لطالما آمن المغاربة بالبعد الإفريقي واستثمروا فيه سياسيًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وكرّسوا له جهدًا استثنائيًا يفوق بكثير ما تفرضه الجغرافيا أو تمليه المصالح المباشرة.
غير أن هذا الإيمان الذي اتسم في كثير من مراحله بسخاء مفرط ونزعة أخلاقية عالية لم يُقابل للأسف بعائد يوازي حجم العطاء ولا باعتراف يعكس عمق الالتزام المغربي تجاه القارة
فالمغرب لا ينكر انتماءه الجغرافي لإفريقيا لكنه في المقابل لا يمكنه الإستمرار في إنكار حقيقة أكثر إيلامًا غياب روابط استراتيجية متينة وضعف الشراكات المتكافئة وهيمنة منطق الإنتهازية السياسية لدى عدد من الدول الإفريقية التي لا ترى في المغرب سوى خزّان دعم ومصدر استثمار دون أي استعداد حقيقي لبناء علاقة ندّية قائمة على المصالح المتبادلة
أمام هذا الاختلال البنيوي في ميزان العطاء والاعتراف يصبح من المشروع بل من الضروري إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية للمملكة نحو الفضاء الأوروبي ليس بدافع القطيعة مع إفريقيا، بل انطلاقًا من منطق العقل السياسي النابغ وحسابات المصلحة العليا للدولة فبدل استنزاف الطاقات في معارك رمزية داخل فضاء لا يمنح ولا يعترف الأجدر توظيف هذه الجهود في بناء مناعة مؤسساتية اقتصادية وقانونية تُمكّن المغرب من الالتحاق المنهجي والمنظّم بالاتحاد الأوروبي
وعليه لم يعد المطلوب مجرد مراجعة شكلية للاختيارات بل إعادة هندسة شاملة لأولويات القرار الاستراتيجي والانحياز الواعي إلى فضاء يقوم على قواعد مؤسساتية واضحة ويقيس العلاقات بمنطق الفعالية والمردودية ليس فقط بالخطاب الأخلاقي.
فالتخلي عن الرومانسية الإفريقية ليس نكوصًا عن الجغرافيا بل انتقالًا عقلانيًا نحو براغماتية أوروبية صارمة تُعيد تموضع المغرب داخل مسار تاريخي منسجم مع طموحاته السيادية وقدراته الواقعية.






