فن وإعلام

سردية الرواية وجماليتها

سعيد يقطين (كاتب و ناقد أدبي)

 السرديات في الحقبة البنيوية. وحين حددت الموضوع التي تشتغل به في: «السردية» ( Narrativité ) باعتبارها الخاصية المميزة للخطاب السردي عن غيره من الخطابات، كانت في ذلك تحتذي الشكلانيين الروس عندما انطلقوا، وهم يجددون البويطيقا، من تحديد موضوعها في «الأدبية»، أي مجموع السمات المميزة للخطاب الأدبي عن غيره من الخطابات. اكتسبت السردية دلالتين مختلفتين حسب علمي السرد (السرديات، والسيمائيات السردية). فأولهما ربطها بالدال، أو الخطاب، وجعلها متصلة بشكل الخطاب، وطريقة تنظيم السرد من خلال السؤال: كيف يُقدَّم الخطاب سرديا؟ أما السيميائيات فقد اشتغلت بها منظورا إليها من جهة المدلول، أو المادة الحكائية. وتعاملت معها باعتبارها البنية العميقة لإنتاج المعنى، من خلال السؤال: كيف ينتج المعنى؟

عندما حدَّدتِ السردياتُ السرديةَ في كيفية تنظيم الخطاب السردي كانت محكومة بالسياق السردي والروائي الذي برزت فيه. فالدراسات البنيوية للغة في أوجها، والرواية الفرنسية الجديدة تحتل موقعا متميزا في الإبداع الروائي تنظيرا وكتابة. لقد بدأت الرواية الجديدة توظف تقنيات جديدة في الإبداع السردي، متخذة موقفا صارما ضد الرواية الكلاسيكية، خاصة ما اتصل منها بموقع الراوي من القصة التي كان يتدخل في ثناياها موجها المتلقي، من جهة، أو بتجاوز البناء الخطي للزمن من خلال استعمال المفارقات الزمنية، من جهة ثانية. وعدم الارتكاز على مادة حكائية، من جهة ثالثة. ساهمت هذه التقنيات في تغيير مجرى الرواية ليس فقط في فرنسا، ولكن أيضا في العالم، وبدا ذلك واضحا في الرواية العربية التي عملت على تجديد تقنياتها تحت ما صار يسمى بالتجريب.


تفاعل النقد الروائي العربي منذ الثمانينيات مع ما تحقق في الدراسات السردية الفرنسية، خاصة السرديات، تماما كما تفاعل الروائي العربي مع الرواية الجديدة، عبر توظيفه تقنيات جديدة لم تكن متداولة في الرواية الواقعية التي كانت مهيمنة في الخمسينيات والستينيات. وقد وقفت على مجمل هذه التقنيات في كتابي «القراءة والتجربة» الخاص بالرواية المغربية (1985)، وعمقتها في دراسة الرواية العربية في كتاب «تحليل الخطاب الروائي» (1989)، بالانطلاق من الزمن، والصيغة والرؤية السردية. وهي المكونات الرئيسية التي وقفت عليها السرديات، باعتبارها تمثيلا لمكونات الجملة في اللغة، من جهة، ومن جهة أخرى بصفتها موئل ما استحدثه الروائيون الجديد.

لم يكن هدف النقد الروائي العربي الانطلاق من «السردية» باعتبارها خاصية مميزة للشكل الروائي، ولكنه تعامل مع ما اقتضته في السرديات (تودوروف، جينيت) بصورة خاصة، وما حددته من مكونات تتبدى من خلالها تقنيات جديدة في الكتابة. وكان التصور السائد هو الدفاع عن الكتابة الروائية العربية الجديدة، ومواجهة الرواية الواقعية، من خلال الإعلاء من شأن التجريب، أو ما سماه الخراط «الحساسية الجديدة»، التي توظف هذه التقنيات الجديدة في الكتابة الروائية العربية. ولما بدأ الناقد العربي يلتفت إلى السرد العربي القديم تحت تأثير البنيوية، والسرديات، والسيميائيات السردية، عمل على تطبيق تلك التقنيات في الكشف عن كيفية توظيف الزمن، والوقوف على أنواع الرواة، وما شابه هذا من القضايا، وقد أدمجت معها تصورات باختينية حول التعدد اللغوي، والأسلبة، والحوارية، والسخرية. هذا إلى جانب الالتفات إلى الأبعاد العجائبية والفانتاستيكية، وغيرها.

