لا تبدأ الحرب بالضرورة لحظة اندلاع المواجهات العسكرية، بل قد تسبقها سنوات من التوتر السياسي والمناوشات الحدودية والتصعيد الإعلامي، يتشكل خلالها تصور جماعي لاحتمال الحرب، ويصبح هذا الاحتمال جزءاً من المخيال السياسي للدول والمجتمعات وتوقعاتها للمستقبل. وفي ظل النزاع المستمر حول الصحراء والتوتر بين المغرب والجزائر، يطرح احتمال التصعيد العسكري سؤالاً يتجاوز جاهزية القوات المسلحة إلى استعداد المجتمع المغربي نفسه: هل يمتلك المغرب مقومات ثقافية ومؤسساتية تسمح له بمواجهة أزمة عسكرية إقليمية؟ وهو سؤال نطرحه على أنفسنا، لكن ينبغي لخصوم المغرب أيضاً أن يطرحوه على أنفسهم، وأن يتأملوا مدى جاهزية مجتمعاتهم لتحمل أعباء مواجهة عسكرية محتملة وتداعياتها. وكيف يمكن تحويل احتمال الحرب إلى مخيال سياسي يوجه بناء المناعة المجتمعية قبل وقوع المواجهة؟
لا يمكن اختزال الاستعداد للحرب في اقتناء الطائرات المقاتلة المتطورة والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع والصواريخ والأسلحة عالية التقنية. فهذه التجهيزات، مهما بلغت قدرتها التدميرية ودقتها، لا تكفي وحدها لضمان قدرة الدولة والمجتمع على تحمل مواجهة عسكرية ممتدة. إذ تحتاج الحرب، إلى جانب الجاهزية العسكرية، إلى قاعدة اجتماعية ومؤسساتية قادرة على مواجهة الخسائر والاضطرابات الاقتصادية، والضغوط النفسية، والحرب الدعائية والمعلوماتية. وهنا تبرز أهمية بناء مخيال سياسي للحرب يهيئ المجتمع لفهم احتمالات المواجهة وتكاليفها، ويؤسس لثقافة الصمود والتكافل وتقاسم الأعباء، بما يحافظ على تماسك المجتمع واستمرارية مؤسساته إذا طال أمد النزاع. فالتكنولوجيا العسكرية قد تحدد جانباً من موازين القوة في ساحة المعركة، لكنها لا تختزل قدرة المجتمع على الاستمرار في مواجهة آثار الحرب.
لا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها حدثاً تدميرياً فحسب، فقد كانت تاريخياً إحدى وسائل تغيير موازين القوة وإعادة ترتيب العلاقات بين الدول، وأفضت بعض الحروب إلى مفاوضات وتسويات لم تكن ممكنة قبلها. ويقدم وليام زارتمان، من خلال مفهوم "الاستعصاء المؤلم للطرفين"، تفسيراً للظروف التي تصبح فيها النزاعات أكثر قابلية للتسوية، عندما يدرك أطرافها أن استمرار المواجهة أصبح مكلِّفاً وأن التفاوض قد يشكل مخرجاً من الانسداد. غير أن الحرب قد تعمق النزاع أيضاً، ولا تضمن نتائجها الوصول إلى تسوية. ومن هنا تنبع أهمية التفكير في الاستعداد لها بوصفها احتمالاً سياسياً، لا حدثاً حتمياً.
