وأنا أتابع النقاش الذي أثارته تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام البرلمان، يوم 2 نونبر 2026، لم يستوقفني دفاعه عن قرينة البراءة، فهذه ضمانة دستورية لا يمكن لأي حقوقي أن يعترض عليها. ما استوقفني حقاً هو الطريقة التي جرى بها ربط هذا المبدأ بالنقاش حول الإثراء غير المشروع، ثم الاستناد إلى أن دولتين فقط تعتمدان تجريم هذه الممارسة، بحسب ما ذكره الوزير. وهنا أعتقد أن المسألة تحتاج إلى شيء من التوضيح، لأننا أمام موضوعين مختلفين لا ينبغي الخلط بينهما.
قرينة البراءة هي بالفعل العمود الفقري للمحاكمة العادلة، ولا يجوز أن يدان إنسان لمجرد الشبهة أو بسبب ثروته أو موقعه الاجتماعي. لا أحد يطالب بمحاكمة المسؤولين لمجرد أنهم يملكون أموالاً، ولا أحد يدعو إلى إدانة شخص قبل إثبات الأفعال المنسوبة إليه. لكن هل مراقبة الثروة تعني إدانة صاحبها؟ وهل التحقق من التصريح بالممتلكات يمثل حكماً مسبقاً؟ وهل مطالبة المؤسسات المختصة بالقيام بواجبها الرقابي تتعارض مع المحاكمة العادلة؟ هنا يكمن جوهر النقاش.
هناك فرق واضح بين أن تراقب الدولة ثروة مسؤول عمومي وفق القانون، وأن تتهمه بجريمة، ثم أن تدينه المحكمة. الرقابة ليست إدانة، والتحقق ليس حكماً قضائياً، وطلب التوضيحات لا يعني أن صاحبه أصبح متهماً. بل إن هذه الإجراءات، متى تمت في إطار القانون واحترام الحقوق، هي جزء من الوقاية من الفساد وحماية المال العام. فقرينة البراءة تحمي الإنسان من الإدانة دون دليل، لكنها لا تمنع المؤسسات من البحث والتحقق وممارسة اختصاصاتها القانونية.
أما القول إن دولتين فقط تعتمدان تجريم الإثراء غير المشروع، فحتى لو أخذنا بهذا الرقم كما ورد في تصريح الوزير، فإنه لا يكفي وحده للحسم في جدوى هذا الخيار التشريعي. فهل نتحدث عن الدول التي تجرم الإثراء غير المشروع كجريمة مستقلة، أم عن الدول التي تملك منظومة لمراقبة ثروات المسؤولين والتحقق من تصريحاتهم ومساءلتهم عند وجود مخالفات؟ هناك فرق بين الأمرين. فعدم وجود جريمة مستقلة بهذا الاسم في قانون دولة ما لا يعني أنها لا تراقب ثروات مسؤوليها، ولا يعني أنها تترك التصريحات بالممتلكات دون تدقيق.
المقارنة القانونية لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الدول التي اختارت تجريماً معيناً، بل يجب أن تشمل المنظومة التي تعتمدها كل دولة لمكافحة الفساد. فقد تختار دولة تجريم الإثراء غير المشروع بصورة مستقلة، بينما تعتمد أخرى آليات رقابية وقواعد قانونية مختلفة، لكنها تظل قادرة على التحقق من التصريحات وإحالة المخالفات إلى القضاء. والسؤال الذي يهمنا في المغرب هو: هل نملك منظومة رقابية فعالة، أم أننا نكتفي بالتصريح بالممتلكات دون أن نعرف مدى جدية مراقبتها؟
لنأخذ فرنسا مثالا. فهي تعتمد الهيئة العليا للشفافية في الحياة العامة، التي تتولى مراقبة تصريحات الممتلكات والمصالح والتحقق من دقتها واكتمالها، ويمكنها إحالة الملفات إلى القضاء عندما تظهر عناصر تستدعي ذلك. ومن الأمثلة المعروفة قضية الوزير الفرنسي السابق ألان غريزي، الذي لم يدرج في تصريحه حساباً استثمارياً من نوع PEA بلغت قيمته 171 ألف يورو. وبعد مراجعة المعطيات وطلب توضيحات منه، اعتبرت الهيئة أن التصريح لم يكن كاملاً، وأن الوقائع قد تكشف عن شبهة إساءة الأمانة، فأحالت الملف إلى النيابة العامة. ولا أورد هذه الواقعة للخلط بينها وبين جريمة الإثراء غير المشروع، بل لأبين أن وجود هيئة رقابية تتحقق من التصريحات لا يعني التخلي عن قرينة البراءة، بل يعني أن الرقابة يمكن أن تؤدي دورها، ثم يظل القضاء صاحب الكلمة الفصل.
وإذا عدنا إلى دستور المملكة، سنجد أن قرينة البراءة ليست المبدأ الدستوري الوحيد الذي ينبغي استحضاره في هذا النقاش. فالفصل 23 يضمن قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، ويؤكد الفصل 119 أن كل مشتبه فيه أو متهم يظل بريئاً إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به. لكن الدستور نفسه يتحدث في الفصل 36 عن معاقبة المخالفات ذات الطابع المالي والوقاية من أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والمؤسسات العمومية وباستعمال الأموال الموضوعة تحت تصرفها.
