فن وإعلام

برحيل كمال العبيدي، نفتقد نموذجا يزداد ندرة في الصحافة العربية

عبد العزيز كوكاس (صحفي)

كان كمال العبيدي من طينة الصحافيين الذين يرفعون سقف المهنة، بصلابة الموقف وهدوء الفكرة ونظافة اليد. في بلده وفي منفاه وفي عودته، ظل وفيا لمبدأ بسيط وعميق: الصحافة مسؤولية أمام الحق والحقيقة والناس. لذلك قاوم استبداد نظام بن علي وحين عاد رفيق دربه منصف المرزوقي للحكم، تكلف بملف إعادة تأهيل إعلام تونس.

عرفته في بداية الألفية حين كنت تحرير رئيس "الصحيفة"، ثم توطدت علاقتنا حين حلّ بالمغرب بعد 2005 مع وفد من لجنة حماية الصحافيين الأمريكية Committee to Protect Journalists (CPJ حول ما حدث ل"الأسبوعية الجديدة" في أشد لحظات محنتها، لكنه تكثّف لاحقا في دفء البيوت سواء بمقامه بأمريكا أو هنا بالمغرب. استقبلته في بيتي أكثر من مرة، ورأيت فيه إنسانًا يستمع قبل أن يتكلم، ويسافر بعينيه بين سؤال وسؤال.

وحين عاد إلى تونس بعد الثورة، واستقر في العاصمة في ظل حكم المرزوقي، استضافني في بيته بنفس البساطة وبنفس الألفة، وزرنا مسقط رأسه مدينة "بوحجر" التابعة لولاية المنستير وكأن السنوات لم تمرّ، وكأن الصحافة هي الجسر الذي لا ينهار بين الناس مهما تقلبت الأمكنة والسياسة والأقدار. تكلّمنا يومها عن المهنة، وعن الصحفيين الذين يبيعون ضمائرهم بسهولة، وعن الذين يظلون أوفياء رغم كل شيء، وكان هو واحدا من هؤلاء الذين لا يساومون على نبل رسالة الصحافة.

برحيله، نفتقد نموذجا يزداد ندرة في هذه الحرفة: صحافيا بضمير، بذاكرة، وبشجاعة بلا ضجيج. ورغم مرارة الفقد، فإن أثره باقٍ في من عرفوه، وفي تلك اللحظات التي تصنع خارج نصوص الجرائد وتقارير المنظمات، في البيوت، في الصدور، وفي تلك الأخوة الإنسانية التي لا يكتب عنها أحد لكنها تصنع أجمل ما يبقى من المهنة ومن العمر. رحمه الله وجعل ذكراه نبيلة كما كان.