الكتاب التقرير
نستعرض في هذه الحلقة وثيقة تاريخية واستخباراتية من العيار الثقيل، صدرت عام 1897 عن "الحكومة العامة للجزائر الفرنسية".
هذا الكتاب الذي صدر في شكل مؤلف أكاديمي، هو في الحقيقة تقرير استخباراتي رفيع المستوى صاغه المؤرخ والدبلوماسي هنري دي لا مارتينيير (H. de La Martinière) بالتعاون مع النقيب الاستخباراتي نابليون لاكروا (N. Lacroix)، وذلك بناءً على تكليف مباشر من الحاكم العام للجزائر آنذاك جول كامبون (Jules Cambon).
وقد تم إعداد هذا العمل ليكون خارطة طريق ميدانية لتيسير احتلال مناطق الصحراء الشرقية المغربية، والعمل على قضمها من السيادة المغربية الشريفة تمهيداً لضمها إلى "الجزائر الفرنسية" (Algérie française).
في "التنبيه" الذي يُفتتح به الكتاب، يعترف المحتل بلسانه كيف خطط لعزل المغرب عن عمقه الإفريقي وتفكيك روابط البيعة التاريخية.
التنبيه الاستعماري
مقدمة الكتاب التي جاءت في شكل تنبيه ترجمتها كالآتي:
إن المناطق التي وجدت فرنسا نفسها فيها دائماً على تماس مع المغرب (Maroc)، كانت موضوعاً لـ "وثائق حول الشمال الغربي الإفريقي" التي ظهرت حتى الآن: وهي تحديداً تلك التي كانت تهدف إليها، بدقة، معاهدة ترسيم الحدود لعام 1845، سواء كانت تقع شمال أو جنوب ثنية الساسي (Teniet el Sassi).
أما المجلدان الثالث والرابع، اللذان نطبعهما اليوم، فهما مخصصان للواحات الصحراوية (Oasis Sahariennes)، المعروفة لدى الجمهور تحت اسم توات (Touat) المعمم بشكل مفرط، والتي سكتت عنها معاهدة 1845.
قبل سنوات قليلة، لم يكن يُعتقد أنه من الضروري التطرق لدراسة هذه البلاد البعيدة. إن الاهتمام السياسي الذي تمثله في الوقت الحالي هو النتيجة المباشرة لتقدم سيطرتنا في شمال إفريقيا (l'Afrique du Nord). وليس شعوراً بالخيلاء الفارغة هو ما قادنا لتوسيع هذه السيطرة: بل هو حتمية الأشياء (La force des choses).
إن القبائل التي أخضعناها تباعاً في جنوب ممتلكاتنا كانت تعيش في حالة من عدم الاستقرار التي كانت تجبرها على القتال دون انقطاع. لقد فرضنا عليهم السلام، ولكن بفعلنا ذلك، ألزمنا أنفسنا بحمايتهم. وهكذا نحن منساقون، من أجل القيام بذلك، إلى دفع حدود عملنا إلى الأمام باستمرار. هناك نوع من القانون خضعت له، كما لاحظ ذات يوم اللورد سالزبوري (Lord Salisbury)، جميع الأمم المتمدنة التي تكون على تماس مع شعوب بربرية.
من ناحية أخرى، أصبح التوغل في إفريقيا الحدث الجوهري في هذا الربع الأخير من القرن: لقد ولّد نوعاً من التنافس بين الأمم الأوروبية وأجبرها، في المناطق التابعة لمجال النفوذ المعترف به لكل منها، على تثبيت سلطتها بطريقة لا يمكن الطعن فيها. وعليه، لم يعد بإمكاننا اليوم اعتبار منشآتنا في شمال إفريقيا (Nord de l’Afrique) مجرد منشآت متوسطية بحتة. إن الطبيعة الحقيقية للاهتمام الذي يمثله لنا امتلاك الواحات الصحراوية لم تظهر للجميع بوضوح بسبب الادعاءات التي أظهرها المغرب تجاه هذه المناطق. لقد ساد الاعتقاد بأنها كانت ببساطة موضوع نزاع بين الإمبراطورية الشريفة (Empire Chérifien) وبيننا. كان ذلك خطأً. — لقد كان من الطبيعي أن تَدَّعي بلاط فاس (Cour de Fez)، بموجب ماضٍ بعيد جداً اليوم، حقوقاً لم تمنحها إياها الطبيعة. إن الأمراء المسلمين، والشرقيين بشكل عام، ماهرون وجريئون في مطالباتهم، في الوقت الذي تكتفي فيه الشعوب المتمدنة باكتفاء تأكيد حقوقهم دون ممارستها في الواقع: فهم يعرفون، من خلال تجربة شبه يومية، الغيرة التي تقسم القوى الأوروبية فيما بينها، وهم خبراء في استغلالها.
