سياسة واقتصاد

مفاوضات مدريد ..مواجهة الأصيل وفضح الوكيل على طاولة الواقعية السياسية

احمد الدافري (إعلامي)

 

تثير بعض القراءات الساذجة والسطحية التي يروجها أصحاب منصات معادية للمملكة المغربية تساؤلات واهية حول جدوى جلوس المغرب على طاولة واحدة مع عناصر تلك العصابة الوظيفية، حيث يحاول هؤلاء تصوير الأمر كأنه تراجع من المغرب عن وصفهم بالمرتزقة أو اعتراف ضمني بكيانهم الموهوم.

غير أن القراءة العلمية المتأنية لأبجديات العلاقات الدولية تظهر عكس ذلك تماما، إذ أن قوة الدبلوماسية المغربية تكمن في قدرتها على إدارة الصراع مع المحرك الحقيقي للنزاع وهو النظام الجزائري، مع حصر تلك العناصر في حجمها الطبيعي باعتبارها مجرد أدوات وظيفية لا تملك من أمرها شيئا، حيث يدرك العالم اليوم أن المغرب لا يتفاوض مع شبح لا إرادة له، بل يجر الدولة التي تستعمل هذا الشبح إلى واجهة المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام المنتظم الدولي.

إن جلوس المغرب في هذه المحطة الدبلوماسية لا يشكل اعترافا قانونيا بكيان يفتقر لأدنى مقومات السيادة، بل هو معاينة ميدانية لحالة التبعية المطلقة التي تعيشها تلك العصابة تجاه صانعها في قصر المرادية.

فالمنطق السياسي يؤكد أن أي تنظيم يقيم فوق أرض دولة أخرى، ويتحرك بطائراتها، ويتسلح من ميزانيتها، ويأتمر بأوامر استخباراتها، لا يمكن اعتباره طرفا أصيلا في أي حوار، بل هو مجرد كومبارس يتم استحضاره لتأثيث المشهد، بينما تظل المفاتيح الحقيقية في حقيبة وزير الخارجية الجزائري. ومن هنا يبرز ذكاء الدبلوماسية المغربية التي ترفض أي حوار ثنائي مع تلك العناصر الوظيفية، وتصر على حضور الجزائر كطرف أساس، مما يسقط أسطورة النزاع المفتعل ويضع الدولة الجارة أمام مسؤولياتها كطرف مباشر يمول ويسلح ويوجه تلك العناصر من فوق ترابها في تندوف.

وعلى المستوى القانوني، فإن ممارسات التفاوض الدولية تميز بشكل قاطع بين الحضور الفيزيائي في الاجتماعات وبين الاعتراف بالصفة السيادية، إذ أن الدول الرصينة تتفاوض أحيانا مع كيانات غير شرعية أو عصابات متمردة لفرض شروط الاستقرار دون أن يمنحها ذلك شرعية الدولة. والمغرب في جولة مدريد الأخيرة استطاع أن يحول الطاولة إلى منصة لمحاصرة المُشَغل الحقيقي، مؤكدا أن تندوف هي أرض داخل الحدود الجزائرية، وأن كل ما يقع فوقها من انتهاكات أو تحركات عسكرية يقع تحت المسؤولية المباشرة للدولة الجزائرية وفق مقتضيات القانون الدولي.

إن الحضور المغربي في المفاوضات التي تشارك فيها عصابة وظيفية إلى جانب النظام الذي يوظفها هو في جوهره عملية تعرية شاملة للوكيل وكشف صريح للأصيل، حيث يظهر للعالم أن تلك العصابة ليست سوى ورقة ضغط محروقة يحاول النظام الجزائري يائسا إطالة عمرها لخدمة أجندته الإقليمية.

إن النتائج التي تمخضت عن هذا اللقاء تؤكد أن قطار التسوية قد انطلق فعليا بناء على الرؤية الاستراتيجية المغربية، وهي رؤية لا تلتفت للمناورات الصغيرة بل تركز على حسم الملف مع القوى الفاعلة والدول المؤثرة. فبينما يغرق أعداء الوحدة الترابية المغربية في شعاراتهم المتجاوزة، يواصل المغرب تثبيت واقعية الحكم الذاتي كحل وحيد لا بديل عنه، محققا انتصارا دبلوماسيا هادئا يثبت أن الجلوس على الطاولة كان بغرض إثبات انعدام وزن الطرف الوظيفي، وتأكيد أن الحوار الحقيقي والوحيد هو الذي يجري مع النظام الجزائري بصفته الشيء والمحرك والمسؤول الأول والأخير عن هذا النزاع، أما ما عدا ذلك فليس سوى تفاصيل عابرة في طريق طي هذا الملف بصفة نهائية وتحت السيادة المغربية الكاملة.

وهذا ما كان.