يستحق كل توجه تشريعي لمكافحة الفساد أن يُناقش من زاويتين متلازمتين: قدرته على حماية المجتمع من استغلال السلطة وتبديد المال العام، وقدرته على حماية الإنسان من التعسف في الاتهام والتحقيق والمحاكمة ؛ فالمحاسبة تستمد مشروعيتها من عدالة إجراءاتها، وتكتسب الضمانات معناها من إتاحتها للجميع. ومن هنا يثير النقاش حول تخصيص مدونة لجرائم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وغسل الأموال سؤالًا يتجاوز شكل النص، أي تصور للمواطنة سينتجه تطبيقه، وأي علاقة سيقيمها بين المسؤولية والنفوذ والحق في الحماية القضائية؟
يقتضي التفكير النقدي التوقعي فحص النتائج التي قد تنشأ عن التشريع، بما فيها النتائج التي لم يقصدها واضعوه. فقد يُعلن النص حماية الحقوق، بينما تؤدي شروط تحريك المتابعة أو الوصول إلى الأدلة أو ممارسة الطعن إلى تفاوت فعلي بين المتقاضين. وقد يتوخى تحسين مكافحة الفساد، ثم ينتج تعقيدًا إجرائيًا يحول المحاسبة إلى احتمال بعيد. لذلك، لا يكفي الاطمئنان إلى النيات؛ بل ينبغي اختبار البناء القانوني في علاقته بمؤسسات إنفاذه، وموارد المتقاضين، وتوزيع القوة داخل المجتمع.
عماد هذا الاختبار هو مبدأ تكافؤ الفرص، وركنه المساواة أمام القانون. وتكافؤ الفرص في مجال العدالة يقتضي تمكين كل شخص من فرصة فعلية لفهم الاتهام الموجه إليه، والاستعانة بدفاع مؤهل، والاطلاع على أدلته ومناقشتها، وتقديم حججه أمام محكمة مستقلة ومحايدة؛ لأن المساواة قد تُعلن في النص وتتعطل في الممارسة، حين يمتلك أحد الأطراف وسائل الدفاع والخبرة والوقت، بينما يعجز آخر عن تحمل كلفة الوصول إلى حقه؛ ولهذا تكون المساعدة القانونية والترجمة وتيسير الولوج إلى القضاء شروطًا لتحقيق المساواة، وتصبح معالجة التفاوت المادي جزءًا من عدالة المسطرة نفسها ؛ وتقتضي المساواة أمام القانون أن يتأسس أي اختلاف في المعاملة الإجرائية على مبرر موضوعي يتصل بطبيعة الأفعال وتعقيد إثباتها، وأن يظل متناسبًا مع غايته وقابلًا للرقابة. فالتحقيق في تدفقات مالية متشابكة قد يحتاج إلى خبرات وآليات تعاون وتتبع مخصوصة. لكن انتقال هذا التخصص إلى حماية مستمدة من صفة المشتبه فيه أو كذا موقعه الاجتماعي يفتح باب الامتياز القضائي ؛ وعندئذ تنشأ مواطنة تراتبية بين مواطن يسهل إخضاعه للإكراه، وآخر تتكاثر الشروط قبل مساءلته؛ مواطن ينتظر ضماناته، وآخر تصبح ضماناته شرطًا سابقًا لإمكان محاسبته.
لذلك ينبغي أن يُطرح سؤال المحاكمة العادلة على المنظومة الجنائية بكاملها ؛ فإذا كشفت مناقشة جرائم الفساد عن قصور في حماية قرينة البراءة، وجب إصلاح هذا القصور حيثما وُجد ؛ وإذا تبين خطر التعسف في استعمال البحث أو المتابعة أو التدابير المقيدة للحقوق، وجب تحصين الجميع منه. إن تحويل نقاش خاص إلى مناسبة لرفع مستوى الضمانات العامة مكسبا محتمعيا ومؤسساتيا ؛ أما حصر الإصلاح في الدائرة التي أثارت الانتباه، فينذر بتجزئة الحماية القانونية بحسب تفاوت القدرة على إسماع الصوت.
ولا تكتمل القراءة النسقية من دون وصل عدالة المحاكمة بعدالة توزيع الفرص في المجتمع ؛ فالفساد يؤثر في الولوج إلى الوظيفة والصفقة والخدمة والثروة، ويمنح بعض الفاعلين قدرة على تحويل القرب من القرار إلى أفضلية غير مستحقة. وحين يُضاف إلى هذه الأفضلية تفاوت في إمكان المساءلة، تتشكل دائرة تعيد إنتاج نفسها: يتيح النفوذ فرصًا أكبر، وتولد الفرص موارد أوسع، وتُستخدم الموارد لتحسين القدرة على الإفلات من تبعات استغلال النفوذ. وتصبح العدالة مطالبة بقطع هذه الدائرة مع صون حقوق كل متهم، لأن إدانة بريء لا تسترد حقًا عامًا، ولأن تعطيل المحاسبة لا يحمي قرينة البراءة.
