستفتى في أرضه: السيادة الوطنية ليست موضوعاً للمساومة

محمد شختون
ليست كل القضايا الوطنية قابلة للاختزال في إجراءات تقنية أو صيغ قانونية معزولة عن سياقاتها التاريخية والسياسية. فهناك قضايا ترتبط بوجود الدولة ووحدتها الترابية وسيادتها الوطنية، ولا يمكن التعامل معها بمنطق المساومة أو باعتبارها موضوعاً مفتوحاً للتنازل تحت ضغط التحولات الدولية أو موازين القوى.


من هذا المنطلق، فإن موقف المغرب من قضية الصحراء ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن الوحدة الترابية ليست امتيازاً سياسياً تمنحه الأطراف الخارجية، ولا قضية يمكن أن يُحسم فيها مصير الأرض بمعزل عن الدولة ومؤسساتها وشعبها. فالمغرب يعتبر الصحراء جزءاً من ترابه الوطني، ويدافع عن هذا الموقف باعتباره قضية سيادة وانتماء ووحدة وطنية.


"المغرب لا يُستفتى في أرضه، ولا تُطرح سيادته على أراضيه موضوعاً للمساومة." وهذه العبارة ليست دعوة إلى إغلاق باب السياسة أو رفض الحلول السلمية، وإنما تعبير عن رفض تحويل مبدأ السيادة الوطنية إلى موضوع للتفاوض المفتوح، أو جعل مستقبل الوحدة الترابية رهيناً بإرادة القوى الدولية وتوازناتها المتغيرة.


إن الاستفتاء، باعتباره آلية سياسية وقانونية، لا يمكن التعامل معه باعتباره حلاً سحرياً يصلح لكل النزاعات، ولا باعتباره إجراءً معزولاً عن طبيعة النزاع وتعقيداته التاريخية والسياسية والقانونية. كما أن الحديث عن تقرير المصير لا ينبغي أن يتحول إلى شعار انتقائي يُستعمل خارج سياقاته القانونية والسياسية، أو إلى وسيلة لفرض نتائج مسبقة على أحد أطراف النزاع.


وفي المقابل، فإن الدفاع عن الموقف المغربي لا ينبغي أن يقوم على الشعارات وحدها، بل يتطلب بناء حجة تاريخية وقانونية وسياسية متماسكة، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتحصين الجبهة الداخلية، وتطوير النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية، بما يجعل الوحدة الوطنية واقعاً ملموساً في الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية.


وهنا تبرز أهمية إدراك حقيقة أساسية: لا يمكن للدولة أن تطالب العالم باحترام سيادتها إذا لم تجعل من قوتها الداخلية ومؤسساتها الديمقراطية وعدالة توزيع الثروة أساساً لهذه السيادة. فالوحدة الترابية ليست فقط مسألة حدود وجغرافيا، بل هي أيضاً مشروع وطني جامع، يتطلب إشراك المواطنين في صناعة القرار، ومحاربة التهميش والفساد، وضمان الحقوق والحريات، وتكريس المساواة بين جميع المغاربة.


ومن جهة أخرى، فإن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بمنطق الصداقة الدائمة والعداء الأبدي، وإنما بالمصالح المتبادلة والقدرة على قراءة التحولات الدولية واستثمار التناقضات بين القوى الكبرى. ولذلك، فإن الرهان على دولة بعينها، مهما بلغت قوة تحالفها مع المغرب، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، قادرة على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لأي محور دولي.


لقد أظهرت التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن أن المواقف الدولية ليست ثابتة، وأن الدول تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية ومصالحها الخاصة. وهذا يفرض على المغرب مواصلة الدفاع عن قضيته الوطنية بأدوات متعددة، دون انفعال أو ارتباك، ودون تحويل الخلافات الدبلوماسية إلى أزمات سياسية مفتوحة مع هذا الطرف أو ذاك.


إننا نؤمن بأن السلام أفضل من الحرب، وأن الحلول السياسية والدبلوماسية تظل الطريق الأجدى لتجنب استنزاف الشعوب وتدمير مقدراتها. لكن رفض الحرب لا يعني التنازل عن الحقوق، كما أن التمسك بالسيادة لا يعني رفض الحوار. فهناك فرق شاسع بين التفاوض من أجل إيجاد تسوية سياسية واقعية، وبين التفاوض حول مبدأ الانتماء والسيادة باعتبارهما موضوعاً للتنازل.


**إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت ولا بقرع طبول الحرب، وإنما بمدى القدرة على حماية المصالح العليا للبلاد، وصيانة وحدة ترابها، وتحصين جبهتها الداخلية، وتجنب المغامرات التي قد تؤدي إلى كلفة بشرية واقتصادية وسياسية باهظة.**


المغرب في حاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بحقوقه، واقتصاد منتج ومستقل بقدر الإمكان، ودبلوماسية يقظة لا تخلط بين التحالف والتبعية، ولا بين الواقعية السياسية والتفريط في الثوابت الوطنية.


فالوحدة الترابية ليست شعاراً موسمياً للاستهلاك السياسي، وليست ورقة انتخابية أو مناسبة لتصفية الحسابات الداخلية. إنها مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب الحكمة واليقظة والتعبئة والوعي بحجم التحديات.


**المغرب مع السلام، مع الحل السياسي الواقعي، مع الحوار المسؤول، لكنه ليس مستعداً للتفريط في وحدته الترابية أو تحويل سيادته الوطنية إلى موضوع للمساومة.


فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بقوة الدولة وعدالة مؤسساتها ووعي شعوبها وحكمة قيادتها.