ولكن، ومهما كانت تأكيدات المغرب وتمسكه فيما يخص توات، فإن طبيعة الأشياء لم تضع 'الواحات الصحراوية' بأقل من ذلك ضمن العمق الجزائري (Hinterland algérien). وبالمثل، فإن كلمات السيد ريبو (M. Ribot)، وزير الشؤون الخارجية، الذي أكد أمام منبر البرلمان في عام 1892، أن الاستحواذ على توات كان قضية أمنية جزائرية (Affaire de police algérienne)، لم تكن قط موضوعاً لأي احتجاج من أي نوع. لذلك، يجب ألا يضللنا المظهر. من المهم أن نميز بعناية ما سُمي ببعض المبالغة 'قضية توات' عن 'القضية المغربية' (Question marocaine)، وأن ننظر إلى المصلحة التي يمثلها حلها بالنسبة لنا من زاوية أخرى غير زاوية علاقاتنا مع الإمبراطورية الشريفة. لقد خلقنا لأنفسنا حقوقاً في شمال أفريقيا بالحديد والدم، لا تقل عن الخدمة الجليلة التي قدمناها لأوروبا بتدمير عار القرصنة البربرية؛ هذه الحقوق قد اعتُرف لنا بها رسمياً بموجب معاهدة عام 1890، التي حددت نطاق نفوذنا في هذا الجزء من القارة الأفريقية. — إن حيازة توات هي الشرط الضروري لممارسة هذه الحقوق.
تبدو شمال أفريقيا، من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، كأنها ليست سوى صحراء شاسعة، وحاجز لا يمكن عبوره لأي مشروع، ولكن هناك طريق واحد فقط يعبرها بالكامل، النيل (le Nil)، الذي يتغلغل شرقاً في قلب القارة السوداء. وفي الغرب، اعترفت لنا معاهدة عام 1890 بحق سامٍ على الأراضي التي تربط ممتلكاتنا في السودان (Soudan) بهذا الشريط الضيق من الأرض الخصبة الذي يمتد على طول البحر الأبيض المتوسط، والذي تشكل الجزائر وتونس الجزء الأكبر منه. ألم تمنحنا هذه المعاهدة سوى رضا معنوي، وكيف يجب ممارسة هذه الحقوق لكي تكون حقيقية ومفيدة؟ — المجلدات التي نصدرها اليوم مخصصة لتنويرنا جزئياً حول هذه النقاط. وفي هذا الصدد، لم نكتفِ كما في السابق بجعل دراساتنا تقتصر على الجغرافيا السياسية والتاريخ: بل اتخذت الجغرافيا الفيزيائية أهمية أكبر، ونحن ننشر دراسات جيولوجية ذات اهتمام كبير. إن الصحراء (Sahara) ليست تلك الامتدادات من الرمال غير المأهولة التي يتصورها البعض. فكل من عبرها يعرف مدى كثافة سكان هذه المساحات التي تبدو صامتة. في هذه الطبيعة الغريبة، يميل كل شيء للاختباء: النباتات والمياه تبحث تحت الرمل عن ملجأ ضد حرارة الشمس؛ والرجال يخبئون بعناية فوهات الآبار التي اعتادوا الشرب منها والأعمال، ونأمل أن يكافئ المستقبل الجهود التي بُذلت في هذا السبيل.
