مجتمع وحوداث

شهادة..إدريس كاونو.. ظل البرلمان وذاكرته الحية

مصطفى عنترة

في الأسابيع الأخيرة، ودعنا الصديق إدريس كاونو، أحد الوجوه التي طبعت المؤسسة التشريعية بطابعها الخاص، وخلفت بصمة لا تمحى في مسارها الطويل.

بدأ رحلته في مجلس النواب إبّان رئاسة الداي ولد سيدي بابا، قادما من “دار المخزن” كما يحلو له أن يقول بفخر في كل مناسبة، قبل أن ينتقل إلى مجلس المستشارين بعد استعادة المغرب لنظام الغرفتين عقب مراجعة دستور سنة 1996. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه بالبرلمان، لا كموظف عادي، بل كأحد أعمدته الصامتة الذين حملوا المؤسسة في تفاصيلهم اليومية. إذ المؤسسة جزءا منه، وهو كذلك جزءا منها.

 أصبح السي إدريس مع مرور السنوات جزءا من الصورة اليومية للمجلس، خاصة خلال جلسات الأسئلة الشفوية الأسبوعية التي تنقل مباشرة في الإعلام العمومي، أو أثناء استقبال الوفود الرسمية والبعثات الدبلوماسية، إذ كان يتولى باقتدار تدبير قاعة الاستقبال وتنظيم تفاصيل البروتوكول...

كان إدريس كاونو، الرجل الذي تعرفه القبة من خطواته، قبل أن تراه من بعيد. كان رجلا مميز الحضور:

جلباب أبيض ناصع، طربوش أحمر يعلو الرأس بثقة، بنية جسمانية قوية، نظرات حادّة تختزل الصرامة والانضباط، خطوات سريعة، وصوت قوي يعكس شخصية واثقة تعرف قدر المسؤولية ومقام المؤسسة وحساسية الموقع.

لم يكن مجرد "مخزني" في ديوان الرئيس، بل وجها من وجوه البروتوكول البرلماني، وسيد التفاصيل الدقيقة في كل استقبال رسمي أو جلسة عامة. كل شيء كان يمر من تحت عينيه الهادئتين الصارمتين.

كرس حياته لخدمة البرلمان، متشبّعا بروح النظام والانضباط، مؤمنا حتى النخاع بأن خدمة المؤسسة هي شكل من أشكال خدمة الوطن. نال احترام وثقة كل من تعاقبوا على رئاسة المجلس، لما اتصف به من دقة في التنظيم، وحرص على المظهر العام وهيبة المؤسسة التي كانت هاجسه الأول.

راكم خبرة غنية وثقافة مؤسساتية رفيعة في العمل البرلماني بفضل احتكاكه الدائم بالرؤساء والبرلمانيين والأطر البرلمانية، جعلته مرجعا غير معلن في الدستور كأسمى قانون للمملكة والقوانين الداخلية وصلاحيات المجلس وممارسة العمل البرلماني. من يناقشه في تفاصيل المساطر والقوانين التنظيمية يظنه رجلا درس القانون الدستوري عن عمق وتخصص في القانون البرلماني. وإلى جانب ذلك، امتلك خبرة رفيعة في فنون البروتوكول وحسا دبلوماسيا راقيا مكنه من التعامل بحكمة ولباقة مع كبار الضيوف الذين زاروا قبة البرلمان من رؤساء المجالس ووزراء وسفراء وشخصيات دولية.

جاء إلى البرلمان حاملا معه موهبة فنية وهي الخط، إذ كان خطاطا ينقل كلمات الرؤساء بخط مغربي أصيل في دفتر ضريح محمد الخامس بالرباط، كما كان إلى جانب خدمته في ديوان الرئاسة يسهر على حفظ أثاث وبناية المؤسسة وكأنه المحافظ الفعلي للمجلس.

عاصر السي إدريس كاونو لحظات سياسية مفصلية: من النقاشات الحادة حول ملتمس الرقابة في أواخر الثمانينيات، إلى الصراع السياسي بين أحزاب الكتلة الديمقراطية ووزير الدولة في الداخلية القوي في عهد الراحل الملك الحسن الثاني، وصولا إلى المناقشات الكبرى حول القوانين التنظيمية التي أسست لمرحلة جديدة في الممارسة البرلمانية.

 كان شاهدا على حقبة من التاريخ، لا من مقاعد المتفرجين، بل من موقع المشارك بصمته في صمت.

كما كان يعرف جيدا الموظفين ويضع كل واحد في مكانه، فخبرة السنين جعلته يميز بين هذا وذاك.

ما يؤسف له أن هذه الذاكرة الحية الغنية، التي احتضنت بين تفاصيلها عقودا من التجارب والمواقف، لم توثق كما تستحق، لتغني ذاكرة البرلمان وتخلد سيرته المهنية المضيئة.

واجه السي إدريس المرض بنفس الصلابة التي واجه بها الحياة، فظل وفيا لعمله، حاضرا حتى في أيامه الأخيرة، متشبّثا بخدمة مؤسسته بعزة الوطني الغيور. فقد ظل وفيا لعمله حتى في مواجهة المرض الذي أنهك جسده، إذ قاومه بكبرياء الوطني الغيور، رافضا أن يتخلف عن أداء واجبه حتى الأيام الأخيرة من حياته.

رحل وهو مطمئن، لأنه خدم بلاده بصدق وإخلاص نادرين، وأعطاها أكثر مما أخذ منها. رحل وهو مطمئن، لأن ضميره مرتاح، وسيرته نقية، ووجهه مرفوع بما قدم من إخلاص وتفان.

كان رجلا صارما في عمله، لكن من يعرفه عن قرب يلمس فيه إنسانا ودودا، اجتماعيا، محبا للحياة، متواضعا، مؤمنا، وفيا لأصدقائه وأسرته. يجمع بين صلابة الموقف ورقة القلب، بين الحزم والإنسانية.

كل من يقترب منه يكتشف رجلا دافئ القلب، يوازن بين الحزم والوفاء.

رحمك الله، سي إدريس، وأسكنك فسيح جناته.

رحلت جسدا، لكن ظلك باق في أروقة البرلمان، وذكراك نابضة في الوجدان.

نذرت حياتك لخدمة الوطن في صمت وأمان، وكنت مثالا في الانضباط والإخلاص.

فلترقد روحك في سلام، فقد أديت الأمانة وكنت وفيا حتى آخر لحظة، يا من خلّدت اسمك في ذاكرة البرلمان رمزا للوفاء والجدية والالتزام وخدمة الصالح العام.