سياسة واقتصاد

من طاولات المفاوضات الأممية اللامتناهية إلى صناعة الواقع على الأرض

محمد.المنصوري (مستشار برلماني سابق)

أولا: المنعطفات التاريخية وانسداد الأفق الأممي (1975 - 2007)


عقب تنظيم المسيرة الخضراء عام 1975 وإنهاء الاستعمار الإسباني، دخلت المنطقة في تجاذبات مسلحة وسياسية قادتها جبهة البوليساريو بدعم لوجستي ودبلوماسي مطلق من الجزائر.

• مأزق الاستفتاء (1991 - 2000): رعت الأمم المتحدة اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 لتنظيم استفتاء لتقرير المصير. غير أن هذه الآلية اصطدمت بـ جدار مستحيل الاختراق بسبب الخلاف الجذري حول تحديد الهوية وإحصاء القبائل المؤهلة للتصويت. وهو ما دفع مبعوثي الأمم المتحدة (وعلى رأسهم جيمس بيكر) إلى الإقرار الرسمي باستحالة تطبيق الاستفتاء مطلع الألفية.

• البحث عن خيار ثالث: أمام الشلل الأممي، طالب مجلس الأمن الأطراف بالخروج من جمود "الربح أو الخسارة المطلقة" ونحت حل سياسي واقعي ومستدام.

• مبادرة الحكم الذاتي (2007): استجابةً لهذه الضغوط، قدم المغرب "المبادرة المغربية لمنح حكم ذاتي لجهة الصحراء". واعتُبر المقترح تنازلاً تاريخياً ذكياً؛ فهو يضمن السيادة المغربية غير القابلة للنقاش، وفي المقابل يمنح الساكنة المحلية صلاحيات تشريعية، تنفيذية، وقضائية واسعة لإدارة شؤونهم بأنفسهم.


ثانياً: راديكالية المواقف وردود الفعل الدبلوماسية الجزائرية الحالية


أمام الاختراقات الدبلوماسية الكبيرة التي حققتها الرباط، تعيش الدبلوماسية الجزائرية في الآونة الأخيرة حالة من التشنج والارتباك الواضح، حيث اتخذت ردود أفعالها طابعاً راديكالياً لحماية أطروحتها التقليدية المتآكلة:

• عزلة "الفيتو" والانسحاب الدبلوماسي: رداً على الاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء، لجأت الجزائر العاصمة إلى إجراءات تصعيدية حادة؛ شملت سحب سفرائها وخفض التمثيل الدبلوماسي مع عواصم كبرى مثل مدريد وباريس عقب تبنيهما الصريح لمبادرة الحكم الذاتي.

• الهروب من "الموائد المستديرة": تصر الجزائر على رفض العودة إلى صيغة "الموائد المستديرة" التي أقرتها قرارات مجلس الأمن، محاولةً التنصل من دورها كطرف رئيسي ومباشر في النزاع، ومكتفيةً بالتمسك بـ "الجمود القانوني" ومقاطعة المبادرات الأممية الواقعية، مما يضعها في صدام صامت مع التوجه العام للمجتمع الدولي.

• التأثير الجيوسياسي المحتدم: يعكس هذا التصلب الجزائري تخوفاً بنيوياً من تكريس الريادة الإقليمية للمغرب في شمال إفريقيا والمنطقة الأطلسية، مما جعل صانع القرار الجزائري يسخر ترسانته الدبلوماسية والاقتصادية لإبطاء هذا التحول، دون القدرة على وقف وتيرته المتسارعة على الأرض.


ثالثاً: هل يتراجع المغرب عن الحكم الذاتي لصالح "الجهات واسعة الاختصاصات"؟


للإجابة عن هذا الطرح، يجب تفكيك الاستراتيجية المغربية إلى مسارين: مسار دبلوماسي خارجي، ومسار سيادي تنفيذي على الأرض.


1. المسار الدبلوماسي: الحكم الذاتي سقف لا يمكن النزول تحته


من الناحية الدبلوماسية، لا يمكن للمغرب التراجع عن مقترح الحكم الذاتي أو استبداله؛ لأنه يمثل الحجة القانونية والسياسية التي بنى عليها نجاحاته الأخيرة. التراجع عنه قد يُفسر دولياً كعلامة ارتباك، في وقت حصدت فيه المملكة اعترافات تاريخية حاسمة بمغربية الصحراء وبواقعية الحكم الذاتي (أبرزها الاعتراف الأمريكي عام 2020، والتحول الاستراتيجي لإسبانيا عام 2022، ثم الاعتراف الفرنسي الصريح والكامل بالسيادة المغربية في صيف 2024). وبالتالي، يظل الحكم الذاتي هو الحد الأقصى للتفاوض الدولي والغطاء الشرعي لسيادة المملكة.


2. المسار الواقعي: "الجهوية المتقدمة" كأمر واقع مفروض


المغرب لم يربط وتيرة تنميته بموافقة الأطراف الأخرى، بل دشّن منذ عام 2015 تنفيذاً أحادياً لنموذج "الجهوية المتقدمة" في الأقاليم الجنوبية (خاصة جهتي العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب). هذا النموذج هو تجسيد فعلي لـ "جهات بواسع الاختصاصات" عبر محاور أساسية:

• شرعية ديمقراطية محلية: يتم انتخاب رؤساء الجهات والمجالس المحلية بصورة مباشرة من الساكنة، وهم من يديرون الشأن المحلي حالياً (مثل حمدي ولد الرشيد والخطاط ينجا)، مما يسحب بساط "تمثيلية الصحراويين" من جبهة البوليساريو.

• النموذج التنموي الضخم: رصد المغرب ميزانيات تتجاوز 8 مليارات دولار للأقاليم الجنوبية، تجسدت في مشاريع عملاقة غيّرت وجه المنطقة (مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الطريق السريع تيزنيت-الداخلة، ومحطات تحلية المياه والطاقات المتجددة).


3. الرؤية المستقبلية: من الجهوية إلى الحكم الذاتي السلس


إن "الجهوية المتقدمة" المطبقة حالياً في الصحراء تمثل التدريب العملي والتمهيد البنيوي للحكم الذاتي. في حال التوصل إلى أي تسوية دولية نهائية، لن يحتاج المغرب إلى بناء مؤسسات من الصفر؛ بل سيتم ببساطة "ترقية" هذه الجهات ذات الاختصاصات الواسعة لتصبح هي ذاتها كيان "الحكم الذاتي" تحت السيادة المغربية.


خلاصة التحليل


لقد غيّر المغرب قواعد اللعبة بنقله المعركة من طاولات المفاوضات الأممية اللامتناهية إلى صناعة الواقع على الأرض. المملكة لن تتراجع عن الحكم الذاتي كإطار قانوني دولي حسمت به الدعم العسكري والسياسي من القوى العظمى، لكنها تجاوزت في نفس الوقت عقبة "الفيتو" الجزائري؛ عبر خلق جهات قوية، متطورة، وواسعة الصلاحيات تدير نفسها بنفسها، مرسخةً حقيقة واحدة: "الملف حُسم ديمقراطياً وتنموياً على الأرض، وما يروجح في ردهات الأمم المتحدة ليس إلا بحثاً عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الخصوم"