ومن منظور ثقافي، لا يُختزل مخيال الحرب في الخوف من المواجهة أو التعبئة لها، بل يشير إلى منظومة من التمثلات والرموز والسرديات والتوقعات التي تشكل إدراك المجتمع للحرب وتحدد ما ينتظره أفراده من بعضهم بعضاً ومن مؤسسات الدولة في ظروفها. ويمكن الاستفادة هنا من تصور كورنيليوس كاستورياديس للمخيال الاجتماعي، الذي لا يقتصر على إنتاج الصور الذهنية، بل يسهم في تشكيل المعاني والمؤسسات والممارسات الجماعية. فمخيال الحرب لا يصبح قوة اجتماعية بمجرد الحديث عن احتمال المواجهة، وإنما عندما يتحول إلى استعدادات ثقافية وسلوكية ومؤسساتية راسخة. وتقتضي هذه المقاربة التمييز بين مخيال الحرب باعتباره تصوراً جماعياً للمواجهة المحتملة، وثقافة الاستعداد التي تحول هذا التصور إلى ممارسات، والمناعة المجتمعية التي تتجسد في قدرة السكان والمؤسسات على امتصاص الصدمات والمحافظة على استمرارية الحياة. ويمكن تحديد أربعة أسس مترابطة لبناء هذه المناعة في الحالة المغربية.
البنية التحتية والاقتصاد القائم على الحماية الاجتماعية: الأساس المادي والمؤسساتي للصمود
اعتاد المغاربة النظر إلى الطرق والمستشفيات وشبكات الماء والكهرباء والاتصالات باعتبارها مؤشرات للتنمية وفك العزلة وجذب الاستثمار. غير أن احتمال أزمة عسكرية إقليمية يمنح هذه المنشآت وظيفة إضافية تتعلق بضمان استمرار الحياة الجماعية في الظروف الاستثنائية. فالطريق الذي يربط قرية معزولة بمركز صحي، والمستشفى القادر على استقبال أعداد كبيرة من المصابين، وشبكة الاتصالات التي تستمر في العمل أثناء الطوارئ، تشكل جميعها موارد للمناعة المجتمعية. وقد كشف زلزال الحوز سنة 2023 عن أهمية هذا البعد المادي. فرغم التعبئة التضامنية الواسعة، واجهت عمليات الإغاثة صعوبات مرتبطة بالتضاريس الجبلية وتضرر الطرق وصعوبة الوصول إلى بعض الدواوير. وأظهرت التجربة أن التضامن، مهما بلغت قوته، يظل محدود الأثر إذا لم تتوافر البنيات التي تسمح بتحويله إلى تدخل فعلي. ومن هذا المنظور، يمكن إعادة قراءة التنمية المجالية في المغرب باعتبارها جزءاً من الاستعداد للأزمات. فالمناطق الصحراوية والحدودية والجبلية تحتاج، مثل غيرها، إلى تجهيزات قادرة على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية عند اضطراب حركة النقل أو التموين أو الاتصالات. ولا يعني ذلك إخضاع التنمية لمنطق الحرب، بل إدراك أن البنية التحتية التي تخدم المواطن في زمن السلم هي نفسها التي تساعد على حمايته في زمن الأزمة.
غير أن البنية التحتية الضرورية لمواجهة الحرب لا تقتصر على الطرق والمستشفيات وشبكات الماء والكهرباء، بل تشمل أيضاً منشآت الحماية المدنية المصممة لحماية السكان من القصف الجوي والصاروخي. وهنا يبرز سؤال يتعلق بمدى جاهزية المدن المغربية من حيث توافر الملاجئ المحصنة والملاجئ الأرضية وتحت الأرض، وأنظمة الإنذار المبكر، وفضاءات الإيواء الآمن، وخطط الإخلاء عند الطوارئ. ففي بلدان مثل إسرائيل وفنلندا وسويسرا، تشكل الملاجئ المدنية جزءاً من منظومات الاستعداد للمخاطر العسكرية، بينما لا تبدو في المغرب شبكة مماثلة من الملاجئ العامة واسعة الانتشار، على الأقل في البنية الحضرية المكتظة مثل الدار البيضاء. فإلى أين سيلجأ السكان إذا تعرضت مدينة مغربية للقصف؟ وهل يعرف المواطنون أقرب أماكن الاحتماء والإجراءات التي ينبغي اتباعها؟ إن هذه الأسئلة تكشف أن بناء مخيال الحرب لا يقتصر على الاستعداد النفسي أو التعبئة الوطنية، بل يقتضي ترجمة احتمال المواجهة إلى تجهيزات وقائية وخطط مؤسساتية ملموسة لحماية المدنيين.
