رأي

أحمد الدافري: رحم الله ابّا عبد الله بوكريشة

إعلامي

تصور، أن يكون لديك حسابك هنا، أو في أية منصة أخرى من منصات التواصل الاجتماعي، وهو حساب لم يشتره لك أحد بماله كي يقرر لك ما ينبغي أن تنشر فيه من صور ونصوص وفيديوهات. 

 

وتصور أنك تظن أنك في بلد ديمقراطي يطالب فيه الصحافيون بحرية التعبير، وبأن يكون لكل مواطن الحق في أن يقول ويكتب وينشر ما يريد ما دامت الأشياء التي يقولها ويكتبها وينشرها لا تتعارض مع القانون ولا تمس بأخلاق المجتمع ولا تؤذي الناس. 

 

وتصور أنك مثلا مواطن مغربي، أخذك الحماس الوطني، وقمت بنشر في حسابك الخاص الذي لم يشتره لك أحد ولا تتقاضى عنه أجرا من أحد، صورة لك مولدة بالذكاء الاصطناعي، تظهر فيها مرتديا بدلة عسكرية، مزينة بنياشين وأوسمة، وهي صورة أعجبك أن تتخيل نفسك فيها، رغم أنك لست جنديا ولم يسبق لك أن أديت الخدمة العسكرية ولا تعرف استعمال السلاح. 

 

وتصور أنك بعدما نشرت تلك الصورة المتخيلة لك والمولدة بالذكاء الاصطناعي، معتقدا أنك لم تفعل شيئا خارج القانون، ولم ترتكب خطأ ستترتب عنه مشكلة اجتماعية أو أزمة اقتصادية أو بلوكاج سياسي، فإذا بك تجد صحافيا يقوم بإعادة صورتك ساخرا منك ومستهزئا بك ومعتبرا أنك شخص سخيف وأنك تتوهم بأنك شجاع بينما أنت مجرد رعديد جبان، وأنك تتطاول على البدلة العسكرية التي لا تليق بك ولا بمهنتك التي هي مجرد مهنة تافهة مثلك، وأنك بارتدائها تسيء للجنود الحقيقيين المرابطين في الميدان. 

 

ما الذي يمكنك أن تفعله أمام هذا الهجوم الكاسح الذي تعرضت له من صحافي، يرى أن له الحق في أن يسخر منك ويستهزئ بك ويراقبك وينتقدك ويحط من قيمتك ومن قيمة مهنتك، ليس لأن لديه ثأرا شخصيا منك يريد تصفيته، بل لأنه هكذا، أراد أن يهاجمك، ربما فقط لأنه لا يحبك، من شكلك، أو من أسلوبك ونمط عيشك؟

 

الحقيقة أنه لا يمكنك أن تفعل أي شيء. 

 

فكيفما كان الحال أنت لا يمكنك أن تعجب الناس كلهم، ولا يمكنك أن تفرض على الناس أن يقبلوا كيف تريد أن تكون وكيف تفكر وكيف ترى العالم وكيف تعبّر، حتى لو لم تحدث لهم ضررا مباشرا. 

كما لا يمكنك أن تمنعهم من أن ينشغلوا بك وبصورتك وبهيئتك وبشكلك. 

فالصحافة نوعان. 

فيها الصحافي الذي يعتبر فيها نفسه بطلا، مناضلا، عالما، ويصل به وهم العظمة وتضخم الأنا إلى اعتبار أنه هو الأجمل والأكثر علما وثقافة ووعيا ونضالا، وأنه هو النجم الذي لا ينبغي أن ينافسه أحد على إثارة الإعجاب، وجذب القلوب. 

وفيها الصحافي الذي يؤدي وظيفته بهدوء، ويقدم خدمة إعلامية، يطور فيها نفسه ويفيد بها الناس، دون أن يشغل نفسه بمراقبة الناس، لأنه بعلم أنه هو فرد من الناس، وأن الناس إن كانوا يسقطون أحيانا في التفاهة فقط في بعض الأحيان، فهو قد يسقط فيها دوما وفي كل الأحيان. 

