في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز الحرب الخفية والعلنية بين إسرائيل وإيران كأحد أخطر صراعات القرن. بينما تروج الرواية الرسمية في تل أبيب وواشنطن بأن الهدف هو «منع إيران النووية»، يكشف تحليل معمق للدوافع والتوقيت أن ما يجري يتجاوز بكثير مفهوم «الحرب الوقائية» ليصل إلى جوهر «الحرب التمكينية». إن إسرائيل لا تسعى فقط لنزع سلاح إقليمي، بل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته، وإزاحة العائق الأكبر الذي يحول دون تتويجها قائدة مهيمنة على المنطقة. فلماذا «الآن» بالتحديد؟ وما هو التهديد الوجودي الذي تريد إسرائيل تجنبه؟.
دوافع الاستعجال الإسرائيلي: لحظة الحسم قبل فوات الأوان
ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في عام 2026 لحظة فاصلة، ربما تكون الأخيرة، لفرض واقع جديد. هذا الإلحاح لا ينبع من نزوة سياسية، بل من قراءة باردة لخريطة التهديدات الوجودية التي تواجهها الدولة العبرية.
أولاً: تفكيك «حلقة النار» قبل إحكامها
نجحت إيران على مدى عقدين في بناء «وحدة الساحات»، أو ما تعرفه إسرائيل بـ «حلقة النار». هذه الاستراتيجية تقوم على تطويق إسرائيل بشبكة من وكلاء مسلحين بأحدث الصواريخ الدقيقة والمسيرات، انطلاقاً من لبنان وسوريا والعراق واليمن وقطاع غزة. وفق تقديرات إسرائيلية، فإن الوصول إلى عام 2026 دون تدمير هذه الحلقة يعني أن أي مواجهة مستقبلية ستؤدي إلى «شلل وطني شامل». الكثافة النارية الهائلة ستطغى على أنظمة الدفاع الجوي، مثل «القبة الحديدية» و«حيتس»، مما يجعل العمق الإسرائيلي مكشوفاً بالكامل لأول مرة منذ حرب1948.تدمير إيران الآن هو محاولة لقطع رأس الأخطبوط قبل أن تتمكن أذرعه من خنق إسرائيل.
ثانياً: عبور «العتبة النووية» وانهيار الردع التقليدي
تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن إيران أصبحت على أعتاب امتلاك القدرة النووية العسكرية، أو ما يعرف بـ «دولة العتبة». من منظور استراتيجي إسرائيلي، فإن تحول إيران إلى قوة نووية يعني نهاية حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة. لن تتمكن إسرائيل بعدها من شن ضربات ضد وكلاء إيران أو مصالحها، لأن أي تحرك قد يُقابل بتهديد نووي. إن تدمير البنية التحتية النووية في منشآت مثل نطنز وفوردو "الآن" هو محاولة لفرض واقع جديد قبل أن تتحول إيران إلى دولة تحت مظلة نووية تحمي مشروعها الإقليمي إلى الأبد وتجمد معادلة الردع لصالحها.
ثالثاً: استغلال «الفراغ السياسي» في لحظة الضعف الداخلي الإيراني
تزامنت الضغوط العسكرية الإسرائيلية مع حالة من الغموض حول مصير المرشد الأعلى والصراع الخفي على خلافة السلطة في طهران. فمنذ أواخر عام 2025، تشهد إيران موجة احتجاجات واسعة هي الأكبر منذ ثورة 1979،قمعتها السلطات بعنف شديد، مما خلق شرخاً عميقاً بين النظام والمجتمع. في المصطلحات العسكرية، تمثل هذه اللحظة «فرصة قطع الرأس» أو «استهداف المركز الثمالي». التقارير تشير إلى أن الاستهدافات طالت مقر إقامة المرشد علي خامنئي ومجمعات أمنية وعسكرية في قلب طهران، في محاولة لضرب مركز الثقل السياسي والعقائدي للنظام. تدرك إسرائيل أن توجيه ضربة قاصمة للقدرات الإيرانية في لحظة ارتباك داخلي سيمنع النظام من اتخاذ قرارات رد فعل متماسكة، وسيعمق حالة الفوضى، مما يمهد الطريق لفرض وقائع جديدة على الأرض دون مواجهة مركزية فعالة من دولة منشغلة بصراعاتها الداخلية.