ولا تقوم المناعة المجتمعية على التجهيزات المادية وحدها، وإنما تحتاج إلى نظام اقتصادي واجتماعي قادر على حماية السكان من آثار الصدمات. وهنا تكتسب الإصلاحات المنشودة المرتبطة بالدولة الاجتماعية في المغرب دلالة تتجاوز أهدافها المباشرة في محاربة الفقر وتوسيع الاستفادة من الخدمات. فالتغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر ومساعدة الأسر الهشة والأرامل وبرامج السكن يمكن أن تشكل شبكة للحماية في حالة اضطراب اقتصادي ناجم عن أزمة إقليمية. وقد تؤدي المواجهات العسكرية، حتى عندما تظل محدودة جغرافياً، إلى ارتفاع الأسعار وتعطل بعض الأنشطة الاقتصادية واضطراب سلاسل التموين وفقدان الأسر لمصادر دخلها. ولا يعني ذلك أن المغرب شرع في بناء الدولة الاجتماعية استعداداً للحرب، وإنما أن السياسات الاجتماعية التي تحمي المواطنين في الظروف العادية قد تتحول إلى موارد استراتيجية للصمود في الظروف الاستثنائية. وهكذا تصبح العدالة الاجتماعية والأمن الغذائي واستمرارية الخدمات جزءاً من قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، لأن المناعة المجتمعية لا تتحقق إذا تحملت الفئات الهشة وحدها تكاليف المواجهة.
الذاكرة والسرديات الثقافية: كيف يتخيل المغاربة الحرب؟
لا يتشكل مخيال الحرب من تصورات المستقبل وحدها، بل يستمد مقوماته أيضاً من الذاكرة التاريخية وما تختزنه من تجارب الصراع والمقاومة والتضحية. وفي الحالة المغربية، تحتل ذاكرة مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني مكانة مركزية في المخيال الوطني، بما تحمله من سرديات البطولة والتعبئة الجماعية، من معارك الريف والأطلس إلى نضال الحركة الوطنية وجيش التحرير. وتمتد هذه الذاكرة إلى تجارب الصراع العسكري بعد الاستقلال، ولا سيما حرب الرمال سنة 1963 وحرب الصحراء منذ سبعينيات القرن الماضي، وما ارتبط بهما من تجارب الجنود وأسرهم وسكان المناطق الحدودية. غير أن هذه الأحداث لا تُستحضر بالطريقة نفسها؛ إذ تتعايش ذاكرة رسمية تتجسد في الخطابات الوطنية والاحتفالات والكتب المدرسية، مع ذاكرة اجتماعية معيشة تنتقل عبر الشهادات، وتجارب الفقد، والغياب، والأَسْر. ولا تقتصر أهمية هذا الرصيد التاريخي على استحضار أحداث الماضي وبطولاته، بل تكمن أيضاً في قدرته على إنتاج معانٍ ثقافية حول الصمود والتكافل والانتماء والمسؤولية الجماعية، يمكن إعادة توظيفها في تشكيل تصورات المجتمع للمواجهة العسكرية المحتملة. فالمخيال السياسي للحرب لا يستعيد الأحداث التاريخية كما وقعت بالضرورة، وإنما يعيد تأويلها من خلال حاجات المجتمع وتصوراته للمستقبل.
