منذ عقود، حذّر المفكر المغربي وعالم المستقبليات الراحل الدكتور المهدي المنجرة من التحولات التي يشهدها العالم في ظل العولمة، ومن انعكاساتها على المجتمعات وهوياتها الثقافية، مؤكداً أهمية الثقافة في صون الخصوصية وتعزيز الوعي بالذات.
واليوم، ونحن نعيش في زمن تتدفق فيه الصور والأصوات والمضامين الفنية بلا توقف، يحق لنا أن نتساءل: ماذا نستهلك؟ وكيف يؤثر ما نستهلكه في ذوقنا ووعينا و هويتنا وطريقتنا في رؤية العالم؟
استعارةً من مفهوم Junk Food، أي الطعام الذي يفتقر غالباً إلى القيمة الغذائية المتوازنة، يمكننا استخدام تعبير Junk Arts للتأمل في بعض المنتجات الفنية والثقافية التي تراهن على الاستهلاك السريع والإثارة اللحظية وسهولة التداول، أكثر مما تراهن على العمق أو القيمة الجمالية.
ولا أقصد بذلك أن كل فن جماهيري يفتقر إلى الجودة، أو أن البساطة نقيض الإبداع، أو أن الفن الترفيهي لا يحمل قيمة. فالفن يتسع لمختلف الأذواق والتجارب، وتظل حرية الإبداع والاختيار أساساً من أسسه.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل أصبح الانتشار السريع، في بعض الحالات، أهم من القيمة الفنية نفسها؟
نلاحظ ذلك في بعض الحفلات الموسيقية التي تعتمد على الضجيج البصري والاستعراض المبالغ فيه والإثارة، وفي بعض الإنتاجات السينمائية والمسرحية التي تراهن على الصدمة والإثارة السريعة أكثر مما تمنح النص والشخصيات والتجربة الإنسانية مساحة للتأمل.
كما نراه في بعض محتويات منصات التواصل الاجتماعي التي تُقدَّم باعتبارها فناً أو إبداعاً، بينما يقوم بعضها على المبالغة والاستفزاز وتكرار القوالب الرائجة، في سباق متواصل نحو المشاهدات والتفاعل.
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام عامة على الأعمال الفنية أو أصحابها، بل بمحاولة فهم التحولات التي أصابت علاقتنا بالفن، في زمن أصبحت فيه السوق والإعلانات والخوارزميات عوامل مؤثرة في ما يصل إلينا، وما يتكرر أمام أعيننا، وما يتحول تدريجياً إلى ظاهرة جماهيرية.
فهل نختار فعلاً ما نشاهده ونسمعه، أم أن ما يتكرر أمامنا باستمرار يبدأ، مع الوقت، في تشكيل ذوقنا وتوجيه اهتماماتنا؟
إن القضية ليست في وجود فن تجاري أو جماهيري، فلكل منهما مكانه في المشهد الثقافي، بل في مدى تنوع الخيارات المتاحة أمام الجمهور، وقدرته على التمييز بين العمل الذي يثري تجربته الإنسانية والمحتوى الذي يستهلك انتباهه للحظات ثم يتركه دون أثر يُذكر.
فالفن ليس مطالباً دائماً بتقديم الدروس أو الرسائل المباشرة؛ إنه أيضاً مساحة للمتعة والتخيل والدهشة، ولإعادة اكتشاف الإنسان والعالم. لكن الدفاع عن القيمة الفنية لا يعني فرض ذوق معين على الناس، بل تعزيز حقهم في الاختيار الواعي، وفي الوصول إلى تجارب فنية متنوعة تتيح لهم الاستمتاع والتفكير والنمو و الاكتشاف والإرتقاء.
فهل ما زالت لدينا مساحة كافية للاختيار، أم أن كثافة ما يُعرض علينا أصبحت تؤثر في ما نرغب في مشاهدته؟
هذا هو السؤال الذي أود أن أبدأ به هذه السلسلة، لا لمحاكمة الأذواق، بل لفتح نقاش حول علاقتنا بالفن، وصناعة الذوق، ومسؤوليتنا تجاه ما نستهلكه ثقافياً.
يتبع...
في الحلقة الثانية: حين يصبح الانتشار معياراً للقيمة... من يصنع ذوقنا؟