رابعاً: الحفاظ على «نموذج الدولة» ذاته
التهديد الوجودي لإسرائيل ليس عسكرياً فقط، بل هو تهديد لـ «نموذج الدولة» كمركز جذب عالمي للتكنولوجيا ورأس المال. استمرار حالة الاستنزاف الأمني والقلق الوجودي تدفع النخب العلمية والتقنية إلى الهجرة، وتُخيف المستثمرين. تدمير إيران الآن يمثل محاولة لترويج «وهم الأمان المستدام» للمواطنين والمستثمرين، عبر الترويج لفكرة أن مصدر التهديد الرئيسي طويل الأمد قد تم سحقه نهائياً، مما يضمن استمرارية «دولة الشركات الناشئة».
إيران: حجر العثرة أمام مشروع "إسرائيل الكبرى" الوظيفية
الإصرار على تدمير إيران يتجاوز الدوافع الدفاعية إلى جوهر الصراع على الهوية المستقبلية للمنطقة. لا يمكن لإسرائيل أن تتوج قائدة مهيمنة على الشرق الأوسط في ظل وجود قطب منافس يمتلك مقومات القوة الصلبة وفائض النفوذ الأيديولوجي.
إجهاض "الهيمنة الوظيفية" الإسرائيلية
مشروع إسرائيل في القرن الحادي والعشرين لا يعني بالضرورة تمدداً جغرافياً بالحدود التقليدية، بل هو «هيمنة وظيفية» تجعل من تل أبيب الشريان الاقتصادي والتكنولوجي والأمني الذي لا غنى عنه للمحيط العربي والإسلامي. بقاء إيران قوية يعني بقاء «محور مقاومة» قادر على كسر هذا الاحتكار، وتقديم نموذج بديل للتحالفات والتنمية. طهران بهذا المعنى هي حائط الصد الأخير أمام اكتمال حلم السيطرة الإسرائيلية المطلقة على مقدرات المنطقة.
تحطيم الجسر بين الشرق والغرب
تمثل إيران القوية، خاصة ضمن تكتل «البريكس»، الجسر البري والبحري الذي يربط آسيا «الصين وروسيا» بالبحر الأبيض المتوسط. تدمير هذا الجسر ضرورة إسرائيلية لتصبح هي «المعبر الوحيد» والمفضل للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب عبر مشاريع الممرات البديلة «كالممر الاقتصادي الهندي»الشرق أوسطي IMEC». هذا يضمن لها موقعاً مركزياً لا يمكن تجاوزه في الاقتصاد العالمي.
الصراع على الشرعية القيادية للأمة
تطمح إسرائيل، عبر بوابة «الاتفاقات الإبراهيمية»، إلى إعادة صياغة تحالفات المنطقة بحيث تصبح «الحامي» الفعلي لأمنها واستقرارها. بما أن إيران تمتلك مشروعاً إقليمياً مناهضاً قادراً على حشد الشعوب العربية والإسلامية خلف خطاب المقاومة، فإن كسر إرادتها هو السبيل الوحيد لإزاحة العقبة النفسية والسياسية التي تمنع تطبيع الهيمنة الإسرائيلية وجعلها وصياً غير منازع على القرار الإقليمي.
من "الردع" إلى "التمكين": نحو نظام إقليمي جديد
ما تشهده المنطقة هو «حرب تمكينية» بامتياز. إنها مصممة بدقة ليس فقط لتعطيل قدرات العدو، بل لإزالة العائق البنيوي الذي يحول دون مشروع إقليمي طموح.
تصفية المنافس وخلق "الإقطاعية الجيوسياسية"
لا يمكن لإسرائيل أن تتوج قائدة مهيمنة على الفضاء العربي ما دامت إيران تمتلك القدرة على فرض موازين قوى بديلة. تدمير إيران الآن يهدف إلى خلق فراغ استراتيجي هائل في الشرق الأوسط، فراغ لا تستطيع تعبئته سوى المنظومة الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية، مما يحول المنطقة عملياً إلى «إقطاعية جيوسياسية» تُدار من تل أبيب.
التمكين عبر التفكيك الداخلي
الضربات العسكرية تهدف إلى دفع إيران نحو هاوية التفكك الداخلي، سواء عبر استهداف وحدة القرار أو عبر تحريك التوترات العرقية. إيران غارقة في صراعات داخلية مشلولة، هي السيناريو الذهبي الذي يمنح إسرائيل الفرصة للانقضاض على الساحة الإقليمية كقوة استقرار «وحيدة» مفروضة بالأمر الواقع، وقادرة على ملء الفراغ. هذا يتقاطع مع التصريحات الأمريكية التي تحض الشعب الإيراني على «السيطرة على بلادهم».