ويؤدي مخيال الحرب وظيفة أيديولوجية لا تقل أهمية عن وظيفته التعبوية، إذ يسهم في إنتاج المعاني التي تبرر القتال وتمنحه المشروعية السياسية والأخلاقية في نظر المجتمع. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في حالة المواجهة المحتملة بين المغرب والجزائر، حيث لا يمكن بناء صورة الخصم على أساس الاختلاف الديني أو الحضاري، لأن الطرفين ينتميان إلى المجال الإسلامي نفسه، وتجمع بين شعبيهما روابط تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة. وهنا يبرز التحدي المتعلق بكيفية تمثيل المواجهة باعتبارها نزاعاً سياسياً حول السيادة والمصالح والأمن، لا حرباً بين هويتين دينيتين متعارضتين. فالمخيال السياسي للحرب يعيد رسم الحدود الرمزية بين "نحن" و"هم"، ويحدد ما يُنظر إليه بوصفه دفاعاً مشروعاً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة لشيطنة الخصم، إذا لم يميز بين الدولة وسياساتها والمواطنين الذين ينتمون إليها. ومن ثم، فإن مشروعية الدفاع عن الوطن لا تستلزم تحويل الشعب الآخر إلى عدو ثقافي أو ديني، بل تستدعي تأطير الصراع ضمن حدود سياسية وأخلاقية واضحة.
وإلى جانب الذاكرة الحربية، يمتلك المغرب رصيداً ثقافياً من قيم التعاون والتكافل، يتجلى في تقاليد "التويزة"، أي الحرث الجماعي للأرض، والتضامن بين الأسر والجيران. وقد ظهرت قدرة المجتمع على التوحد الوجداني بصورة لافتة خلال مأساة الطفل ريان سنة 2022، حين تحولت محنة طفل سقط في بئر بضواحي شفشاون إلى قضية تابعها المغاربة، وأصبحت عملية إنقاذه تجربة انتظار وتعاطف جماعي تجاوزت الانتماءات المحلية. أما زلزال الحوز، فقد أظهر مستوى آخر من التعبئة، حين انتقل التعاطف إلى الفعل عبر التبرع بالدم وجمع المساعدات ونقل المواد الغذائية والتطوع في المناطق المنكوبة. وإذا كانت مأساة ريان قد كشفت قدرة المغاربة على التوحد الوجداني، فإن زلزال الحوز أبرز قدرتهم على التعبئة العملية. لكن الانتقال من هاتين التجربتين إلى مخيال الحرب يقتضي تحويلهما من ذكريات استثنائية إلى سرديات ثقافية مستمرة عن الاستعداد والمسؤولية الجماعية. ويمكن للسينما والمسرح والبرامج التلفزيونية والكتب المدرسية أن توسع تمثيل البطولة ليشمل الطبيب والمنقذ والمتطوع والمهندس والمعلم، إلى جانب الجندي، بوصفهم جميعاً فاعلين في حماية المجتمع والمحافظة على استمرارية الحياة. فالثقافة لا تكتفي بتسجيل التجارب، وإنما تمنحها معاني قابلة للانتقال بين الأجيال، وتحدد من خلالها ما يعتبره المجتمع سلوكاً مسؤولاً أو تضحية أو بطولة في زمن الأزمات.
من التضامن العفوي إلى هابيتوس الاستعداد
لا يكتمل مخيال الحرب بإنتاج السرديات، بل يحتاج إلى أن يتحول إلى سلوك اجتماعي مكتسب. وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم "الهابيتوس" عند بيير بورديو، الذي يحيل إلى منظومة من الاستعدادات والعادات الراسخة التي يكتسبها الأفراد عبر التنشئة والممارسة. فالمجتمع المستعد للأزمات ليس بالضرورة المجتمع الذي يكثر فيه الحديث عن الحرب، وإنما المجتمع الذي يعرف أفراده كيف يتصرفون عندما تتعطل الحياة العادية. ويتجسد ذلك في القدرة على تقديم الإسعافات الأولية، ومساعدة المسنين والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، والمشاركة في عمليات الإخلاء، والتعاون مع فرق الإنقاذ، والمحافظة على الهدوء أثناء الطوارئ. ويمكن للمدرسة المغربية أن تؤدي دوراً محورياً في تحويل هذه المهارات إلى عادات، من خلال تدريبات دورية على مواجهة الأزمات، بينما تستطيع الجامعات والجمعيات ودور الشباب والأندية الرياضية أن تجعل التطوع والتعاون جزءاً من الممارسة المدنية المنتظمة. وهنا لا يعود الإيثار مجرد قيمة أخلاقية تتردد في الخطب والنصوص التربوية، بل يصبح كفاءة اجتماعية يتعلمها الفرد ويمارسها.
