تشكل المنافسات الرياضية، ومن ضمنها مباريات كرة القدم، فرصة لتوطيد وتعميق علاقات الأخوة والمودة بين الرياضيين المغاربة، وأشقائهم من أرض الكنانة، مصر الغالية، ومن مختلف البلدان العربية والإسلامية والإفريقية والعالمية، حينما تجمع بينهم تجاذبات وحسابات التباري، ومعادلة الربح - الفوز والخسارة، تحت مظلة مسابقة معينة...
وتتوالى هذه اللقاءات الرياضية، أحيانا بصفة منتظمة، وأحيانا أخرى بصفة متقطعة، إلا أنها تظل قائمة ومتجددة، لتعلي من شأن التنافس الرياضي، الذي ينبغي ألا يفسد للود قضية، وتساهم في تعزيز وشائج التسامح والاحترام والتقدير والتعاون والتضامن وتبادل الخبرات، بين الأطراف المتنافسة، وتحقيق مكاسب ومنافع، قد تبدو متفاوتة، على مستوى النتيجة والحصيلة التنافسية، إلا أنها في الحقيقة تكون متساوية في آثارها الإيجابية التقييمية والتقويمية البناءة.
هذا هو المفروض، على سبيل المثال لا الحصر، أن يسود بين الأندية والمنتخبات المغربية والمصرية، ومكونات الحركة الرياضية في البلدين الشقيقين، وتنخرط في تدعيمه وسائل الإعلام المهنية باختلاف مستوياتها وأجناسها، وفصائل المشجعين على وجه الخصوص، والجماهير الرياضية بصفة عامة.
ولابد من الاعتراف بأن ما وقع أخيرا، بمناسبة مباراتي الذهاب والاياب بين الجيش الملكي والأهلي، في إطار منافسات دور المجموعات لدوري أبطال إفريقيا 2026، مرفوض ومدان جملة وتفصيلا، ويقتضي الواجب استنهاض الهمم والإجماع، للتصدي له، والعمل على عدم تكراره، ليس بالشعارات والأقوال التمويهية والخادعة، وإنما بالأفعال الحقيقية والتوجهات المجدية.
ومن الضروري أن يستحضر الجميع، أن قيم الرياضة، وقواعد التنافس النزيه، تتيح فرص التلاقي مرات ومرات، وهو ما يفرض تجسيد مبادئ حسن الاستقبال وكرم الضيافة، والروح الرياضية العالية بشكل صحيح ودائم، على أصعدة عديدة، وخاصة على المدرجات و"المستطيل الأخضر"، والإقتناع القوي بأن خطابات التحريض على العداوة والكراهية، والممارسات المشينة واللأخلاقية، لا أحد يسلم وينجو من تبعاتها وأضرارها، وأن الكل خاسر فيها...
لذلك، لا مجال للمقاربة العاطفية العمياء، في مناقشة ظاهرة الاستقواء بنزعات التحريض على العنف، وعدم قبول الآخر، وتبرير ما لا يقبل أوجه الفهم والتفهم والاستيعاب.
وإنما، يقتضي الواجب الإنساني والأخلاقي والرياضي، والهوياتي، التشبع والتشبث بالمقاربة العاطفية العقلانية، إن جاز التعبير، في الدعوة والتحسيس والتوعية، بحتمية انتصار الجميع لقيم التعايش والتسامح، واغتنام فرص التلاقي للتأكيد على أن ما يجمع بين الرياضيين في المغرب وأشقائهم في مصر، أكثر مما يمكن أن يفرق بينهم على وقع نتيجة رياضية، قابلة للاستدراك ورد الاعتبار، وأن الكثير مما يجمع ينبغي أن يُستغل ويُستثمر لتطوير العلاقات وأوجه التعاون، لما فيه الخير للجميع، ويكون له الأثر البالغ في بناء وتنمية قدرات كل طرف.
لنكن واقعيين وصادقين، لا القيم النبيلة، التي تأسس على هداها الجيش الملكي (الجمعية الرياضية للقوات المسلحة الملكية)، ولا القيم النبيلة التي تأسس عليها النادي الأهلي، تجيز وتسمح بأحداث الشغب، التي أطلت بوجهها القبيح سواء في مباراة الذهاب بالرباط، أو مباراة الإياب بالقاهرة.
نتمناها حالة عابرة، وليست مستقرة، ولكي تصبح في حُكم الماضي المنسي، فمن الأهمية بمكان أن يستخلص منها، كل من يهمه الأمر، الدروس والعبر، وهو يؤمن بأن قيم التعايش والإخاء ضرورة ملحة وحتمية، لتجويد آليات وقواعد التنافس الرياضي.
وهذا البعد الراقي في منطلقاته وأهدافه، يبرز مدى حاجة كل الأطراف والمتدخلين إلى تَمَثُّل منهاج الثقافة الرياضية، كمشتل للقيم البانية، في الفكر والسلوك والتوجه والرقابة الذاتية وضبط ردود الأفعال، والتقيد بروابط الاحترام تجاه الآخر.
إنه المدخل الذي لا مفر منه، لتبديد سوء الفهم، أكان كبيرا أو صغيرا، وترسيخ الوعي بقيم التسامح، بين كل المتدخلين والمكونات، وتجسيدها على أرض الواقع، حتى تكون عاملا محوريا في بناء شخصية كل الرياضيين والفاعلين والمؤثرين، وفي تثبيت مرتكزات الاستقرار التنافسي الآمن، والتصدي للظواهر والآفات السيئة، كالتعصب الأعمى والعنف، والتزوير والغش والتدليس.
تحت سقف الثقافة الرياضية، يجتمع الجميع، مهما تباينت انتماءاتهم وألوانهم الرياضية، ومستوياتهم ومواقعهم.
الثقافة الرياضية هي صمام أمان، نحو تقدير المسؤولية، تجاه الذات، وتجاه الآخرين..
الثقافة الرياضية تكسب كل المتدخلين، المناعة والكفايات للقدرة على التخطيط واستباق المشاكل والأزمات، حتى إذا طفت على السطح في التوقيت المتوقع، تعالج بإجراءات عملية تنفذ إلى العمق، ولا تبقى حبيسة المعالجات السطحية...
لا هي بصرخة تائهة، ولا بصيحة في واد، وإنما نداء نابع من القلب، لحماية وتحصين أسس ومقومات التنافس الرياضي النزيه، وأواصر الهوية المشتركة بين مكونات الحركتين الرياضيتين في المغرب ومصر، لتظل فرص التنافس مواعيد للاحتفال بالتميز والإبداع في أبهى تجلياته.