 

قصة خارج السياق:

في السبعينيات كان رجل عجوز في مدينة القصر الكبير اسمه عبد الله يبيع البطاطا المسلوقة والببوش، قرب سينما بيريس كًالدوس التي كانت تسميها ساكنة المدينة "سينما السويقة". 

كان الرجل اسمه عبد الله.

 كان أبيض البشرة، سمينا، قصير القامة، يرتدي طاقية، وجلبابا قصيرا بنيا من الصوف، وكان زبائنه الصغار والكبار يلقبونه باسم "ابّا عبد الله بوكريشة". 

 

كان عدد كبير من الأطفال والشباب يجلسون القرفصاء متحلقين حول ابّا عبد الله بوكريشة الذي كان يبدو مثل بطريق جالسا فوق كرسي وراء صناديق خشبية فوقها "الزلايف"، وبجواره مواقد من فحم فوقها طناجر الببوش والبطاطا. 

 

كانت تجارة ابا عبد الله لوكريشة تعرف إقبالا كبيرا.   

 

وكان السبب في الإقبال الكبير على تجارة ابا عبد الله بوكريشة، أنه كان يروج عنه في المدينة بأنه شخص غبي، وأنك يمكنك أن تأكل عنده ما تشاء من ببوش وبطاطا، وحين تنتهي من الأكل، تكذب عليه وتقول له بأنك قد أديت له ثمنها فيصدقك. 

 

هذه الإشاعة جعلته مشهورا وجعلت بطاطسه وحلزونه تحظى بإقبال كبير.

 فالكل كان يظن أنه أذكى من ابّا عبد الله بوكريشة. 

 

لكن الحقيقة أنه كلما كان ينتهي أحد من أكل الببوش والبطاطا المسلوقة المغمسة في الملح والكامون والحرور، كان يجد ابّا عبد الله له بالمرصاد، ولا يغادر المكان إلا بعدما يؤدي ثمن ما أكله كاملا غير منقوص.. 

 

ابّا عبد الله بوكريشة كان يبدو في شكله وهيئته شخصا ساذجا.

 لكنه كان في منتهى الذكاء التجاري.

 

لقد سمح ابّا عبد الله بوكريشة في أول يوم بدأ فيه مشروعه لشخص أن يكذب عليه وأن يأكل دون أن يؤدي الثمن.

 فقام ذاك الشخص بترويج إشاعة في المدينة مفادها أن ابا عبد الله بوكريشة شخص ساذج يمكنك أن تأكل عنده ما تشاء وتدعي أنك أديت الثمن فيصدقك. 

فكان يأتي عند ابا عبد الله بوكريشة الزبناء مساء من كل أنحاء المدينة بكثرة. 

وكان الكل يريد أن يغش ابا عبد الله بوكريشة وأن يكذب عليه. 

لكن لم يكن ابا عبد الله يترك أحدا يغادر قبل أن يؤدي الثمن. 

حدث معي هذا وأنا طفل. 

أديت عشرين فرنكا وأنا حانق. 

 

بعدما أكلت زلافة ببوش صغيرة وبطاطس مسلوقة متوسطة الحجم قلت له : راه خلصتك. 

فقال لي بنبرة صارمة وحاسمة :

واش غاتخلّص أو باغي تمشي تبات را فاين. 

وأشار بيده نحو مقر دائرة الشرطة الذي كان يوجد حينها قبالة الحديقة المقابلة لسينما بيريس كّالدوس. 

فلم يكن لي بد من أن أؤدي الثمن وأنا صاغر. 

 

الذي يعتبر نفسه ذكي، وأنه أذكى من الناس، وأنه من السهل أن يسخر منهم ويستهزى بهم، ربما يحتاج إلى أن يقرأ هذه القصة من زوايا أخرى ربما قد يجد فيه أفكارا أهم، أخرى عجزت عن إيصالها. 

وهذا ما كان.