أتفق اتفاقا مطبقا مع السيد وزير العدل في جوهر المخاوف التي أثارها بشأن ضمانات المحاكمة العادلة عند مناقشة تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح ومحاربة الفساد. فالخشية من المساس بقرينة البراءة، ومن تحويل المتابعة إلى إدانة اجتماعية سابقة عن الحكم، ومن وقوع خطأ قضائي بعد أن يكون الإنسان قد خسر حريته وسمعته واستقراره، خشية مشروعة تستحق أن تؤخذ بأقصى درجات الجدية، والحزم المفترض.
ومن موقعي كمحامية ممارسة، أرى أن هذه الأسئلة تتصل بمعاناة بشرية تضع العدالة أمام تساؤلات بنيوية: كيف نحمي المجتمع من الجريمة ونحمي حقوق وحريات الإنسان، في الوقت نفسه، من التعسف في اتهامه ومتابعته وإدانته؟
لكن اتفاقي مع السيد الوزير في تشخيص خطورة الإشكال يفتح سؤالا محوريا حول مناسبة استحضاره وحدود ترتيب النتائج عليه: لماذا تصبح ضمانات المحاكمة العادلة شرطا يثار بهذه القوة عند الحديث عن جرائم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح؟ وهل نتحدث بالحرقة نفسها عن هذه الضمانات حين يتعلق الأمر بباقي الجرائم وبسائر المتقاضين؟
قرينة البراءة حق لكل إنسان. والحق في الصمت لا تتغير قيمته بتغير التهمة أو المركز الاجتماعي لصاحبها. والدستور المغربي يضمن هذه الحقوق دون أن يربطها بنوع معين من الجرائم أو بفئة مخصوصة من المتابعين.
لهذا، فإن الإشكال في نظري يتعلق بمدى عمومية هذا القلق واتساقه. فالمواطن المتابع في قضية يومية بسيطة يحتاج إلى الضمانات نفسها التي يحتاج إليها صاحب النفوذ المشتبه في تكوينه ثروة بوسائل غير مشروعة. وكلاهما قد يتضرر من التشهير، ومن الاعتقال غير المبرر، ومن اختلال التوازن بين الاتهام والدفاع، ومن قراءة الصمت بوصفه دليلا على الإدانة، والحديث هنا لا يخرج عن سياق طرحه وأسباب إثارته.
فحين يستحضر الخوف من أن يطلب من المتهم إثبات براءته، فإننا نكون أمام سؤال جدي يتعين حسمه في صياغة النص وفي قواعد الإثبات. على جهة الاتهام أن تثبت العناصر المكونة للجريمة وفق القانون، وعلى المشرع أن يحدد هذه العناصر بدقة تمنع الغموض والتوسع والتعسف. كما يجب التمييز بين الالتزامات القانونية المتعلقة بالتصريح بالممتلكات والكشف عن المصالح، وبين تحميل الشخص عبء نفي اتهام جنائي لم تثبت عناصره.
هذه مسؤولية تشريعية تقتضي نصا محكما وواضحا. وهي، في الوقت نفسه، سبب إضافي للإسراع في إنجاز عمل تشريعي جاد، تتكامل فيه فعالية مكافحة الفساد مع صيانة الحقوق.
وما يستوقفني أكثر أن وزارة العدل نفسها قدمت إصلاح قانون المسطرة الجنائية باعتباره تعزيزا لحقوق الدفاع ولقرينة البراءة، وتكريسا لعدم اعتبار الصمت اعترافا ضمنيا. ومن هنا، يصبح السؤال مطروحا بإلحاح : أين تظهر حدود هذه الضمانات في التطبيق؟ وما الذي يحتاج إلى استدراك تشريعي أو مؤسساتي حتى تصبح الحماية المفروضة حماية فعلية ومطبقة؟
إذا كانت هذه الضمانات ما تزال مهددة، فإن الأمر يستدعي مراجعة شاملة لطريقة اشتغال العدالة الجنائية. أما استحضار هشاشتها عند مناقشة جرائم بعينها، فيترك انطباعا بوجود تفاوت في الحساسية تجاه حقوق المتهمين، وهو انطباع يحتاج الخطاب العمومي إلى تبديده بالفعل.
ويحق لنا أن نسائل السيد الوزير: هل نحن أمام وعي متأخر باختلالات المحاكمة العادلة؟ أم أمام تناقض بين الاطمئنان إلى الإصلاح الإجرائي عند تقديمه، والخشية من قصوره عند التفكير في تجريم يمس دوائر المال والنفوذ؟ وكيف يمكن تحويل هذا القلق إلى برنامج إصلاح يحمي الجميع؟
لا أجزم بنوايا أحد. لكن إثارة هذه المخاوف في هذا السياق تحديدا قد توحي بأن الضمانات تستنفر قوتها وتضيع ملامحها حين تقترب المساءلة من بعض «السنابل الفارغات رؤوسهن» التي نمت في بيئة النفوذ وتداخل المصالح.