إن عبوراً مستمراً للقوافل يربط السودان بـ المغرب، وفزان وطرابلس؛ ومن هناك مرّ دعاة الإسلام الذين نشروا الدين في إفريقيا الوسطى خلال النصف الأخير من هذا القرن. لقد كانت الدعاية الدينية والتجارة تسيران جنباً إلى جنب. أما بالنسبة لـ الجزائر وتونس، فإن إلغاء العبودية قد أغلق أبوابهما بشكل كبير أمام القوافل؛ وتكفل النظام الضريبي بالباقي. وهكذا، بين الجزائر والسودان، وفي هذه المناطق ذاتها التي تقع تحت نفوذنا بموجب معاهدة 1890، يفلت كل شيء من أيدينا. هناك حركة، ربما نكون قد بالغنا في أهميتها التجارية، ولكن لا يمكن المبالغة في ثقلها الأخلاقي والسياسي، تربط باستمرار الأطراف الأكثر حماساً في العالم الإسلامي، وأقصد المغرب والجغبوب معقل السنوسية، بمناطق وسط إفريقيا التي تشكل أحدث فتوحات الإسلام. سيكون من الوهم إغماض الأعين عن حركات من هذا النوع، ومن المهم لـ الحضارة المسيحية بشكل عام، ولأمن سيطرتنا في السودان والجزائر بشكل خاص، أن تُمارس سلطتنا الأمنية (Police) بفعالية في هذه المناطق التي كانت تبدو حتى الآن بلا فائدة لأوروبا ولنا.
ومن بين جميع الطرق التي تسلكها القوافل في الشمال الغربي الإفريقي، فإن أكثرها ازدحاماً وخصوبة هي بلا شك وادي الساورة (Saoura)، الذي يربط، مثل حبات المسبحة، الواحات الصحراوية؛ فهي تسمح، على مدى أيام طويلة، بسلوك طريق تتخلله المدن والقرى؛ وهي تشكل نوعاً من الرواق الواقع في قلب الصحراء، والذي تمر عبره حتماً القوافل التي تنتقل من المغرب إلى تنبكتو (Tin-Bouktou)، أو إلى الآير أو مرزق. إن القوة التي ستسيطر على هذا الرواق ستشغل مفترق الطرق الذي تلتقي فيه أهم طرق الصحراء؛ وستغلق أمام المغرب أبواب الوصول إلى إفريقيا المسلمة وستتمكن من مراقبة تحركات 'الجامعة الإسلامية' (Panislamisme) في هذا الجزء من العالم عن كثب؛ وأخيراً، ستمسك بيدها مخازن التموين والاحتياط لـ الطوارق الهقار، وستصبح بذلك سيدة التجارة في هذه المنطقة الشاسعة. لذلك، كان لدينا الحق في القول سابقاً إن الاهتمام بحيازة توات يتجاوز بكثير تسوية نزاع مع المغرب. إنها مسألة تتعلق بمدى كون الحقوق التي اعتُرف لنا بها في عام 1890، لصالح الحضارة، ستصبح حقيقة أم خيالاً. ومع ذلك، لم يبدُ من الضروري حتى الآن البدء بالعمل الحاسم الذي من شأنه تسوية هذه القضية القديمة دفعة واحدة وبدون مجهود كبير. إن الحاكم العام للجزائر، الذي يمثل فرنسا في شمال إفريقيا، قام بتكليف قائد الفيلق التاسع عشر بدراسة مقترحات مشاريع الاحتلال الأكثر حميمية مع السكان البعيدين، ودرس الطريقة التي يمكن بها ممارسة سيطرتنا.