غير أن الاستعداد السلوكي يحتاج أيضاً إلى الثقة المؤسساتية. فالتضامن الذي يظهر في مواجهة كارثة مفاجئة قد لا يكون كافياً أثناء أزمة ممتدة تتطلب توزيع الموارد واتخاذ قرارات صعبة والمحافظة على الخدمات الأساسية. ولذلك ترتبط المناعة المجتمعية بإحساس المواطنين بعدالة توزيع الأعباء، ومصداقية المؤسسات، وقدرتها على التنسيق والاستجابة. ويطرح بناء مخيال الحرب في المغرب إشكالية أخرى تتعلق بالانقسامات الطبقية والاجتماعية، إذ لا يكفي استدعاء مفهوم الوطن لتعبئة مجتمع تتفاوت داخله فرص الاستفادة من الثروة والسلطة. فكيف يمكن إقناع الفئات الشعبية بأن تضحياتها ستكون دفاعاً عن وطن مشترك، لا عن مصالح الفئات الميسورة وأصحاب النفوذ؟ إن المخيال الوطني القادر على التعبئة هو الذي يعيد تمثيل الوطن بوصفه ملكاً جماعياً يتساوى المواطنون في الانتماء إليه وفي الحقوق والواجبات المترتبة عليه، بحيث تتراجع الفوارق الطبقية أمام الشعور بالمصير المشترك. غير أن هذه الوحدة المتخيلة لا يمكن أن تقوم على الخطاب الوطني وحده، بل تحتاج إلى عدالة ملموسة في توزيع أعباء الأزمات وتضحياتها، حتى لا تتحول الوطنية إلى واجب تتحمله الفئات الفقيرة بينما تحتفظ الفئات المحظوظة بامتيازاتها.
ولا ينبغي افتراض أن المغاربة يتصورون الحرب بالطريقة نفسها؛ فقد تختلف التوقعات باختلاف الأجيال والجهات والخبرات الاجتماعية. فالأسر التي عاشت تجارب الحرب أو تقيم بالقرب من المناطق الحدودية قد تحمل تصورات مختلفة عن تلك السائدة في المدن البعيدة عن مجال النزاع. ومن ثم، فإن بناء المناعة المجتمعية لا يقتضي إلغاء الاختلاف، وإنما تطوير القدرة على التعاون رغم تنوع التجارب والمواقف.
الحرب الإعلامية والمعلوماتية
لا تقتصر المواجهات العسكرية المعاصرة على ميادين القتال، بل ترافقها حرب موازية تدور في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تصبح المعلومات والصور والروايات أدوات للتأثير في إدراك المجتمعات للأحداث. وفي حالة اندلاع مواجهة عسكرية بين المغرب والجزائر على خلفية النزاع حول الصحراء، لن يكون المواطن المغربي مجرد متلقٍ للأخبار، بل سيجد نفسه داخل فضاء معلوماتي تتنافس فيه الروايات الرسمية والإعلامية والدعائية، وقد تختلط فيه الوقائع المؤكدة بالأخبار المفبركة والتأويلات الموجهة. وتزداد أهمية هذا البعد في ظل الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لصورة قديمة أن تقدم باعتبارها توثيقاً لمعركة جديدة، أو لمقطع فيديو من نزاع آخر أن يُنسب إلى الصحراء، أو لخبر غير مؤكد عن خسائر عسكرية أن ينتشر خلال دقائق ويؤثر في المزاج الجماعي. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت إمكانية إنتاج تسجيلات صوتية وصور ومقاطع فيديو مضللة أكثر تعقيداً، مما يجعل التحقق من المعلومات تحدياً ثقافياً ومؤسساتياً. ومن منظور تحليل الخطاب، لا تقوم الدعاية على اختلاق الأخبار وحده، بل تعتمد أيضاً على انتقاء الوقائع، وتأطير الأحداث، وتكرار الرسائل، وتوظيف اللغة العاطفية، وصناعة صور الانتصار والهزيمة. وقد يتحول حادث محدود إلى عنوان يوحي بانهيار شامل، أو تُستخدم صورة معزولة لإنتاج انطباع عام لا تسنده المعطيات المتاحة. وهنا لا تكون المعركة حول صحة الخبر فحسب، وإنما حول المعاني التي تُمنح للأحداث وكيفية استقبال الجمهور لها.
