فن وإعلام

مغربية الساقية الحمراء والواحات الصحراوية يوثقها أوغست مولييراس مترجم الجيش الفرنسي عام 1895 في كتاب 'المغرب المجهول' (الحلقة 13)

يعتبر كتاب "المغرب المجهول" (Le Maroc inconnu) لمؤلفه أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) أحد أخطر وأهم المراجع الاستخباراتية والأنثروبولوجية التي وضعت المغرب تحت مجهر الدراسة الدقيقة في نهاية القرن التاسع عشر. الكتاب هو مذكرات رحلة، ثمرة 22 عاماً من الاستكشافات الميدانية، بين عامي 1872 و1893، في مناطق وصفها المؤلف بـ "الغامضة"، اعتمد فيها على شبكة واسعة من "الرحالة المسلمين" لجمع أدق التفاصيل حول البلاد وسكانها.

 وتتجلى قيمة هذا العمل في شخصية مؤلفه. فمولييراس كان أستاذ كرسي اللغة والآداب العربية في وهران الفرنسية، وكان مترجماً رسمياً سابقاً بالجيش الفرنسي وبالحكومة العامة للجزائر الفرنسية، وهي خلفية عسكرية وأكاديمية جعلت من كتابه جردا شاملا يتجاوز الجغرافيا ليشمل البنية العسكرية والإدارية، والجرد الاقتصادي للثروات، والتوثيق السوسيولوجي الدقيق للعادات والتقاليد.

حين نفتح صفحة 18 من هذا الكتاب الصادر عام 1895، نقف أمام جرد استخباراتي وعلمي صاغه مولييراس بصرامة الضابط المترجم الذي تخرج من نخبة المدارس العسكرية الفرنسية. 

ولكي ندرك قيمة الأرقام التي ساقها هذا المؤرخ المستكشف المترجم، وجب التوقف عند بورتريهه العلمي الذي يجعل منه شاهدا إثبات على حقبة ما قبل التقطيع الاستعماري للمملكة المغربية التي كانت تسمى في الخرائط والوثائق الفرنسية في تلك الفترة "الإمبراطورية المغربية Empire de Maroc". فمولييراس لم يكن أديباً يغازل الجغرافيا، بل كان عيناً لوزارة الحرب الفرنسية، متمكناً من علوم المساحة والإحصاء والخرائط، ومستنداً في تقديراته إلى مصلحة الجغرافيا التابعة للجيش (Service Géographique de l'Armée) التي كانت تعتمد تقنيات المثلثات الجيوديزية (Triangulation géodésique) الدقيقة في رصد الأراضي وتخومها.

 إن الثقة في "مسطرة" مولييراس تنبع من كونه قدّم شهادة "ضد مصلحة بلاده" الاستعمارية.

 ففي الوقت الذي كانت فيه باريس تسعى لتقزيم المغرب لتبرير قضم أطرافه، اعترف هذا الضابط الجغرافي بأن مساحة الإمبراطورية المغربية (L'Empire Marocain) تبلغ ثمانمائة واثني عشر ألف كيلومتر مربع (812,000 km^2).

وإذا ما قارنا هذا الرقم بمساحة المملكة المغربية الحالية بكامل أقاليمها الصحراوية، والتي تبلغ حوالي سبعمائة وعشرة آلاف وثمانمائة وخمسين كيلومتر مربع (710,850 km^2)، فإننا نكتشف وجود فرق هائل يصل إلى قرابة مائة وواحد ألف ومائة وخمسين كيلومتر مربع (101,150 km^2) تم اقتطاعها من جسد المملكة عبر معاهدات واتفاقيات استعمارية لاحقة. 

ويؤكد مولييراس أن هذه المساحة الشاسعة المفقودة ليست "خلاءً"، بل هي موزعة على عشرة أقاليم سيادية يدركها "المغاربة المتعلمون" (Les Marocains lettrés) جيداً، وتنبني على تقسيم ثلاثي يربط الشمال بالوسط والجنوب في وحدة عضوية لا تقبل التجزئة. 

ففي المغرب الشمالي (Le Maroc septentrional)، يخط مولييراس حدوداً تبدأ من مشارف إقليم وهران (Province d'Oran) لتشمل الريف (Le Rif) وغمارة (R'mara) وصولاً إلى تطوان (Tétouan)، وفي المغرب الأوسط (Le Maroc central) يربط بين وجدة (Oujda) والأطلسي عبر دائرة فاس (Daïrat-Fas) وإقليم الظهرة (La Dhahra) الذي يصفه بأنه العمود الفقري للحدود الشرقية الممتدة من وجدة إلى فكيك (Figig).

أما في المغرب الجنوبي (Le Maroc au midi)، فتأتي "القنبلة التوثيقية" حين يعدد أربعة أقاليم مغربية هي سوس (Sous) ودرعة (Dra) والساقية الحمراء (Sagiat-el-Hamra) وإقليم الصحراء (Eççahra)، موضحاً أن هذا الأخير يمثل المدى الجغرافي الذي يضم الواحات الشرقية مثل توات (Touat) وتيديكلت (Tidikelt) وصولاً إلى تخوم شنقيط ووادي الذهب، مشيراً إلى أن هذا الإقليم وحده يشغل أكثر من ربع مساحة الإمبراطورية. 

وهنا يختم مولييراس هذا الجرد في الصفحة 18 بعبارة حاسمة يقول فيها: 

"هذا التقسيم للمغرب، المعروف والمألوف جداً لدى المغاربة المتعلمين، هو مجهول في أوروبا، وهو يسلط ضوءاً جديداً على هذه الإمبراطورية التي تبدو، وفقاً لخرائطنا، محكومة بالفوضى والارتباك بشكل لا يقدمه أي بلد آخر بنفس الدرجة".

إن هذا الربط الحسابي والمكاني يثبت أن السيادة المغربية كانت قائمة بوعي أصحابها وباعتراف أعدائها، وهو ما يفضح زيف الادعاءات الاستعمارية اللاحقة. فمولييراس عارض بشدة فكرة أن المغرب بلد شبه فارغ، وأكد في سجلاته الاستقصائية أنه بلد "مكتظ بالسكان" (Peuplé)، مقدراً عددهم في تلك الفترة بما بين ثمانية إلى عشرة ملايين نسمة.

 إن هذه الحقائق الدامغة تكشف كيف تدخل المقص الاستعماري لزحزحة الأسماء وتغيير معالم الأقاليم، محاولاً طمس حقيقة أن المغرب كان إمبراطورية تضاهي في عظمتها وإمكاناتها كبرى دول العالم في ذلك الزمان، تماماً كما تمنى مولييراس نفسه حين كتب في مقدمته: "المغرب، بلد أفريقي لا يضاهى، والذي سيكون يوماً ما، كما نأمل، أجمل زهرة في التاج الاستعماري لفرنسا!".

◾️المرجع التوثيقي للحلقة

• اسم الكتاب: المغرب المجهول (Le Maroc inconnu) - الجزء الأول: استكشاف الريف (Exploration du Rif).

• المؤلف: أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras)، أستاذ كرسي اللغة والآداب العربية ومترجم رسمي سابق بالجيش الفرنسي.

• تاريخ النشر: الطبعة الأصلية، ديسمبر 1895.

• الصفحات المعتمدة: تم الارتكاز بشكل أساسي على المعلومات الواردة في صفحة الغلاف، والصفحة 18 (التقسيم الإداري والأقاليم العشرة)، والصفحة 27 (التقديرات الجغرافية والمساحة).