سيدي وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور
ليست هذه رسالة عابرة، ولا انفعال لحظة. إنها مرافعة وطنية في وجه خطاب انزلقت كلماته من مقام الدولة إلى هامش الاستهزاء. حين تخاطب الجالية المغربية بتلك النبرة المرتبكة، وحين يصدر عنك سؤال يحمل في طيّاته سخرية مبطّنة: “هل تريدونني أن أقول لكم شكرا لأنكم تدخلوا لخدمة بلدكم؟” فأنت لا تمارس تواصلا مؤسساتيا، بل تشيّد جدارا من سوء التقدير بين الدولة وأبنائها في الخارج. وهنا بيت القصيد: الجالية ليست جمهورا لتجربة البلاغة المرتجلة، ولا مادة للتندر السياسي. الجالية… مقام لا يخاطَب بخفة , فعندما تتحدث عن الجالية المغربية، فأنت لا تخاطب سوقا ولا مقهى ولا ساحة جدل. أنت تخاطب:
– علماء في مختبرات أوروبا
– مهندسين في كبريات الشركات العالمية
– أطباء في أعرق المستشفيات
– باحثين وخريجي المدارس العليا
– مستثمرين يحملون رؤوس أموالهم وقلوبهم نحو الوطن
أنت تخاطب عقولا راكمت المعرفة، وضمائر اختارت الانتماء رغم المسافات. فبأي منطق يُخاطَب هؤلاء بلغة توحي بالامتنان :الإجباري؟ ومن قال إن الوطنية تقاس بطوابير الإدارة؟ المغرب لا يقف بلا جاليته لنكن واضحين سيدي الوزير،
تحويلات الجالية ليست منّة، لكنها ركيزة أساسية في التوازن الاقتصادي. والثقة التي يضعها المغاربة في الخارج في وطنهم… هي استثمار معنوي يسبق كل تحويل مالي. إذا دخلت الأموال، دخلت معها الثقة. وإذا خرجت الثقة، خرج معها الاستقرار. وحين يصدر خطاب يحمل نبرة استهزاء، فهو لا يسيء لفئة محددة، بل يهزّ صورة وطن بأكمله. بين مقام الدولة وسقوط العبارة البدلة الوزارية ليست زيا بروتوكوليا. إنها تعاقد أخلاقي مع الكلمة. تعني: رصانة, تقديرا لحساسية اللحظة, إدراكا أن كل عبارة قد تبنى بها جسور… أو تهدم بها ثقة. الخطاب العام ليس مساحة لتفريغ الانزعاج، ولا منصة للمماحكة. هو مسؤولية سياسية، لا نزهة لفظية.
الملك محمد السادس – حفظه الله ورعاه – ما فتئ يؤكد في خطبه على العناية الخاصة بالجالية، وعلى اعتبارها امتدادا حيويا للوطن. فكيف يستقيم خطاب رسمي مع تلك التوجيهات، إن كان يحمل ظلال تبرم أو تقليل من شأن؟الاعتذار… شجاعة لا ضعف حين ترتفع أصوات تطالب باعتذار، فالأمر ليس مزايدة. بل هو دفاع عن كرامة العلاقة بين الدولة وأبنائها. الاعتذار ليس انكسارا. الاعتذار تصحيح للمسار. الاعتذار إعلان بأن الكلمة حين تخطئ، تراجع. أما المكابرة، فهي التي تعمّق الشرخ.
هذه ليست معركة أشخاص… بل معركة مقام لسنا في مواجهة وزير بقدر ما نحن أمام سؤال أعمق: كيف نريد لصوت الدولة أن يكون؟ هل نريده صوتا جامعا، رصينا، حاملا لثقل المسؤولية؟ أم صوتا متوترا، سريع الانزلاق، خفيف الظل حيث لا ينبغي الخفة؟ الجالية المغربية ليست وصيّة عليها وزارة. وليست طرفا يحتاج دروسا في الوطنية. هي شريك في المشروع الوطني، ورافعة اقتصادية، وجسر حضاري، وسفير دائم.
سيدي الوزير،
إن كنت في موقع المسؤولية، فكن بحجمها. وإن زلّت العبارة، فلتكن الشجاعة أول ردّ. لأن المغرب أكبر من زلة خطاب، وأكبر من نبرة استهزاء، وأكبر من أن يخاطَب أبناؤه في الخارج بلهجة لا تليق إلا بالأسواق. هذه مرافعة باسم الكرامة. وبيان باسم الانتماء. ودفاع عن جالية لم تطلب سوى الاحترام.