وفي السياق الاجتماعي المغربي، يطرح هذا الاحتمال سؤالاً يتعلق بمدى قدرة المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات العمومية على بناء ثقافة للتحقق من الأخبار ومقاومة التضليل. فالمناعة المعلوماتية لا تُكتسب أثناء الأزمة وحدها، بل تحتاج إلى تنشئة سابقة تجعل المواطن قادراً على التمييز بين الخبر والتعليق، وبين الواقعة والتأويل، وبين المصدر الموثوق والحساب الذي ينتحل صفة مؤسسة إعلامية أو رسمية. كما تتطلب هذه المناعة تواصلاً مؤسساتياً سريعاً ودقيقاً وشفافاً، لأن غياب المعلومات الموثوقة يترك فراغاً قد تملؤه الإشاعات. ولا ينبغي أن تعني مواجهة الدعاية المضادة مطالبة المواطنين بتصديق كل خطاب رسمي دون تمحيص، بل بناء علاقة ثقة تقوم على المصداقية وإمكانية التحقق وتصحيح الأخطاء. وهكذا تصبح مقاومة التضليل سلوكاً اجتماعياً مكتسباً، شأنها شأن الإسعافات الأولية والتطوع والتعاون أثناء الطوارئ. فالمناعة المعرفية لا تقل أهمية عن المناعة المادية والاجتماعية، لأن الحرب قد تؤثر في تماسك المجتمع عبر المعلومات المضللة بقدر ما تؤثر فيه عبر الاضطرابات الاقتصادية والمادية.
من مخيال الحرب إلى المناعة المجتمعية
إن احتمال المواجهة العسكرية المرتبطة بالنزاع حول الصحراء يطرح على المغرب أسئلة تتجاوز موازين القوة العسكرية إلى طبيعة المجتمع وقدرته على تحمل الصدمات. فالحرب، إذا وقعت، لا تختبر جاهزية الجيش وحده، وإنما تختبر كذلك كفاءة المستشفيات، وجاهزية أجهزة الوقاية المدنية، ولا سيما فرق الإطفاء والإنقاذ والإسعاف وشبكات النقل والتموين، ومتانة الحماية الاجتماعية، ومصداقية الإعلام، وقدرة المواطنين على التعاون والتصرف المسؤول. ومن هذا المنظور، لا يُبنى مخيال الحرب بإشاعة الخوف أو العداء، بل بتحويل احتمال الأزمة إلى إطار ثقافي لإعادة التفكير في شروط الصمود الجماعي. فالبنية التحتية والاقتصاد القائم على الحماية الاجتماعية، يوفران الأساس المادي والاجتماعي للاستمرار، والذاكرة والسرديات الثقافية تنتجان معاني التضامن والمسؤولية، بينما يحول السلوك الاجتماعي هذه المعاني إلى استعدادات عملية راسخة، وتحمي المناعة المعلوماتية قدرة المجتمع على فهم الأحداث ومقاومة التضليل.
لا تُصنع قدرة الأمم على الصمود في ساحات القتال وحدها، بل تُبنى قبلها، حين تتحول الوطنية من خطاب إلى مسؤولية مشتركة، والتضامن من عاطفة عابرة إلى ثقافة راسخة، والاستعداد من احتمال في المخيال إلى مؤسسات تحمي المجتمع وتصون استمراره. فالحرب تختبر قوة الجيوش، لكنها تختبر أيضاً صلابة الحاضنة المجتمعية التي تسندها.






