التَّديّّن هو انتقال الدين المشار إليه في القرآن الكريم والذي بدأ في الانتشار بين الناس منذ نوح، عليه السلام، أول الأنبياء والرسل واستمرَّ في الانتشار إلى أن اختار اللهُ، سبحانه وتعالى، محمداً (ص)، كآخِرِ الرسل والأنبياء.
وما يُثيرُ الانتباهَ، هنا، هو أن التَّديُّنَ، حسب ما يُروِّج له علماء وفقراء الدين، أي أن الأخذ بالدين، أي التَّديُّن، ليس أمرا يخص الفردَ. بل إنهم يعتبرونه أمراً جماعياً. وما دام التَّديُّن أمرا جماعِيا، فإنه، في نفس الوقت، يصبح إجبارياً. وهذا يعني أن الفردَ لا اختيار له في الأخذ به. إما أن يفعلَ، كما تفعل الجماعة، وإلا أن الجماعةَ، وعلى رأسِها علماء وفقهاء الدين، تُصنِّفُه في خانة الكُفار.
وهذا غير صحيح. والدليل على ذلك، أن القرآنَ الكريمَ يعطي للفرد الحريةَ في الأخذ بالدين (الإسلام) وفي تركِه أو عدم العمل به. بل إنه عملٌ فردي، أي تدور أطوارُه ببن خالِقٍ هو الله، عزَّ وجلَّ، ومخلوق هو الإنسان. لماذا؟
لأن كلَّ شخص يفهَم ويدرك الدينَ، حسب ما يتوفَّر عليه من قدرةٍ فكرية وحسب ما توارثه من الأباء والأمََّّهات وحسب مستواه الثقافي. وارتباط التديُّن بالفرد وارِدٌ في القرآن الكريم حيث قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 29 من سورة الكهف : "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا". وقال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 10 من سورة الانشقاق : "وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ".
هذه الآية الكريمة، رقم 10 من سورة الانشقاق، تتحدَّث عن يوم الحساب. والحساب، كما تُشير الآية إلى ذلك، أمرٌ فردي بدليل أن الهاء، كضميرٍ متصلٍ بإسمَي "كتاب" و"ظهر"، يوجدان في الآية في صيغة المُفرَد. والإنسان يُحاسَب على تديّّنه وليس على الدين، والدين موجَّه لكل الناس، بينما التِّديُّن يكون فردِياً، علماً أن كل فردٍ يُدرك ويفهم الدينَ حسب، كما سبق الذكر، مستواه الفكري والثقافي وحسب ما تعلَّمَه من الأسرة والمجتمع.
وعودةً إلى عنوان هذه المقالة، لماذا جعلتُ، في نفس العنوان، التَّديُّنَ مقترناً ب"التًَخويف" وب"النِّفاق"؟
جوابا على هذا السؤال، أقول وألحُّ على ما أقول، إن اقترانَ التَّديُّنِ بالخوف غير موجود في القرآن الكريم. فهل يعقَل أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يعطي الحرية للناس في الأخذ بالدين أو في تركه، ثم يلجأ إلى تَّخويفِهم حين لا يأخذون بهذا الدين؟ في هذه الحالة، سيكون اللهُ، سبحانه وتعالى، ظالِماً للعِباد. وحاشا أن يكونَ الظلمُ من الصفات الإلهية. إذن، من أين يأتي الظلمُ المقترن بالتَّديُّن؟
الظلمُ يأتي مما أنتجه علماء وفقهاءُ الدين من معارف وفتاوى دينية. وبعبارة أخرى، التَّديُّن، حسب إدراكِ وفهمِ هؤلاء العلماء والفقهاء للدين الوارِد في القرآن الكريم، يأتي دائماً مقترناً، في التراث الذي تركه لنا الأولون، بالتَّخوبف والتَّرهيب والتَّرعيب. والدليل على ذلك، "قتل المُرتد" الذي يتعارض أو يتناقض مع حرية العقيدة الواردة في القرآن الكريم. علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، مُنزَّهٌ عن الظلم وحرَّمه على الناس. قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 40 من سورة النساء : "إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ". وقال ويقول، في الآية رقم 46 من سورة فصِّلت : "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ". إذن، التَّخويفُ المقترنُ بالتَّديُّن، هو من صُنع علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين الذين سارت غالبيتُهم العُظمى على نهج هؤلاء القدامى.
أما النفاق، فحدِّث ولا حرَج! وهنا، أستدِل بأمرٍ يتخذه علماءُ وفقهاءُ الدين الحاليون مطيةً لتجاوز الحديث الصحيح الذي يقول "لاوصيَّةَ لوارثٍ". إنهم يوصون ب"الهِبَة" للوارث، وخصوصا إذا كان أنثى. السؤال الذي يفرِض نفسه علينا، هنا، هو : "هل تُعتبَر هذه الوصاية نفاقاً ومخالفةً للأحاديث النبوية (السُّنة) التي يعتبرونها تشكِّل "ثلاثةَ أرباع الدين"، حسب ما قاله رئيس مؤسسة "الأزهر" في إحدى مداخلاته.
بالفعل، علماء وفقهاء مؤسسة الأزهر ومَن يسير على نهجِهم يعتبرون السنَّة، هي أساسُ الدين، ما دامت تُشكِّل ثلاثةَ أرباع الدين. وهذا معناه أنه لم يبقَ للدين الوارد في القرآن الكريم، إلا ربعٌ واحدٌ. وهذا ليس غريباً على هؤلاء العلماء والفقهاء، إذ بإمكان السنة (أقوال وأفعال وتقريرات النبي والرسول محمد) التي هي ظنِّية الثبوت، أن تنسخَ آياتٍ كريمةً بأكملها والتي هي قطعية الثبوت.
وفي ختام هذه المقالة، ما يُستشفَّ من هذه التَّصرفات، المنسوبة للدين والتَّديُّن، أن علماءَنا وفقهاءنا، هم مَن صنع التخويف والنفاق المقترِنين بالتَّديُّن. وما يزيد في الطِّين بلَّةً، هو أن كثيرا من الناس لا يُشغِّلون عقولَهم لإدراك ما يسعى إليه هؤلاء العلماء والفقهاء من أهدافٍ، أهمُّها، هو بقاءُهم مُسيطِرين على عقول الناس ومنعها من الاشتغال.
واشتغال العقول في الأمور الدينية، يعتبِره علماءُ وفقهاءُ الدين، القدامى وجل الحاليين، محرَّمٌ، لأنه قد يقود إلى الكفر والشرك والإِلحَاد والارتداد… علماً أن اشتغالَ العقل هو الذي مكَّن مَن يعتبرونهم كفَّارا، من قطع أشواطٍ كبيرةٍ في مختلف مجالات التقدم العلمي والتِّكنولوجي، وبالتالي، إعطاء بلدانِهم الصدارة في التنمية والاقتصاد…