لا شك في أن هذه التقنيات التي تتبعها النقد الروائي وعمل على استكشافها والوقوف عليها من خلال ما تقدمه له النصوص الروائية، لعبت دورا في بروز لغة نقدية عربية جديدة وواقع أدبي جديد. لكن سرعان ما أدى هذا الواقع إلى اعتبار تحليل التقنيات غير ذي قيمة مع النقد الثقافي الذي رأى أن قيمة العمل الأدبي ليست في شكله، وإنما فيما يقدمه من رؤيات حول موضوعات تمس الإنسان في حياته مثل السلطة، والهوية، والجندر وغيرها.


عندما شددت على أن السرديات قد حددت «السردية» في الغرب في ضوء اتصالها بالبنيوية والرواية الجديدة، كنت أقصد بذلك أن الجديد الذي تحقق مع الرواية هو تقنية الكتابة. وكان من اللازم العمل على استكشاف ما تتميز به هذه التقنيات، بالنظر إليها في ذاتها، وهي تسعى لتقديم تجربة كتابية جديدة، تتأسس على موقف من المادة الحكائية، من جهة، وعلى تكريس قواعد جديدة في تنظيم الخطاب السردي، اعتبرت مركز الاشتغال على «السردية». ورغم اهتمام بعض السرديين (ميك بال، وشلوميت كينان) بالمادة الحكائية، فإنهم لم يربطوها بالسردية، أو اعتبرت متصلة بها.

حاولت الاشتغال على القصة (المادة الحكائية) في قال الراوي (1997) بالطريقة عينها التي عملت بها على تحديد مكونات الخطاب الروائي، وكان الهدف هو استكشاف خصوصية بنيات المادة الحكائية في علاقتها بالخطاب، إيمانا مني بأن العلاقة بين القصة والخطاب، بالإضافة إلى النص، كما اشتغلت به في انفتاح النص الروائي (1989) هو ما يسهم في تأكيد خصوصية العمل السردي. فما هي خصوصية أي عمل فني؟ أو سردي كيفما كان نوعه؟

لم ينشغل نقدنا الروائي، ولا دراساتنا الأدبية بهذا النوع من الأسئلة، وكأن الأجوبة عنها بديهية ومعروفة لدى الجميع، ولا يفيدنا في شيء إعادة طرحها. ولعل في انتقال نقدنا العربي من الاستفادة من البنيوية وهي تعلي من قدر الشكل، إلى النقد الثقافي الذي يهتم بالمضمون يفرض علينا إعادة طرح هذه الأسئلة البديهية. ومن بين ما يبدو لنا من أسئلة ذات طبيعة تركيبية: هل يمكننا الحديث عن مضمون من دون شكل؟ أو شكل بلا مضمون؟ وهل كان اهتمامنا بأحد طرفي الثنائية الأزلية في أي حقبة مخلا برؤية شاملة للإبداع؟ أم أن الظروف تفرض علينا في كل حقبة إيلاء الاهتمام بأحدهما، دون الآخر، استجابة لما يمليه علينا الواقع؟


أعترف بأنني منذ بداية اهتمامي بالأدب والفن، إبان مراهقتي كنت أومن بأن العمل الأدبي الجدير بهذه الصفة هو ما يتحقق فيه بعده الجمالي. وجمالية الأدب لا تقتصر على شكله دون مضمونه، أو على مضمون بلا شكل. وكل النصوص المغربية والعربية التي اشتغلت بها منذ 1985، إلى الآن، وإن كان تركيزي ينصب على ما فيها من تقنيات جديدة، كان ينطلق من جماليتها الإبداعية التي تتحقق فيها. ولكن قيود استكشاف سرديتها كان يحول بيني وبين توسيع ثقافتي بخصوص «جمالية السرد» التي أراها توسيعا لتلك السردية وهي تتحقق في القصة، والخطاب، والنص، وليس بصفتها تنبني على تقنيات كتابية، ولكن باعتبارها تمثيلا وموضوعا لقيم فنية جمالية وأخلاقية في آن. إن توسيع «السردية» إلى «الجمالية السردية» مبحث جدير برؤية جديدة إلى الجمال في زمن يسيطر فيه القبح والتفاهة.