(المقال الاصلي بالفرنسية)
أدركت الجزائر أخيرًا أن زمن المماطلة والأكاذيب والدعاية قد ولّى. وقد استغرق الأمر نصف قرن قبل أن تستفيق، ولم يكن ذلك إلا بضغوط شديدة من الولايات المتحدة وبعض الدول المؤثرة في العالم.
لم تحاول الجزائر أبدًا أن تتدارك الأمر، رغم إشارات واضحة لإسبانيا وفرنسا وألمانيا، وحتى روسيا. لم تدرك أن البوصلة الدبلوماسية قد وجهت رأسها نحو المملكة المغربية.
لو أدركت ذلك مبكرًا، لاغتنمت الفرصة وفتحت مفاوضات مع المملكة المغربية لحل قضية الصحراء والعديد من قضايا الجوار الأخرى، متجنبةً بذلك الاستسلام القسري.
لقد بقيت الجزائر، إلى حد ما، خارج مسار التاريخ والتغيرات العالمية، إذ ظل جدار برلين قائمًا في الجزائر ومنيعًا في وجه كل اختراق، رغم أن الكتلة الشرقية بأكملها تخلت عن أوهامها الاشتراكية.
إن الاشتراكية في صيغتها الجزائرية تعني الفساد والاختلاس المستشري للمال العام والندرة المتكررة لبعض المواد الغذائية الأساسية، بما في ذلك الوقود في بلد منتج، وتقنين التموين وتوزيع المواد الغذائية والارتجال والانتهازية السياسية.
لا شيء يتغير في هذا البلد، باستثناء الخطاب الشعبوي والدعاية ثم العداء المنتظم تجاه المغرب. وتتغذى الدعاية على وجه الخصوص بمحاربة المخدرات، كأن القضية تهم الجزائر بمفردها في العالم، إذ تعتبر الجهات الرسمية أن البلد مستهدف من طرف المغرب، علما أن المغرب مثل جميع الدول يحجز كل سنة أضعاف الكميات المحجوزة عند جارته الشرقية بدون أن يتهم أي مصدر للمخدرات.
إن الاهتمام المبالغ بمحاربة المخدرات، وهو أمر من اختصاص الجيش، يتجاوز بكثير اهتمامات الدولة بحاجيات الشعب المتعلقة بالعدس والحليب الطري والزيت.
وقد تحفظت بعض الأوساط منذ البداية تجاه عملية تطبيع العلاقات مع المملكة المغربية عام 1988، حين كانت هذه الجارة المزعجة غارقة في أزمة متعددة الأوجه، وعلى الخصوص بعض المنابر الإعلامية المناوئة لبلدنا وشخصيات من نظام الحزب الواحد. لم يستمر التطبيع في الواقع سوى بضع سنوات (عهد الشاذلي بن جديد وبوضياف).وقد حرص
نظام بوتفليقة من جهته على تجنب القطيعة التامة.
وقد جاءت "الجزائر الجديدة" لتنفيذ هذه الأطروحة البائدة وقطع العلاقات مع المملكة من طرف أولئك الذين يحنون إلى نظام الحزب الواحد ونظام الريع والذين يتبنون بفخر واعتزاز مبادرة إغلاق الحدود البرية كإنجاز دبلوماسي رفيع (أحمد عطاف).
بذل رموز العهد البائد قصارى جهدهم للرجوع بالنظام إلى عهد الطاغية هواري بومدين، لأن التطبيع، من بين أمور أخرى، حسب رأيهم، قوّض إستراتيجيتهم الداخلية والدولية. إذ واجهت الجزائر صعوبات في إدارة هذه التناقضات: "مهاجمة المغرب باستمرار في المحافل الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه تطبيع العلاقات مع هذا الخصم".
كان دعاة هذه الطرح يعتقدون أن القطيعة مع المغرب، تحت ذرائع مختلفة، ستعزز موقف الجزائر في الدفاع بكل حرية عن القضية الأم بالنسبة لها وهي قضية الصحراء المغربية. على الرغم من كل ذلك، واجهت الدبلوماسية الجزائرية صعوبات جمة في استعادة مجدها "الثوري" السابق.
المشكلة ليست في الأشخاص، بل تكمن في العقيدة التي ظلت جامدة منذ استقلال البلاد. لقد انهارت صورة الجزائر الدولية لعدة أسباب، منها:
- دولة تلغي عملية انتخابية ديمقراطية، تم الترويج لها على نطاق واسع، انتهت في الأخير بقتل 250.000 جزائريًا، من بين المعارضين للانقلاب.
- دولة تقتل في نقل مباشر على شاشة التلفزيون قتل رئيس الجمهورية، الذي لم ينه بعد 6 أشهر من تنصيبه على رأس هرم الدولة.
- دولة تدافع بشكل مفرط عن تقرير مصير شرذمة من المرتزقة، يتم استخدامهم في صراع للنفوذ ضد المملكة المغربية.
- دولة تمنع ذكر اسم "المغرب" في المسابقات الرياضية الدولية وفي كل المناسبات.
- دولة تحاول بناء تاريخها من العدم، من خلال محاولات للاستيلاء على الإرث التاريخي للمملكة.
باختصار، اكتشفت الدول الأجنبية أن المغرب كان في قلب إستراتيجية الدبلوماسية الجزائرية على الصعيد الدولي، وأن الدوافع لم تكن بعلاقة مع قضية تقرير المصير، الذي تم رفضها حين تعلق الأمر بمصير الشعب الجزائري.
"الدولة الجزائرية الجديدة" لم تأخذ في الحسبان، في كل مخططاتها تجاه المغرب، هذه الاعتبارات، عند تقييم تراجعها الدبلوماسي في العالم، حتى في الأيام الأخيرة، معتقدة أنه بإمكانها التصدي لآخر قرار صادر عن مجلس الأمن والوقوف ضد إرادة الولايات المتحدة في حل هذا النزاع، من خلال خطة الحكم الذاتي المغربية.