التمكين المزدوج: إسرائيل وكيلاً أصيلاً لواشنطن
تلتقي هنا مصلحة الوكيل بالأصيل. الحرب «تمكينية» لواشنطن أيضاً، فهي تساعد على إعادة تثبيت نفوذها في المنطقة عبر سحق قوة خرجت عن طوعها «إيران»، وهي «تمكينية» لتل أبيب لتتويجها وكيلاً حصرياً وقائداً إقليمياً يضمن المصالح الغربية في قلب العالم الإسلامي، وبأقل تكلفة ممكنة على الجيش الأمريكي. عملية «زئير الأسد» الإسرائيلية، التي تلاها التدخل الأمريكي المكثف في «الغضب الملحمي»، تظهر هذا التنسيق العالي المستوى الذي خطط له على مدار أشهر.
عوائق الطريق إلى الهيمنة: المرونة الإيرانية والمحددات الدولية
بعد هذا العرض الطموح للمخطط الإسرائيلي، لا بد من التوقف ملياً عند العوائق الحقيقية التي قد تحول دون اكتمال هذا المشروع، وأهمها طبيعة الخصم وموقف القوى الكبرى.
المرونة الإيرانية: هل القصف كافٍ لتفكيك النظام أم أن الصدمة قد تعيد تماسكه؟
التجربة التاريخية مع إيران، خاصة خلال حرب الثماني سنوات مع العراق، تظهر أن القصف الخارجي غالباً ما كان يُستخدم كـ «إغراء» وطني لتعزيز التماسك الداخلي، وليس تفكيكه. دعنا نرى كيف يبدو المشهد اليوم.
• التماسك المؤسساتي مقابل الفردي: القصف ركز على استهداف القيادة «خامنئي» كـ «فرصة لقطع الرأس». لكن المعلومات تشير إلى أن النظام الإيراني أظهر مرونة مؤسساتية عالية. فبعد الضربات مباشرة، تم التأكيد على أن الرئيس بزشكيان «بخير»، والأهم من ذلك، أن التقديرات الاستخباراتية الأميركية «حتى قبل الهجوم» كانت تشير إلى أنه في حال مقتل خامنئي، فإن السيناريو الأرجح هو تولي شخصيات متشددة من الحرس الثوري زمام السلطة. هذا يعني أن الاستهداف قد لا يؤدي إلى فراغ، بل إلى تسليم القيادة لتيار أكثر تشدداً، وهو ما يتناقض مع هدف «تفكيك النظام».
• المرونة العسكرية والعقائدية: إيران لا تعتمد على مواجهة مباشرة للتفوق الجوي الإسرائيلي الأميركي. هي تعتمد على «الرد غير المتماثل». الحرب، رغم قسوتها، تُعتبر «مختبراً قاسياً» لتطوير القدرات الصاروخية والتخطيط العسكري. إيران لا تنتصر بمنع الضربات، بل بـبقاء النظام واقفاً على قدميه كدليل على فشل هدف «تغيير النظام». في هذه المعادلة، مجرد قدرة إيران على الاستمرار في إطلاق الصواريخ وتهديد العمق الإسرائيلي، حتى مع تعرضها لضربات مؤلمة، يعد انتصاراً استراتيجياً يعيد ترميم شرعيتها الداخلية.
• تأثير الداخل: صحيح أن هناك احتجاجات داخلية، لكن يجب النظر إلى الصورة كاملة. التقارير تشير إلى أن النظام واجه تحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة منذ أواخر 2025. المفارقة هنا أن أي عدوان خارجي واسع قد يحوّل بوصلة الغضب الشعبي من الداخل «النظام» إلى الخارج «العدو»، مما يمنح النظام فرصة ذهبية لإعادة توحيد الصف الداخلي تحت شعار الدفاع عن الوطن، وهي آلية كلاسيكية لامتصاص الاحتجاجات.
رد فعل القوى الكبرى : شراكة "النظر شرقاً" على المحك
هذا هو البعد الأكثر تعقيداً. هو طرح سيناريو «المواجهة غير المباشرة» أو «الخنق»، لكن المعطيات الحالية ترسم صورة أكثر براغماتية «وربما خيبة أمل» بالنسبة لإيران. الموقف الروسي-الصيني يكشف حدود التحالف بوضوح قاسٍ.
روسيا: حليف وقت الرخاء فقط؟
• الالتزام المحدود: على الرغم من توقيع معاهدة شراكة استراتيجية مع إيران في 2025، إلا أن روسيا حرصت على إسقاط أي بند للدفاع المشترك. موسكو غير ملزمة، ولن تقدم دعماً عسكرياً مباشراً.
