لم أعش تجربة الفقد مثلما بت أعيشها هذه الأيام، بعد وفاة الصديق، الصحافي والأديب، سعيد عاهد. الإنسان ليس بحاجة إلى وفاة أحد أقربائه، نظير الأب أو الأم، لكي يدرك حجم مرارة الفقد. الفقد الطبيعي، والغياب أحد أسمائه وصوره، يمكن سياسته مع مرور الوقت. النسيان والسلوان، في هذه الحالة، هما الدواء.
غير أن الفقد الذي تكون تكلفته باهظة، غالبا ما يكون من طبيعة وجودية فارقة: وجودنا نحن بوصفنا كيانات لا كائنات. ولأن سعيد عاهد كان كيانا مختلفا، بمساره الخاص في الحياة والكتابة والإبداع، فمما لاشك أن من شأن فقدانه سلب جزء من كياناتنا، أي من كيانات من خالطوه في تفاصيل يوميات اجتماعية حميمية، أو اقتسموا معه جملة من قيم نضالية إنسانية أصيلة، أو تنسموا معه عبيرا من خيالات أدبية رفيعة.
سعيد عاهد، بما أبدعه من قصائد، وسطره من سير أدبية، وكتبه من مقالات صحافية، وترجمه من كتب، كان يرسم في وعينا ذلك الكيان المختلف، والمتعدد في الآن نفسه. ولذلك، أشرت، في ما سبق، إلى طبيعة الفقد وحجمه، في إثر وفاته المفاجئة. وبقدر ما كنت ألتقيه في مقهى هنا أو هناك، هادئا في وحدته، أو كنت أراه عابرا هذه الطريق أو تلك، متثاقلا في مشيته، إلا أدركت قدر الصخب "الكامن" الذي ظل يعتمل داخل كيانه. عاهد سعيد، من الكيانات التي نادرا ما تلتفت إليها، حضوريا، نظرا لطبيعة شخصيته الهادئة. لكي يدرك المرء حضوره، لابد من أن يغوص في عمق غيابه. صخبه جواني. إبداعي بالاسم والصفة.
لم أشاهده يرفع صوته في يوم من الأيام. كما لم أقابله يدعي "دعوى" في وجه أحد. حتى كلامه، حين كان يبادر إليه في موقف ما حاسم، لم يكن ليطفىء حاجة إلى تعليق مسهب، أو جواب شاف.
لكي تنجح في الحصول منه على "شيء"، كان يستلزم منك أن تقرأه جيدا، في ما هو فيه من صمت، وهدوء ووداعة. بعبارة أخرى، كان لابد أن تنزل إلى قاع كأسه. أقصد قاع روحه، الضاجة بصمتها المبدع الخلاق. هكذا، كان. وحتما، هكذا رحل إلى حيث يرحل الكبار. هادئا في صخبه. صاخبا في هدأته.
في الأخير، ليس لي إلا أن ألخص الفقد لعاهد في كونه فقدانا للمختلف فينا، أو على الأقل للمختلف في شخصي. لا أبالغ إن كررت مع الشاعر العربي قوله في أحد أبياته الرثائية، الذي اعتبر أرثى بيت قالته العرب:
فما كان قيس هلكه هلك واحد/// ولكنه بنيان قوم تهدما.
وإن لم يكن ذلك في كليته، فيكفي أنها لبنة أساسية انهدمت في جدار بيتنا الثقافي الجماعي.
فعليك الرحمة يوم ولدت، ويوم قضيت، ويوم تبعث حيا.
إلى اللقاء صديقي.