إن المنشآت والحصون التي بُنيت منذ ست سنوات جنوب جيري فيل (Géryville) والمنيعة وورقلة تستجيب لنفس الفكرة؛ فهي تمدد احتلالنا وتحمي قبائلنا وتعمل كقاعدة للعمليات المستقبلية نحو هذه الواحات. كل واحدة من هذه الواحات الصحراوية تشكل، وفقاً للعرف البربري، نوعاً من البلدية المستقلة، بلا روابط مع الواحات المجاورة؛ وهي نفسها منقسمة إلى فئات متصارعة تظهر، حسب الظروف، ولاءها تارة لـ المغرب وتارة لـ فرنسا. المستقرون يعارضون الرحل؛ ويخشون الطوارق، ولكن فوق كل هذه التأثيرات، تظل التأثيرات الدينية هي الأقوى. — في قورارة (Gourara) وتوات وأوقروت وتيديكلت، تتنازع الطرق الصوفية على النفوذ، وبعضها مخلص لنا: الشيوخية (Cheikia) مثلاً الذين يسيطرون في تبلكوزة أو التيجانية المرتبطين بـ الطوارق وممالك وسط إفريقيا. ونرى من هنا مدى أهمية العلاقات الودية التي تقيمها الحكومة العامة منذ عام 1891 مع رؤساء الطرق الصوفية المختلفة. وقبل الجميع، يجب وضع شرفاء وزان (Cheurfa d'Ouazzan)، رؤساء الطريقة الوزانية، الذين تعتبر سلطتهم الدينية هي المهيمنة في الغرب. إن الشريف القديم سيدي عبد السلام (Si Abd Es Selam) الذي كنا قد أهملناه، عاد إلينا بالكامل: لقد بلغ به الإخلاص حد الذهاب إلى قورارة بناءً على طلب الحاكم العام للجزائر، رغم سنه وعجزه؛ ومن خلال تدابير رسمية، وضع في كل مكان علمنا، ومقدميه وزواياه تحت حمايته وتحت سلطتنا. ويستمر خلفاؤه في نهج هذا التقليد. وبفضل هذه التأثيرات، أصبح لاسم فرنسا أصدقاء في المناطق البعيدة المحيطة بـ عين صالح (In Salah)، واعتادت العقول على رؤية ألواننا ترفرف على أسوار قصبات تيديكلت (Kasbas du Tidikelt).
في الحقيقة، لا يمكننا إخضاع هذه البلاد، غير الصالحة لسكن الأوروبيين، لإدارة مماثلة لمكاتبنا العربية. سيكون من الأسهل والأكثر حكمة عدم محاولة إدارتها مباشرة. بل وضع ضابط كـ 'مقيم أعلى' (Résident supérieur) لا يتدخل في الشؤون المحلية؛ ومراكز لحماية ومراقبة القادة الذين استثمرناهم؛ وضريبة خفيفة، كافية لوسم التبعية ومحسوبة على أساس تكاليف الاحتلال؛ وقوة شرطة مجندة من السكان المحليين وبريد منتظم؛ هذا كل ما يلزم لتأسيس أقوى سلطة عرفتها الواحات الصحراوية على الإطلاق: هذا هو كل ما نخطط له. إن تنفيذ وسائل عمل فعالة وبسيطة هو الممكن الوحيد في هذه المناطق البعيدة، وفي أقرب وقت ممكن. سيكون من المرغوب فيه أن تمتلك فرنسا أخيراً إمبراطوريتها بالكامل. وبذلك ستتمكن من اتباع سياسة كـ 'قوة إسلامية' (Puissance musulmane) متحررة من أي قلق فوري. لا يمكن لأحد أن يقدر القوة التي يمكن أن تمنحها سياسة تتبعها فرنسا بإخلاص تجاه المسلمين في شمال إفريقيا. ومن المهم لفرنسا أن تمتلك سياسة نشطة وذكية تحترم المعتقدات. يُتحدث كثيراً عن 'الجامعة الإسلامية' ومخاطرها: لا يجب تقويتها تحت ذريعة محاربتها. إن الإسلام ممزق بسبب انقسامات عميقة، فالتركي مثلاً، ليس له عدو ألد من العربي. إن الثورات المستقبلية للعالم الإسلامي سيكون مسرحها الدول القديمة في العالم القديم والمناطق المكتشفة حديثاً في وسط إفريقيا. فرنسا، بوصفها 'إمبراطورية مسلمة' (Empire musulman)، ستُدعى للعب دور يليق بها، وعليها الاستعداد لذلك من اليوم."
التوقيع الحركي: ج. ك. (J. C.)
[جول كامبون - الحاكم العام للجزائر]
المرجع التوثيقي للحلقة
• اسم الوثيقة: وثائق لخدمة دراسة الشمال الغربي الإفريقي (Documents pour servir à l'étude du Nord-Ouest Africain).
• المؤلفان: هنري دي لا مارتينيير ونابوليون لاكروا.
• الجهة المصدرة: الحكومة العامة للجزائر - مصلحة شؤون السكان الأصليين.
• تاريخ النشر: 1897م.
• توصيف الغلاف: يبرز في أسفل وسط الغلاف ختم دائري باللغة العربية، يمثل التوقيع الرسمي والسياسي لصاحب الأمر بإصدار هذا التقرير، وجاء فيه حرفياً:
"عبدُه جول كامبون والي مملكة الجزاير دام عزه".







