كثر الحديث هذه الأيام عن الدخول الثقافي بالمغرب استنادا إلى أنشطة ثقافية أقيمت بمدينة الدار البيضاء خاصة. فهل يمكن الحديث عن دخول ثقافي بالمغرب بكل مل تحمله الكلمة من معنى؟ يتكرر طرح هذا السؤال في هذه المرحلة من كل سنة، قياساً على الدخول المدرسي أو الجامعي أو السياسي…الخ
هل لدينا دخول ثقافي بالمغرب؟
على الرغم من كون هذا السؤال قد يبدو في ظاهره سؤالا استفهاميا يتطلب إجابة بالنفي أو الإثبات، فإنه في باطنه سؤالا إنكاريا، ينفي وجود هذا الدخول الثقافي بالمغرب. إذ نكاد نجد نوعا من الإجماع بين أغلب معظم الفاعلين في الحقل الثقافي المغربي على أنه لا وجود لمثل هذا الدخول في حياتنا الثقافية المغربية. وقد تم ربط ذلك بالدرجة الأولى بضعف أداء المؤسسة الثقافية القائمة على الشأن الثقافي المغربي، بسبب غياب استراتيجيات شاملة تستوعب عمليات التخطيط والدعم والمواكبة. كما يعود هذا الغياب إلى هيمنة واقع لا ثقافي. تتجلى أبرز مظاهره في انقراض المكتبات وقاعات السينما ودور العرض الفني، التي أخذت تخلي مكانها على طول الشوارع الرئيسية لأغلب المدن المغربية، لمحلات المأكولات السريعة. لتصبح المسألة الثقافية غير ذات أولوية في حياة المواطن المغربي اليومي. مما ساهم في تهميش المثقفين والكُتّاب وتراجع أدوارهم الحيوية المنوطة بهم لتمثيل القضايا الأساسية التي تتعلق بقيم المجتمع وهواجسه وتطلعاته، كما انحسر بشكل بارز انخراطهم العضوي المأمول القيام به من أجل التوعية والتثقيف والتنوير والدعوة إلى التغيير على مستوى الوعي. لهذا، فإذا ما جرى الحديث عن دخول ثقافي معين من قبل البعض، فلا يعدو أن يكون الأمر مجرد لقاء ثقافي نسيط، لا يترك أثراً ذا جدوى. في حين يحتاج كل دخول ثقافي مغربي إلى مشروع ثقافي (حضاري)، يعكس عناصر قوة الثقافة المغربية وحركيّتها في عالم متحول.
من أجل دخول ثقافي حقيقي
لا تؤشر عبارة الدخول الثقافي على واقع ما يجري بالمغرب على المستوى الثقافي. لكونها عبارة دخيلة وغريبة عن التقاليد الثقافية المغربية، ومستجلبة من فضاءات أخرى، خاصة من فرنسا وألمانيا للتعبير عن حالة نحن أبعد ما نكون بإزائها. وبالتالي فالذين يستخدمونها، فقياسا إلى هذه الفضاءات وليس تعبيرا عن واقع حال الشأن الثقافي بالمغرب. لذلك، فكل حديث عن دخول ثقافي بالمغرب، هو حديث عبثي إلى حد ما، لاعتبارين أساسيين. يتجلى الإعتبار الأول في كوننا لا نتوفر على تقاليد ثقافية تلتقي فيها دور النشر بالكتاب وبالقراء في موسم يحتفل فيه بالشأن الثقافي. فكل شروط إقامة المناسبات متاحة بالمغرب إلا المناسبة الثقافية. إذ نجد مهرجانات للعيطة وأخرى للتبوريدة، ووللفنون الشعبية، ومواسم للأولياء والصلحاء، وملتقيات في هذا المجال أو ذاك، ولا نجد بالمقابل مثيلا لذلك على مستوى الثقافة باستثناء بعض الأنشطة المحدودة التي تقوم بها بعض الجمعيات هنا وهناك. أما الاعتبار الثاني، فيتجلى في كوننا مجتمعا غير قارئ. إذ لا يمكن الحديث عن دخول ثقافي بالمغرب في غياب القارئ. بمعنى غياب ذلك العنصر الذي يدعم من خلال اقتنائه المنتوج الثقافي (الكتاب). فهل يمكن اعتبار بعض مناسبات توقيع الكتب بهذه المكتبة أو تلك، وهذه المدينة أو تلك، دخولا ثقافيا؟ هل يجب انتظار حفل توزيع بعض الجوائز (على قلتها)، لنقول بأن الدخول الثقافي قد بدأ؟ أسئلة تقود إلى أسئلة أخرى، من غير أن تجد أجوبة لها، في غياب حركية ودينامية ثقافية فعالة. في الحاجة إلى دينامية ثقافية من أجل دخول ثقافي
لا أحد ينكر أننا نفتقر إلى حركية ودينامية ثقافية، والأكثر من ذلك نفتقر إلى مأسسة الشأن الثقافي، وإلى وزارة ثقافة مغربية قوية. لأن بؤس الثقافة بالمغرب متأتي في جزء كبير منه من وزارة الثقافة. لكون هذه الأخيرة لم تراهن على الثقافة وعلى المدرسة وعلى التعليم، بقدر ما راهنت على مجالات تافهة تدر بعض المال، لكنها لا تخلق القيمة المضافة على المدى المتوسط والبعيد. كما زاد من ذلك، ضآلة ما يخصص للبحث العلمي وما يقدم للثقافة الجادة. مما جعل المنظومة الثقافية المغربية مختلة، ولا سبيل للخروج من هذه الحالة، إلا بإصلاح المنظومة في شموليتها وليس فقط بإصلاح كل مكون من مكوناتها، فالثقافة كل لا يتجزأ.