كما أن الفصل 154 يربط تدبير المرافق العمومية بالشفافية والمحاسبة والمسؤولية، والفصل 155 يؤكد مبادئ النزاهة والشفافية والمصلحة العامة، فيما يخضع الفصل 156 المرافق العمومية للمراقبة والتقييم ويلزمها بتقديم الحساب. أما الفصل 158، فيفرض على كل شخص منتخب أو معين يتولى مسؤولية عمومية التصريح بممتلكاته وأصوله، مباشرة أو غير مباشرة، عند تسلمه مهامه وخلال ممارستها وعند انتهائها. ويؤكد الفصل 159 استقلال هيئات الحكامة الجيدة.
وأتوقف هنا عند الفصل 158 تحديدا، لأنه يطرح سؤالا لا أعتقد أنه يمكن تجاوزه: ما الغاية من إلزام المسؤول بالتصريح بممتلكاته إذا لم تكن هناك مراقبة جدية لمضمون التصريح؟ وما فائدة التصريح عند بداية المسؤولية ونهايتها إذا لم تتم مقارنة المعطيات والتحقق من التغيرات الجوهرية التي قد تطرأ على الثروة؟ هل نريد من هذه التصريحات أن تكون مجرد وثائق تودع في الملفات الإدارية، أم نريدها أن تؤدي دورها الحقيقي في الوقاية من الفساد وحماية المال العام؟
ثم إن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المعروفة باتفاقية ميريدا، تناولت الإثراء غير المشروع في مادتها العشرين، ودعت الدول الأطراف إلى النظر في اعتماد تدابير تشريعية لتجريم الزيادة الكبيرة في أصول الموظف العمومي التي لا يستطيع تبريرها بصورة معقولة مقارنة بدخله المشروع، مع مراعاة الدستور والمبادئ الأساسية للنظام القانوني لكل دولة. وهذا لا يعني أن الاتفاقية تفرض صيغة واحدة على الجميع، لكنه يعني أن الموضوع حاضر في المرجعية الدولية لمكافحة الفساد، وأنه يستحق نقاشاً تشريعياً جدياً، لا أن يُختزل في عدد الدول التي اعتمدته.
ولست أدعو إلى سن قانون متسرع، أو إلى جعل كل زيادة في ثروة مسؤول موضع اتهام. المطلوب هو قانون واضح يحدد الأشخاص المعنيين، ومعايير الزيادة الجوهرية، والفترة التي تشملها المقارنة، والجهات المخولة بالتحري والإحالة، مع ضمان حقوق الدفاع والطعن واحترام الحياة الخاصة. كما يجب ألا يتحول عدم تقديم تفسير أولي، بمفرده، إلى دليل تلقائي على الإدانة؛ إذ تظل جهة الاتهام ملزمة بإثبات عناصر الجريمة وفق القانون، ويظل القضاء مستقلاً في تقدير الأدلة وإصدار الأحكام.
ومن الإنصاف أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار إعلان الوزير عن التوجه نحو إعداد نصوص تتعلق بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وغسل الأموال. وهذه فرصة ينبغي أن تتحول إلى نقاش تشريعي حقيقي، يشارك فيه المختصون والحقوقيون والبرلمانيون ومكونات المجتمع المدني، حتى تأتي النصوص متوازنة: تحارب الفساد من جهة، وتحمي الحقوق والحريات من جهة أخرى.
ما أريد التأكيد عليه ببساطة هو أن الدفاع عن قرينة البراءة لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش يصرف الانتباه عن فعالية الرقابة على الثروة. كما أن المطالبة بمكافحة الإثراء غير المشروع لا تعني المطالبة بإدانة الناس دون أدلة. نحن أمام ضمانتين يجب أن تحترمهما الدولة معاً: حق الإنسان في محاكمة عادلة، وحق المجتمع في مؤسسات نزيهة تخضع للمراقبة والمحاسبة.
لا أكتب هذا دفاعاً عن تجريم بلا ضمانات، ولا اتهاماً لأي مسؤول، وإنما انطلاقاً من قناعة حقوقية مفادها أن المسؤولية العمومية لا ينبغي أن تكون بعيدة عن المساءلة، وأن التصريح بالممتلكات لا قيمة حقيقية له إذا لم تصاحبه مراقبة فعالة. ومن حق المواطن أن يسأل عن ذلك، ومن واجب المؤسسات أن تقدم جواباً واضحاً.
فالدستور الذي يحمي الإنسان من الإدانة دون دليل هو نفسه الذي يطالب بالشفافية والنزاهة وتقديم الحساب. ولا يستقيم أن نستحضر بعض فصوله ونغفل الأخرى.
قرينة البراءة تحمي الإنسان من الإدانة دون دليل، لكنها لا تمنع الدولة من البحث عن الحقيقة، ولا تحمي الثروة من الرقابة والمساءلة.






