فن وإعلام

نحو روحانية نقدية (6) العقل كوازع أخلاقي

سعيد ناشيد (كاتب)

يظنّ بعضهم أنّ العقل عاجزٌ عن أن يكون وازعًا أخلاقيًا، وأنّ الوازع الوحيد الذي يكفّ يد الإنسان عن الشرّ هو الخوف من العقاب. غير أنّ الواقع يشهد بخلاف ذلك؛ إذ لم يثبت قطّ أنّ التشدّد في العقوبات يحدّ من الجرائم، ولا حتى الترهيب الأخروي يضمن ذلك، بل كثيرًا ما كانت النتائج عكسية. وفي المقابل، لا أحد يقتل لأنّه يفكّر ويتساءل ويشكّ ويراجع قناعاته باستمرار، بل لا يبرر القاتل جريمته إلا بيقين لا يقبل الشك. ويؤكّد التاريخ أنّ أسوأ الفظاعات اقترفها أصحاب اليقينيات الراسخة لا أصحاب الأسئلة المفتوحة. فالقاتل شخصٌ لم تعد لديه أسئلة.

أمّا العقل النقدي فوازعٌ من نوع آخر: إنه لا يُفرض من فوق بل ينبع من الأعماق، ولا يغيب بغياب الرقيب بل يرافق صاحبه دومًا، يحميه من فخاخ الجشع والإغراء والغضب التي كثيرًا ما تجرّ الإنسان إلى أسوأ العواقب. فمن تعوّد أن يسأل نفسه: «وماذا لو كنتُ مخطئًا؟» لا يَرجم لمجرّد أنّ الناس يرجمون، ولا يحقد لمجرّد أنّ الناس يحقدون؛ ومن اعتاد أن يقلّب الرأي على وجوهه يستعصي تجنيده في حملات الكراهية؛ ومن تعلّم أن يشكّ في يقينه لا يجرؤ على إدانة الآخرين باسم ذلك اليقين.

ثمّ إنّ الوازع القائم على الخوف يسقط في حالتين: حين يغيب الرقيب، وحين يُقنعنا أحدهم بأنّ الرقيب صار إلى جانبنا، أو قد يتساهل في هذا الباب. وفي الحالة الثانية لا يسقط الوازع فحسب، بل يصير مسوّغًا لاقتراف الشر. أمّا الوازع الذي يقوم على الحسّ النقدي فلا يسقط في الحالتين؛ لأنّ رقيبه يسكن فينا، فنحاسب أنفسنا ولو لم يرنا أحد.

ذلك أن الوازع الأخلاقي في الروحانية النقدية ليس سلطة فوق الإنسان، بل هو الحسّ النقدي نفسه: استعدادٌ يولد معه، ثم تتكفّل ظروف التنشئة بتنميته أو الإجهاز عليه. وهو بهذا المعنى ليس قلبًا يرتجف خوفًا من العقاب، بل ضميرٌ يقظ يسائل نفسه قبل أن يسائل الآخرين، ويشكّ في يقينه قبل أن يحكم به على أحد.