ليست الكوارث الطبيعية مجرد ظواهر عابرة في سجل الأحداث، بل هي لحظات فارقة تختبر تماسك الدول ونجاعة مؤسساتها. ففي قلب العاصفة، حيث يتقلص هامش الزمن وتتقدم سلامة الإنسان على كل اعتبار، تسقط الأحكام الجاهزة، ويعلو معيار واحد: كيف يدار الخطر حين يصبح واقعا؟ من هذا المنظور، شكلت فيضانات مدينة القصر الكبير لحظة كاشفة، لا فقط لحجم التحدي، بل أيضا لمنطق التدبير العمومي حين يوضع أمام امتحان المسؤولية.
منذ اللحظات الأولى لظهور الخطر، بدا أن منسوب الوعي بحجم التهديد كان حاضرا لدى السلطات العمومية، وأن التعامل مع الوضع لم يترك لمنطق الانتظار أو التردد. فالتدخل لم يكن رهيناً باكتمال الكارثة أو تضاعف الخسائر، بل انطلق وفق مقاربة تعتبر أن درء الخطر المحتمل أولى من معالجة نتائجه المؤلمة. الإجلاء الاستباقي للساكنة، وتأمين الأحياء المهددة، وتعبئة مختلف المتدخلين، كلها إجراءات عكست تصوراً واضحاً مفاده أن حماية الأرواح تظل أولوية مطلقة.
إن ما يلفت الانتباه في هذا السياق ليس فقط سرعة التفاعل، بل طبيعة القرار المتخذ. فقرار الإجلاء، في حد ذاته، ليس قرارا تقنيا بسيطا، بل هو قرار ثقيل الكلفة اجتماعيا وتنظيميا ولوجستيا، وقد يثير ردود فعل متباينة. ومع ذلك، تم الحسم فيه انطلاقا من منطق واحد: لا مجال للمغامرة حين يتعلق الأمر بحياة الناس. هذا الاختيار يعكس تحولا مهما في فلسفة التدبير، حيث لم تعد الدولة أسيرة منطق التدخل بعد وقوع الضرر، بل باتت تشتغل وفق تصور استباقي يفضل الوقاية على المجازفة.
وقد اكتسب هذا المنحى بعدا مؤسساتيا أوضح مع البلاغ الأخير لرئاسة الحكومة، الصادر على إثر الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدتها المملكة خلال الشهرين الماضيين، وخاصة في سهل الغرب واللوكوس. فبناء على التعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تم إعلان هذه الاضطرابات حالة كارثة، وتصنيف جماعات أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة، وهي خطوة ذات دلالة قانونية وتدبيرية تعكس انتقال الدولة من منطق الاستجابة الظرفية إلى منطق التأطير المؤسساتي للأزمة.
ولا يقتصر الأمر على البعد الرمزي أو الإجرائي، بل يتجسد كذلك في البرنامج الواسع للمساعدة والدعم، بميزانية توقعية تبلغ ثلاثة ملايير درهم، تم إعداده بناء على تقييم ميداني دقيق ومعمق للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية. ويرتكز هذا البرنامج على محاور أساسية تشمل مساعدات لإعادة الإسكان وتعويض فقدان الدخل وإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية وإعادة بناء المساكن المنهارة، إضافة إلى مساعدات عينية لتعزيز التدخلات الاستعجالية، ودعم موجه للمزارعين ومربي الماشية، فضلا عن استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل البنيات الأساسية الطرقية والهيدروفلاحية والشبكات الحيوية.
إن هذه الإجراءات، بما تحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية وتنموية، تؤكد أن تدبير الكارثة لم يختزل في لحظة الإنقاذ، بل امتد ليشمل مرحلة ما بعد الأزمة، حيث يصبح استعادة الاستقرار وإعادة البناء جزءا من منطق الدولة في حماية مواطنيها. فالأرقام المعلنة – من اجتياح الفيضانات لأكثر من 110 آلاف هكتار، وإجلاء نحو 188 ألف شخص – تبرز حجم التحدي، وفي الآن ذاته تبرز حجم التعبئة المؤسساتية المواكبة له.
كما أن تفاعل الدولة في هذه الأزمة أبرز قدرتها على الاشتغال كمنظومة متكاملة، لا كمجموعة قطاعات معزولة. فقد ظهر بوضوح التنسيق بين مختلف المستويات الترابية والمصالح التقنية والأمنية، في انسجام يبتعد عن الارتجال ويقترب من التدبير العقلاني للأزمات. هذا الانسجام لا يتجلى فقط في القرارات الكبرى، بل أيضا في التفاصيل اليومية المرتبطة بتنظيم الإيواء، وتأمين الممتلكات، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
وفي خضم هذه الأزمة، برز دور المجتمع المدني باعتباره فاعلا مكملا للجهد العمومي، لا بديلا عنه. فقد أبانت الجمعيات المحلية وشبكات المتطوعين عن قدرة عالية على التعبئة السريعة، سواء عبر المساهمة في عمليات الإيواء أو توفير الدعم الغذائي واللوجستي أو تأطير حملات التضامن. هذا الحضور لم يكن مجرد فعل إحساني عابر، بل تجسيدا لوظيفة اجتماعية راسخة تترجم وعيا جماعيا بأن تدبير الكوارث مسؤولية مشتركة.
وفي مقابل هذا المشهد، برزت بعض الأصوات التي اعتادت النظر إلى الكوارث من زاوية التشكيك أو الاستثمار السلبي في المعاناة الإنسانية، متناسية أن الأزمات الطبيعية لا تدار بمنطق المزايدة، بل بمنطق المسؤولية. غير أن التدبير الهادئ والمتزن، المدعوم اليوم بإطار قانوني واضح وبرنامج مالي واجتماعي واسع، يضع هذا الخطاب أمام اختبار الواقعية.
إن هذه التجربة، بما لها وما عليها، تقدم نموذجا دالا على كيفية تفاعل الدولة مع الأزمات المركبة في سياق يتسم بتزايد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية. وهي تؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز الأزمة الآنية، بل في استثمار دروسها لترسيخ سياسات عمومية تجمع بين الاستباق والنجاعة والبعد الإنساني.
بهذا المعنى، لا يمكن اختزال ما وقع في كونه مجرد تدبير ظرفي لفيضانات عابرة، بل هو تعبير عن خيار أعمق يضع الإنسان في قلب القرار العمومي، ويؤكد أن الدولة، حين تختبر في أقسى الظروف، قادرة على أن تحول الأزمة إلى لحظة تثبيت لنموذج تدبيري يقوم على حماية الأرواح، وصون الكرامة، وإعادة البناء بثقة ومسؤولية.