• الموقف الميداني: روسيا أدانت الهجوم ووصفته بـ «المغامرة الخطيرة» ودعت لمجلس أمن طارئ. لكن على الأرض، لم تقدم الدعم العسكري الفعال المتوقع «مثل طائرات سو-35 أو أنظمة إس -400)، مما أثار خيبة أمل كبيرة في الأوساط السياسية الإيرانية.
• الاستراتيجية الروسية: موسكو تفضل "المسافة المحسوبة". هي تريد الحفاظ على علاقاتها مع الجميع: إيران كورقة ضغط، وإسرائيل «حيث يوجد تواصل دائم»، والولايات المتحدة «التي تتفاوض معها بشأن أوكرانيا وملفات أخرى». بوتين يوجه تعازيه، لكنه لا يرسل جيشه.
الصين: الحذر الاقتصادي مقابل المغامرة العسكرية
• الدعم المعنوي فقط: الصين أدانت بشدة الضربات واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً للسيادة». وسائل الإعلام الرسمية هاجمت الدعوات الأميركية لتغيير النظام في إيران.
• التحرك العسكري المحتمل (مؤشر خطير): هناك تقارير غير مؤكدة عن نية الصين تحريك قوات بحرية نحو مضيق هرمز. إذا صح هذا، فهو ليس دفاعاً عن إيران بقدر ما هو حماية للمصالح الصينية «النفط والتجارة». بكين لا تريد الحرب، لكنها في نفس الوقت لا تستطيع تحمل انغلاق المضيق أو عدم استقرار المنطقة بشكل كامل.
• مصالح متضاربة: الصين، مثل روسيا، لا تعمل بمنطق «التحالف» بل بمنطق «المصلحة». هي تستورد النفط الإيراني ولكنها أيضاً أكبر شريك تجاري لإسرائيل ودول الخليج. «النظر شرقاً» كانت استراتيجية إيرانية لتعويض العزلة الغربية، لكن تبين أنها تمنح دعماً سياسياً وتجارياً، لكنه غير كافٍ في لحظة الخطر الوجودي.
خاتمة: هل تنجح "الحرب التمكينية"؟
الاستنتاج النهائي
"الحرب التمكينية" الإسرائيلية قد تحقق نجاحات تكتيكية «تدمير بنى تحتية»، لكنها تواجه عائقين كبيرين:
• الداخل الإيراني الذي يمتلك قدرة تاريخية على استيعاب الصدمات وإعادة إنتاج النخب «الحرس الثوري».
• المحيط الدولي حيث يكتشف صناع القرار في طهران أن «النظر شرقاً» و«البريكس» يوفران غطاءً سياسياً، لكنهما لا يقدمان مظلة دفاعية في لحظة الحسم. روسيا والصين تتركان إيران تواجه المصير الأصعب وحدها، مما قد يدفع طهران في المستقبل إما إلى مزيد من التصلب أو إلى إعادة تقييم جذري لتحالفاتها.
بناءً على ما تقدم، يتضح أن الحرب على إيران ليست «وقائية»، بل هي حرب تمكينية للمشروع الصهيوني في نسخته الأكثر طموحاً. نجاحها التكتيكي في تدمير البنية التحتية واضح، حيث استهدفت مئات المواقع العسكرية والسياسية والأمنية. لكن التحدي الحقيقي يبقى استراتيجياً.
هل يمكن فرض "النظام العالمي الجديد" بالسلاح وحده؟
بينما تمكنت إسرائيل من توجيه ضربة قاسمة، إلا أن المعرفة النووية والخبرة البشرية الإيرانية ما زالت موجودة. كما نعتقد أن «الفراغ» الذي ستتركه إيران قد لا يملأه بالضرورة المشروع الإسرائيلي بسلاسة، بل قد يتحول إلى فوضى إقليمية شاملة تمتد إلى دول الجوار وتولد تهديدات جديدة أكثر تشظياً وعنفاً، خاصة مع اتساع رقعة الرد الإيراني ليشمل دول الخليج.
الانتقادات داخل إسرائيل نفسها تحذر من أن «إزالة التهديد» كل بضعة أشهر ليس انتصاراً استراتيجياً، وأن الرهان على تغيير النظام عبر قصف خارجي قد أثبت فشله في الماضي.
لن تقاس نتائج هذه الحرب بعدد الصواريخ التي سقطت، بل بقدرة إسرائيل على تحويل هذا الزخم العسكري إلى شرعية سياسية ونظام إقليمي جديد ومستقر. إنها مقامرة استراتيجية كبرى، تهدف إلى اختطاف التاريخ وحسم صراع وجودي طويل الأمد لصالحها، لكن رياح التغيير في المنطقة قد لا تهب دائماً بما تشتهي سفن الهيمنة.