أما التوجس ممن قد يتولون مستقبلًا إنفاذ القانون ( هذا هاجس فادح يطوق وزير العدل ) ، فينبغي تحويله إلى سؤال مؤسساتي قابل للمعالجة ، أي كيف نحد من السلطة التقديرية غير خاضعة للضبط وغير المنضبطة ؟وكيف نكشف الانتقائية وكيف نعمل على تصحيحها ؟ وكيف نحمي استقلال القاضي ونضمن مساءلة من ينحرف بسلطته؟ إن التشريع الذي يستند إلى الثقة في أشخاص بعينهم يظل هشًا أمام تغيرهم، كما أن التشريع الذي يتوقف على الخوف من خلفائهم يرهن الحقوق لمستقبل مجهول. وتظهر قوة دولة المؤسسات في قدرتها على جعل ممارسة السلطة مقيدة بالقانون، بصرف النظر عن هوية من يمارسها.
وفي هذا الأفق، ينبغي فهم الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء بوصفها بناءً متكاملًا تتفاعل داخله مسؤوليات المؤسسات، وكذا معايير التعيين والتقييم، وحقوق الدفاع، وعلنية الجلسات، وأيضا تعليل الأحكام، وطرق الطعن. فلا تختزل الثقة في العدالة في كل لحظة تعيين المسؤول، بل تتجدد عبر كيفية ممارسته لاختصاصه وإمكان مراجعة قراراته. وكلما أمكن كشف الخطأ وتصحيحه ومساءلة الانحراف، ازدادت قدرة المؤسسة على الاستمرار من دون الارتهان لفضائل أفرادها.
ومن المنظور التوقعي، يجب اختبار أي مسطرة مقترحة بافتراض تطبيقها على أشخاص متفاوتي المكانة والمكان ، وفي ظل تعددية مسؤولين مختلفي التوجه والكفاءة. هل تحمي المتهم محدود الموارد بالقدر نفسه الذي تحمي به صاحب النفوذ؟ هل تتيح متابعة المسؤول القوي متى توافرت الأدلة؟ هل تمنع استعمال الاتهام لتصفية الحسابات؟ وهل تبقى ضماناتها فعالة حين تشتد الضغوط السياسية والإعلامية؟ بهذه الأسئلة ننتقل من وعد العدالة إلى تقدير قدرتها على الصمود.
ولا يُحسم خطر العودة إلى منطق الاستثناء ( الحنين إلى مرحلة حالة الاستثناء الستينية والسبعينية ) بمجرد تسمية المدونة أو استقلالها الشكلي. إنما يُفحص في مضمون الاختصاص والإجراءات: هل تحفظ وحدة المرجعية القضائية؟ هل تكفل الدفاع والطعن؟ هل تُخضع القيود لمراقبة قضائية فعالة ؟ وهل تجعل سبب التخصص طبيعة الجريمة أم منزلة الشخص؟ فذاكرة التجارب الاستثنائية تفيدنا حين تتحول إلى يقظة تجاه الآليات التي قد تعيد إنتاج الامتياز أو الانتقائية تحت أسماء جديدة.
إن الرهان هو بناء عدالة يستطيع المجتمع أن يطمئن إليها من جهتين معًا: ألّا يُدان إنسان بغير دليل كافٍ وإجراءات عادلة، وألّا تتحول المكانة إلى عائق يحول دون البحث في الأدلة والمساءلة عنها. وعلى هذا الأساس يُقاس الإصلاح بأثره في تضييق فجوة الحماية بين المواطنين، وتقوية فرص الدفاع، ورفع فعالية المحاسبة، وإمكان تصحيح الأخطاء ؛ لأن المواطنة المتساوية تبدأ حين يعلم كل فرد أن حقوقه لا تحتاج إلى نفوذ كي تُحترم، وأن مسؤوليته لا تزول بالنفوذ الذي يمتلكه. وحين تصبح المحاكمة العادلة حقًا مشتركًا، والمحاسبة احتمالًا جديًا يسري على الجميع، تتقدم دولة المؤسسات من إعلان المساواة إلى ممارستها .






