تحليل

الشيفرة_الملكية: الذكاء الإستراتيجي.. التوقيت/العفو الملكي بين الشدة والمصالحة (الجزء الثاني)

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

تتميز التجربة السياسية المغربية بخصوصية جعلت من المؤسسة الملكية أكثر من مجرد سلطة حاكمة..إذ تحولت إلى إطار ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر آليات تجمع بين الحزم والانفتاح..ومن أبرز هذه الآليات "العفو الملكي"..الذي لا يفهم باعتباره تدبيرا قانونيا محضا فقط..و لكنه خيار سياسي له أبعاد تتجاوز منطق إنهاء العقوبة إلى ترميم الثقة وتجديد الشرعية..

التاريخ السياسي للمغرب منذ الاستقلال يوضح هذا المنحى.. فبعد أحداث الريف 1958..1959..وتمرد مولاي بوعزة 1973..اعتمدت الدولة مقاربة أمنية صارمة في البداية..لكنها عادت لاحقا إلى فتح المجال أمام عفو ملكي أعاد إدماج العديد من الفاعلين.. الأمر نفسه تكرر بعد المحاولتين الانقلابيتين في السبعينيات.. حيث فرضت السلطة إجراءات عقابية حادة لحماية كيان الدولة..لكنها لم تجعل العقاب قاعدة دائمة..بل أتبعت ذلك بقرارات عفو تدريجية شملت حتى بعض معتقلي تزمامارت و قلعة مكونة..هذا التدرج لم يكن مجرد تساهل..هو تعبير عن استراتيجية تعتبر أن الصراع السياسي ينبغي أن ينتهي في النهاية عند عتبة المصالحة..

في التسعينيات..شكل الإفراج عن شخصيات بارزة مثل أبراهام السرفاتي خطوة في الاتجاه نفسه..حيث لم يقرأ القرار كاستجابة لضغوط فحسب..و لكنه كان رسالة بأن الاختلاف السياسي لا يعني الإقصاء النهائي.. ومع بداية الألفية.. جاءت هيئة الإنصاف والمصالحة لتؤسس لسابقة في المنطقة.."اعتراف رسمي بوقائع الماضي"..وربط العفو بمسار شامل للمصالحة الوطنية..هذا الخيار عزز صورة الملكية كفاعل قادر على تحويل ملفات حساسة من عبء سياسي إلى فرصة لإعادة إنتاج العقد الاجتماعي..

أهمية العفو الملكي تكمن أساسا في توقيته. فالعفو إذا جاء سريعا قد يفهم كضعف..وإذا تأخر كثيرا يفقد أثره في إعادة الثقة و يصبح قطيعة.. التجربة المغربية أظهرت قدرة على اختيار لحظة يكون فيها العفو عنصرا مكملا للشرعية بدل أن يعتبر تهديدا لها..هذا ما جعل المغرب يتجنب السيناريوهات التي عرفتها دول أخرى.. ففي الجزائر مثلا ظل منطق الإقصاء السياسي يهيمن على علاقة الدولة بمعارضيها..ما أدى إلى حرب أهلية دامية في التسعينيات.. أغلقت ملفاتها دون مصالحة شاملة.. وفي ليبيا وسوريا كذلك نرى غياب أي ثقافة للعفو أو إدماج للمعارضين مما أدى إلى انزلاق الاحتجاجات إلى نزاعات مسلحة وانهيار مؤسسات الدولة.. أما في مصر فنرى أن مقاربة ما بعد 2013 التي استندت إلى الاستئصال السياسي أفرزت استقطابا حادا لا يزال يلقي بظلاله على استقرار الدولة..

نعود إلى تجربة المغرب الذي اختار نهجا مختلفا و هو أن يبقي دائما خيط العودة مفتوحا وأن يجعل المصالحة جزءا من استراتيجيته بدل أن تكون مجرد تنازل ظرفي..هذا ما تأكد في أحداث الريف وجرادة..حيث جاءت مقاربة أمنية لحماية النظام العام..لكنها لم تغلق الباب أمام العفو الملكي الذي أعاد النقاش إلى أرضية وطنية مشتركة..

الخلاصة في هذا الجزء الثاني عن "الشيفرة الملكية" نستنتج أنها تقوم على معادلة دقيقة..العقاب لحماية هيبة الدولة حين يكون الاستقرار مهددا..والعفو لإعادة بناء الثقة حين تصبح الحاجة ملحة إلى المصالحة..هذا التوازن بين الشدة والرحابة لا يمكن اعتباره مجرد خيار ظرفي فقط..إنما هو أحد أعمدة استمرارية الملكية المغربية في محيط إقليمي عجزت فيه أنظمة أخرى عن إنتاج صيغة مماثلة له مما يمكننا اعتباره نموذج استثنائي إقليميا..