وهنا يجدر بنا القول، ويستقيم معه الجهر بمطلب ينشد الأمن القانوني والقضائي، ويسير في منحى يشد الحزم نحو إخراج مقتضيات واضحة وفعالة لتجريم الإثراء غير المشروع وضبط تضارب المصالح، بما يسد منافذ الإفلات من العقاب ويحمي المال العام ونزاهة القرار العمومي. وعلى هذه المقتضيات أن تحدد الأفعال المجرمة، والأشخاص المشمولين بها، وقواعد الإثبات، والجزاءات المتناسبة، على نحو يتيح المحاسبة ويمنع تصفية الحسابات.
فحرية المبادرة قيمة نتمسك بها، وصناعة الثروة بالعمل والاستثمار والابتكار حق يستحق الحماية. ومواجهة الثراء المتحصل من استغلال السلطة والنفوذ والمواقع تخدم هذه الحرية نفسها، لأن المنافسة تفقد معناها حين تتحول السلطة أو الوظيفة أو المسؤولية إلى امتياز خاص يدار بما يدر الأرباح.
إن تضارب المصالح، حين يترك دون ضبط، يضعف الثقة في القرار العمومي. والإثراء غير المشروع، حين يفلت من المساءلة، يرسل إلى المجتمع رسالة مؤذية مفادها أن القرب من السلطة قد يكون أجدى من الكفاءة والعمل. ومن واجب التشريع أن يقطع مع هذه الرسالة وأن يحمي شروط إنتاج الثروة بنزاهة.
وفي المقابل، يظل التحذير من الضرر السابق على الحكم في محله. فقد يستعيد الإنسان حريته بعد البراءة، دون أن يستعيد سنواته أو مهنته أو علاقاته أو سمعته. والتعويض المالي، مهما بلغت قيمته، قد يعجز عن جبر بعض هذه الخسائر، بل إنه بالفعل، ومهما كان مبلغه لن يجدي ولن ينفع في شراء عمر اهتلك بين ردهات المحاكم، وسمعة بددت في محاولات إقناع الغير ببراءة قتلت قرينة افتراضها منذ بدء الاتهام. لذلك يجب أن ينطلق هاجس منع الضرر منذ البحث والمتابعة، عبر احترام حقوق الدفاع، وضبط اللجوء إلى التدابير السالبة للحرية، وحماية سرية الإجراءات في حدود القانون، والتصدي للتشهير والإدانة المسبقة.
كما أن استقلال السلطة القضائية يرتب مسؤولية مؤسساتية كبيرة في حماية الحقوق. وتفعيل التفتيش والرقابة والمساءلة، كل في نطاق اختصاصه وباحترام استقلال القرار القضائي وطرق الطعن فيه، ضرورة لبناء الثقة. وكل إخلال ثابت بالواجب، أو محاباة، أو تدخل غير مشروع، يجب أن تترتب عليه المسؤولية وفق مساطر عادلة وواضحة.
ومن موقع الممارسة، أقول إن ضمانات المحاكمة العادلة تواجه اليوم سؤالا وجوديا: ما قيمتها إن بقيت في النص وتعثر أثرها في حياة المتقاضين؟ وما معنى الاطمئنان إلى العدالة إذا كان المواطن يخشى أن تتحول مساطر حمايته إلى مصدر ضرر يصعب إصلاحه؟
إن تراجع الثقة في العدالة خطر على وطننا، وعلى استقراره، وعلى شعور أبنائه بالمساواة والانتماء. وهذه الثقة تبنى حين يرى المواطن أن حقوقه مصونة، وأن النفوذ لا يحصن أصحابه من المساءلة، وأن الاتهام يحتاج إلى دليل، وأن البراءة تحترم، وأن الخطأ يحاسب ويصحح.
لهذا أتفق مع السيد وزير العدل في خطورة الأسئلة التي طرحها، وأطالبه بأن يمنحها معناها ومداها الكاملان: ضمانات فعلية في جميع القضايا، وتشريع حازم ودقيق لمواجهة الفساد، وإصلاح متزامن للنصوص والممارسات التي قد تنتج الظلم.
فالقلق على المحاكمة العادلة يجب أن يتحول إلى التزام دائم يحمي كل متقاضٍ. والإرادة في محاربة الفساد يجب أن تتحول إلى قانون واضح ومؤسسات قادرة على تطبيقه بنزاهة، وأشخاص مؤهلين لإنفاذ القانون بحياد ومسؤولية. بذلك وحده نصون الحرية، ونمنع الإفلات من العقاب، ونعطي دولة الحق والقانون معناها في الواقع.
أما، أن نرى ضمانات محاكمة عادلة تسائل وجودها في الواقع، ومعايير لا تعرف لنفسها ثباتا، وتسير وفق مبيان يحتكم لحجم المشتكي ومكانة المتهم، وقانون ينتظر وجود شرط لينعتق، فهذا أمر يدمي قلوبنا ويخيف عزائمنا، وينذر بالعبث فيما لا يجوز به العبث.






